الرئيسية | الوطن الثقافي | حميد بوحبيب ـ عودة إلى ماركس .رحلة كارل ماركس إلى الجزائر . من تأليف الصديق عبد العزيز بوباكير.

حميد بوحبيب ـ عودة إلى ماركس .رحلة كارل ماركس إلى الجزائر . من تأليف الصديق عبد العزيز بوباكير.

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


 د. حميد بوحبيب
 
 
 
عودة إلى ماركس .
فرغت للتو من قراءة كتاب "موريسكي في الجزائر"
رحلة كارل ماركس إلى الجزائر .
من تأليف الصديق عبد العزيز بوباكير.
الصادر عن منشورات دار ميم للنشر 2019.
هذا الكتاب صغير الحجم (73 صفحة) ، ولكن قيمته لا تضاهى .
لغة المؤلف راقية جدا ، وقدرته على لملمة خيوط السرد تفوق قدرة معظم الروائيين عندنا ، فضلا عن الدقة وتوخي الأناقة المعجمية دون السقوط في فخ البلاغة الخرقاء والتقعر .
وعلى مستوى المضمون، أي الطرح الفكري ، فقد التزم المؤلف بالموضوعية إلى حد بعيد جدا ، إذ لم يجار الآراء الجاهزة والأحكام المسبقة التي صنعت خرافات عديدة بشأن زيارة ماركس الجزائر ، وكذا حول موقفه من الاستعمار بشكل عام .
بأسلوب محقق المخطوطات ، وبطريقة التحري استطاع الصديق بوباكير أن ينسف العديد من الأطروحات المغلوطة، دون أن يتخذ موقف المرافعة والحجاج السجالي المتحمس.
بدأ المؤلف بوضع زيارة ماركس في سياقها التاريخي والبيوغرافي ، فذكر بأن ماركس لم يزر الجزائر للسياحة أو لمعاينة الوضع الاستعماري وتحليله كما زعم العديد من المؤلفين، فماركس جاء للاستشفاء ، فقد كان مريضا مرهقا، والأطباء هم الذين نصحوه بمناخ الجزائر الدافىء...ولكن لسوء حظه كان شهر فيفري باردا ممطرا، وهو ما يظهر في رسائله إلى صديقه انجلز، إذ لم يكف عن إبداء تذمره وانزعاجه من حالة الطقس التي جعلت حالته الصحية تتدهور أكثر فأكثر .
بعد ذلك يتابع المؤلف مسار الرحلة ، ليبرهن لنا بأن ماركس، عكس ما زعم بعض الكتاب، لم يغادر العاصمة على الإطلاق ، ولم يزر بلاد القبائل كما زعم بعض محبي الإثارة ، حين ادعوا بأنه زار بلاد القبايل وحضر اجتماعا في " ثاجماعت " !
صحيح أن ماركس اهتم بالملكية المشاعة للأرض في بلاد القبائل ، ولكن كل ما كتبه عنها اعتمد فيه على ما ورد في كتاب كوفالوفسكي ، ولم يزر المنطقة، لأنه أصلا كان مرهقا ومريضا، ولم يتمكن حتى من مراجعة مقدمة "رأس المال" للطبعة الألمانية الثالثة التي أحضرها معه.
لم يزر ماركس مدينة عنابة أيضا مثلما زعم دارس آخر ، وسيجد القارئ تفاصيل هامة حول هذا الأمر.
من المغالطات التي نسفها بوباكير أيضا في هذا الكتاب، ما يتعلق بثورة بوعمامة ، فقد زعم كثير من المتحاملين على ماركس ، بأنه وصف بوعمامة بأنه لص ولم يتأسف إلا على قطع رأسه ...الخ 
ويبرهن صديقنا عبد العزيز ، بأن اللص الذي تحدث عنه ماركس ليس هو بوعمامة، بل مجرد قاطع طريق ، لأن بوعمامة لم يعدم أصلا، لا رميا بالرصاص ولا بالمقصلة ، بل توفي سنة سنة 1908.!
أخيرا ، وبالاعتماد على المراسلات بين ماركس وٱنجلز يتوصل صديقنا بأسلوب بارع إلى إعادة تشكيل الصورة الحقيقية لهذه الرحلة ومواقف ماركس المختلفة، من الأهالي ومن فرنسا ...
فمن خلال المقالات الثلاث التي كتبها ماركس للموسوعة الأمريكية سنة 1858، ندرك حقيقة نظرة ماركس إلى الوضع .
المقالة الأولى عن الأمير عبد القادر ، والقارىء سيجدها أقرب إلى الإطراء، فماركس يرسم لعبد القادر پورتريه البطل الفارس ، الذي يحظى بهالة من التقديس عند أتباعه، المقال تقريبا تكريمي .
المقال الثاني عن الجنرال بوجو، ويبرزه ماركس بأنه سفاح، شرس، ذكي،ماكر .
المقالة الثالثة عن الجزائر ، وهي كافية للرد على من يتهم ماركس بأنه لم يندد بالاستعمار ولم يقف إلى جانب الأهالي .
وسأقتطف لكم فيما يلي فقرة منها :
يقول ماركس :
"منذ السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي للجزائر، ظل هذا البلد البائس حلبة للعنف ومجازر لا تتوقف، فكل مدينة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، تم الاستيلاء عليها في أدق التفاصيل والتضحيات جسام...والقبائل العربية والقبائلية المعتزة باستقلاليتها، والتي تعتبر كراهية الهيمنة الأجنبية أغلى من الحياة نفسها، تم سحقها عن طريق غزوات أحرقت وهدمت خلالها المساكن والممتلكات وأتلفت المحاصيل، وأبيد السكان البائسون أو تعرضوا إلى كل أنواع الرعب من القساوسة والاغتصاب.
وقد استمر الفرنسيون في تطبيق هذا النظام الوحشي من الحرب بالرغم من كل المبادىء الإنسانية والحضارية والمسيحية .
ولتخفيف وطأة أفعالهم يزعمون أن القبائل متوحشون يمارسون القتل ويعذبون مساجينهم ...
ومع ذلك يمكننا أن نشك في سياسة حكومة متحضرة تلجأ إلى قانون شريعة الغاب....الخ".
شكرا للصديق عبد العزيز على جهده وحرصه على تحري الحقيقة والموضوعية .
فهذا الكتاب المختصر هو خلاصة قراءات عميقة وجهد توثيقي رائع.
وما أحوجنا إلى مثل هذه الأعمال التي تجمع بين روعة الأسلوب ودقة الفكرة وموضوعية الطرح .
الكتاب سيكون موجودا في المعرض الدولي للكتاب، وصدقوني لن تندموا على شرائه ولا على قراءته .
وهذا ليس من باب الترويج التجاري ولا من باب التملق .
 

 

شوهد المقال 501 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ، سيكولوجية العالم الافتراضي،تقسيم المجتمع ، L'abcès

 د. عبد الجليل بن سليم عندما بدأ الحراك لم تكن دوائر السلطة مهتمتا بامر الشعب لكن اهتمامها كان كيف تجد مخرجا للمشكلة و أهم شيء
image

خديجة زتيلي ـ لا بديل عن الدولة المدنيّة لقيامة إنسان جزائري جديد ..مقال منع نشره في مجلة ثقافية جزائرية

د. خديجة زتيلي  في الأسبوع الأخير من شهر أفريل المنصرم اتّصل بي الدكتور اسماعيل مهنانة يستكتبني في مجلة ''انزياحات'' الصادرة عن وزارة الثقافة الجزائريّة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats