الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ باب عَزُّونْ... الجزائر المحروسة

فوزي سعد الله ـ باب عَزُّونْ... الجزائر المحروسة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

هكذا كان شارع باب عزون، الشارع الذي يحمل اسم أحد الأبواب الخمسة لمدينة الجزائر التاريخية وأهمها اقتصاديا واجتماعيا، في العهد العثماني قبل أن تزيله من الوجود إدارة الاحتلال الفرنسي وتبني على أنقاضه الشارع الذي احتفظ إلى اليوم بالاسم ذاته ولو انه لم يعد هو ذاته. 
ومثلما محت ادارة الاحتلال الشارع من الوجود، اقتلعت الباب التاريخي الى الأبد مصفيةً معه حسابات تعود الى خريف عام 1541م عندما فشلت الحملة الصليبية على الجزائر بقيادة الإمبراطور الإسباني شارل الخامس وصرخ الفرنسي سافينياك تحت سور المدينة غارسًا خنجره على الباب: "سنعود..."...

 

في العهد العثماني....عمران وحكايات...

 

هنا، في الصورة، مدخل الشارع من جهة ما يُعرف اليوم بساحة بور سعيد والمسرح/الأوبرا. 
على اليسار، جامع ميزو مورتو (Mezzo Morto) أحد ابرز حُكام الجزائر العثمانية وباشاواتها، وهو ايطالي الأصل من مواليد إيطاليا قبل ان يقوده قدره الى الجلوس على كرسي الحُكم في قصر الجُنينة بمحاذاة دار عزيزة أسفل جامع كتشاوة. 
"ميزو مورتو" عِبارتان ايطاليتان كصاحبهما تعني بالعربية الميّت نصفيًا، لان هذا الباشا المقاتل الشرس في صفوف القوات الجزائرية كان مشلولاً نصفيًا على الأقل في مرحلة متقدمة من عمره. وقد ترك للمدينة "المحروسة بالله" هذا الجامع الجميل، ذا الصومعة ثمانية الأضلاع العثمانية النمط المعماري، الذي محاه المحتلون من الوجود خلال العقود الأولى لوجودهم بالجزائر. وكان يقع في الزاوية بين شارع باب عزون والشارع الصغير المحاذي الذي يقود الى سوق شارتر أو حومة الكبابطية، مثلما كان يقول أهل بهجة سيدي عبد الرحمن قبل الاحتلال، وتحديدا حيث محل المنتوجات التقليدية الذي كان في عهد الاحتلال مقهى يحمل اسم Au grenadier...

 

قبالة الجامع، على يمين الصورة، كانت توجد حظيرة الداي التي تتضمن عددا من الأسُود والنُّمور يسهر على تربيتها ورعايتها وترويضها خبراء مختصون، وكانت عادة تُستخدَم في المجال الدبلوماسي كهدايا للملوك الأوروبيين إلى جانب مجموعات من الحايك المرَمّة الذي يكاد ينقرض اليوم... ولم يسجل لنا التاريخ حينذاك هروب نُمور او أسُود من الحظيرة والتسبب في إثارة الهلع في باب عزون والحومات القريبة واضطرار القوات المسلحة، الانكشارية، للتدخل ببنادقها انطلاقًا من ثكناتها الثلاث القريبة لإنقاذ الموقف، رغم ما تردد جورًا في غالب الأحيان عن "الهمجية" المزعومة العثمانيين في بلادنا. وفي الحقيقة، كنا حينذاك نملك دولة...دولة قوية...تخشاها حتى النمور والأسود...

بمحاذاة الحظيرة الشهيرة، على يمين الداخل الى شارع باب عزون من جهة ساحة بور سعيد، اي "رحبة القمح" و"سوق الفحم" خلال العهد العثماني، وُجد سِجن الاسرى الأوروبيين. وما كان يختلف في هندسته وشكله عن ديار وقصور المدينة/القصبة حيث تحيط الغرف بوسط الدار وترتفع بطابق الى ثلاثة طوابق وسطح يطل على مياه البحر والميناء القديم الذي بنى خير الدين بربروس، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، نواته منذ تحرير المدينة من الاحتلال الاسباني في العام 1529م .

 

واذا توغلنا في الشارع إلى أبعد من جامع الباشا ميزو مورتو والحظيرة متوجّهين الى قصر الجنينة بساحة الشهداء الحالية فسوف نكتشف محلات وحمام وجامع خير باشا ومعبد يهودي ومخازن تجارية وتجار ورجال اعمال من مختلف مدن وبلدان البحر الأبيض المتوسط، من البندقية وصقلية وليفورن وبلنسية فمرسيليا واسطنبول وتونس وفاس وتمبوكتو...الخ. 
ولو عدنا الى الوراء تاريخيًا لنحطً الرًحال في سنة 1770م، مصادرنا يعقوب بكري اليهودي الليفورني الإيطالي، وهو من اليهود المَرّانوس، وهم من يهود الأندلس في الأصل، بمعية شريكه بوشناق نفطالي يفاوضان الشركاء في الصفقات والزبائن في محلهما للخردوات الذي كان الخطوة الأولى لهما في مشوارهما التجارى الذي قادهما إلى مصادقة ومصاحبة الدايات في قصر الجنينة والتحول الى مليارديرات زمانهما كمليارديرات اليوم الذين شبًوا ويفعوا واستقووا واستراليا علينا من التعلّق بأذيال السلطة...

 

ولا بد خلال تجوالنا هنا في هذه البقعة التاريخية خلال العهد العثماني ان نفهم للتوّ من خلال زخم الشارع وحيوته وأناسه واكتظاظه وصخبه أنه كان حينذاك رزق المدينة والبلاد وعصبًا اقتصاديًا أساسيا في بهجة الثعالبي سيدي عبد الرحمن...الله يزيد له في الشأن...

وجاء الغزاة...

بعيد الاحتلال سنة 1830، بدأت القوات الاستعمارية تُهدم المدينة وتُفرنِسها عمرانيًا مثلما تتولى دولة الصهاينة المحتلة منذ 1948م تهويد القدس. وكان شارع باب عزون ومحيط قصر الجنينة، اي ساحة الشهداء الحالية، أول الضحايا.

وهكذا، ما إن حَلّتْ سنة 1840م حتى كان شارع باب عزون التاريخي في خبر كان ليقوم على أنقاضه الشارع القبيح الشكل والمنظر الذي نعرف اليوم والذي لم يكسب حتى قلوب غلاة المستعمرين كالكاتب الأكاديمي لوي بيرتران (Louis Bertrand). الشارع فاشل جمالي رغم أنه أصبح شانزيليزيه المدينة المحتلة يتدافع فيه منذ سنوات 1870م أثرياء أوروبا، كلما حلّ فصل الشتاء، متنقلين على رصيف الطرف الأيسر للشارع عند التوجه إلى ساحة بور سعيد بين محلاته الفاخرة ومتسكعين بين مطاعمه وسطوح مقاهيه... لان "المال يعيّط للمال". أما أهل البلاد، أجدادنا، فكان لهم "القمل والصِّيبان" مثلما تقول الجدات...

وهذه سنة الحياة، لأن هذا ما يحدث عادةً للذين يستهلكون جل طاقاتهم في الخصومات والخلافات وهم لا يُحسنون الاختلاف حتى يصل بهم العمى والتّاغنانت الى تهديم الدار على رؤوس كل اهل الدار... وفي نهاية المطاف، "لا غالب الا الله"....

 

 

شوهد المقال 293 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats