الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ عن حومة سيدي الهَدّي التي استُأصِلتْ هويتُها الروحية واستُبدِلتْ بسوق خضر وفواكه...

فوزي سعد الله ـ عن حومة سيدي الهَدّي التي استُأصِلتْ هويتُها الروحية واستُبدِلتْ بسوق خضر وفواكه...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

كانت هذه البقعة، ساحة بوزرينة/لالير، جزءا من الخندق أسفل السور الجنوبي لمدينة الجزائر المحروسة بالله خلال العهد العثماني عندما كانت هذه الحاضرة محميةً من جميع جهاتها بالأسوار والخندق العميق المحيط بها من أسفلها... وهو الخندق الذي تَصَوّره واَنْجَزه مهندسٌ أندلسي حديث الوجود بمدينة سيدي الثعالبي عبد الرحمن جاءها من مدينة ألمرية (Almeria) في شرق الأندلس/إسبانيا خلال القرن 16م.

كان السور في هذه البقعة ينزل غربا، مرورًا بحومة السور والستارة (سوسطارة) وعين مَحْشَاشَة من حومة الباب الجديد، حيث دار السلطان أو ما كان يُسمى منذ القرن 16م بـ: "القلعة" قبل ان تصبح دارًا للسلطان، اي مقر الحُكم وإقامة الباشا حاكم الجزائر الرسمية. وكان السور الجنوبي هذا ينتهي في أقصى طرفه المنخفض، شرقا، في شاطئ البحر أسفل ما يُعرف اليوم بـ: ساحة بور سعيد.

 

هنا في خلف الصورة بين العمارتين، يبدأ شارع بوزرينة أو لالير سابقًا. وبعد خطوات كان يوجد ضريح الوليّ الصالح سيدي الهدِّي الذي تمت إزالته من طرف المحتلين في القرن 19م ومعه تم استئصال روحانية المكان واقتلاعها اقتلاعًا. 
وليس بعيدا عنه، في الأسفل يمينًا باتجاه باب عزون، كانت وما زالت توجد ثكنتان عسكريتان هما الفوقانية والتحتانية التي بنى إحداهما وجدد الأخرى المهندس الأندلسي المْعلَّم موسى الثغري في بداية القرن 17م، وهما منذ العهد الاستعماري مُدْمَجتان في هيكل عمراني واحد هو ما نسميه حاليا نادي الضباط المحاذي لمسرح باش طارزي او الأوبرا سابقاً.
كان السور يمرّ من هنا نازلاً من أعلى المدينة، يسار الصورة حيث توجد البنايتان الخلفيتان المطلتان على شارع بوزرينة/لالير المؤدي عبر "الأقواس" إلى جامع كتشاوة وساحة الشهداء. 
أما مكان الخندق تحديدا فهو مكان البناية الرئيسية في هذه الصورة التي تعود إلى نهاية القرن 19م، على اليسار، وهي سوق بوزرينة/لالير سابقًا. وبطبيعة الحال، كان الخندق يتبع نفس مسار السور متوجهًا الى الوطأ في أسفل المدينة حتى البحر تقريبًا. هنا أيضا تحطّمت ذات خريفٍ من عام 1541م الأحلام الاستعمارية لإمبراطور إسبانيا الليلي شارل الخامس عند الأسوار...ولو استنطقنا الأرض وغُصنا في اعماق ترابها لَوجدنا بقايا أشلاء جثث الاعداد الهائلة وغير المتوقَّعة من قتلا...
هذه البقعة السفلية كانت تحتضن ربوة صخرية، وُجد عند أقدامها خلال الحقبة العثمانية سوق الفحم ومساحة لتدريب الجنود الجزائريين، الانكشارية، على الرماية بالبنادق والمسدسات. وقد احتضنت منذ بداية خمسينيات القرن 19م بناية المسرح الحالي المطل على ساحة بور سعيد والتي قضت هي الأخرى على ضريح سيدي بَتْقَة، ايْ ابو التُّقى، الذي كان أحد أبرز الأولياء والصالحين في "المحروسة بالله" الذي كانت تُطلق له منذ منتصف القرن 15م الطلقات بالمدفعية من سفننت الحربية تحيةً له وتبرُّكًا من طرف البحّارة المجاهدين عند خروجهم للقتال في مياه البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

 

 

وإذا صعدنا مجددا الى السوق، الذي ينتظر كلمة أخيرة منا مطلاًّ علينا وعليكم من يسار الصورة، فلا يمكن ان نقفز على حقه في أن يعرف مرتادوه اليوم أنه جاء ليعوّض حاجة السكان إلى سوقٍ بعد أن دمرت ادارة الاحتلال سوق الخضارين والفَكّاهين العثماني الذي كان يقع إجماليًا في الشارع المنحدر في شكل سلالم وراء العمارتين، خلف الصورة، باتجاه باب عزون، والمعروف بـ: شارع مِيدي، موازيًا للثكنتين الفوقانية والتحتانية.
وإن كان هذا السوق الذي بناه المحتل قد شهد النور على أنقاض سوق الخضارين والفكاهين الأهلي إلا أنه بحُكم التاريخ وسيرورته أصبح جزءا من طفولتنا و من ذاكرتنا الجماعية في كل الوطن وفي القصبة وأطراف القصبة. 
ولا يوجد اليوم مِن سُكانها مَن ليس له ذكرى أو قصة أو عِبْرة، أو عَبَرة تُبلِّل جفونَه، في هذه البقعة التي تَسَوَّقَ فيها شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء وزعيم الحركة الوطنية مصالي الحاج وشهيد الثورة البطل عَمار علي المعروف بـ: علي لاَبْوَانْتْ. وتردد عليها عبد الحميد بن باديس والطيب العقبي وعبّاس التركي وصديقه المؤرخ المجاهد أحمد توفيق المدني وغيرهم من كبار هذا الوطن الذين يُراد لنا أن ننساهم...

 

حومة سيدي الهدِّي، التي اختزلوها في سوق، كانت أكثر بكثير من مجرد سوق...كانت قبل كل شيء أرض بناء الروح والإيمان...

فوزي سعد الله. 02.08.2019

شوهد المقال 338 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats