الرئيسية | الوطن الثقافي | محمد شوقي الزين ـ البَاريدُولْيَا أو علم تصاريف الصورة

محمد شوقي الزين ـ البَاريدُولْيَا أو علم تصاريف الصورة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.محمد شوقي الزين

 

هل البحثُ عن شيءٍ من شبيه الجنس البشري هو إجراء نرجسي أم ثابتة بيولوجية وأنثروبولوجية قديمة قِدَم الوجود الإنساني في الأرض؟ ندخل على البَاريدُولْيَا (Pareidolia) من هذا السؤال الذي يحكي قصَّة البحث الإنساني عن مثيلٍ يتعدَّى مجرَّد التشابه الفيزيائي نحو التطابق النفسي في الحُكم والذوق والاعتقاد. إذا كانت الباريدوليا تعني وهماً بصرياً يُبرز للعين الناظرة ملامح إنسان أو حيوان، مثل رؤية صورة حصان شكَّلته الغيوم في السماء، أو صورة وجهٍ بشري نحتته الصخور عبر العصور الجيولوجية، فإن هذه الباريدوليا ليست فيزيائية فحسب عبر انطباعات العين المبصرة، بل هي كذلك نفسية تجعل الواحد يبحث عن صورة ذاته في الآخر، أي في المشابه له ثقافياً واعتقادياً وأيديولوجياً. إذا كانت الأولى حقيقة واقعية بما تزخر به أشياء العالم من صورٍ تعكس الملامح الإنسانية أو الحيوانية، فإن الثانية حقيقة انطباعية يترتَّب عنها نظام العلاقة بين البشر. 
1
جاء على لسان الكاردينال نيكولا الكوزي (Nicolas de Cuse)، من القرن الخامس عشر السابق على النهضة الأوروبية، قوله: «لا يستطيع الإنسان أن يحكم سوى بشكل إنساني. عندما أضفى عليكَ الإنسان وجهاً، لم يجده خارج النوع البشري، لأن حكمه كامن في الطبيعة البشرية. وفي حكمه، لا يفلت الإنسان من هذا الاختزال الذي يُميّزه. تماماً مثلما لو أن الأسد أضفى عليك وجهاً، فسيحكم بأنه سيكون وجه أسد، وبالنسبة للثور، سيكون وجه ثور، وبالنسبة للنسر، سيكون وجه نسر» (رسالة في الأيقونة). لا يُعدُّ هذا القول مجرَّد البوارق الأولى في عودة الإنسان إلى مركز الفكر الغربي بعد هيمنة التصوُّر اللاهوتي، أي في فجر النهضة، بل يُعدُّ كذلك مدخلاً نحو إرساء عُنصر التشابه (ressemblance) الذي سيكون أنموذج هذه الأزمنة كما بيَّن ميشال فوكو في «الكلمات والأشياء». كان الأنموذج هو البحث عن صورة الإنسان في الطبيعة أو بتعبير آخر، تصوير الطبيعة على شكل الإنسان.
غير أن الباريدوليا ليست فحسب البحث عن وجه إنساني في أشياء الطبيعة والعالم، بل هناك شيء صلب أو عنيد ينبري من هذه المقولة. تتركَّب الكلمة من حدَّين وهما «بَارَا» (para) وتفيد ما هو مجانب، مثلما نقول «مجانب للصواب» أو «مجانب للرأي» (paradoxe)، أي المفارقة؛ و«أيْدُولُون» (eidôlon) التي أعرِّبُها بالأيْدُولَة، بمعنى الصَّنم؛ وتنحدر في منطوقها من الكلمة «أيْدُوس» (eidos) الذي هو المظهر. من هذه اللعبة في الاشتقاقات يمكن الحصول على تحديد أوَّلي للباريدوليا على أنها الملامح التي تجانب الشكل أو المظهر، مثلما نرى وجهاً إنسانياً رسمه الظل أو الصخر. هذا الوجه، وإن كان إنسانيًا لأنه يتَّخذ مظهر وجهٍ بشري، فهو ليس بوجه بشري، بل فقط ملامح تُعطي الانطباع بأنه وجه. الباريدوليا هي إذن وهم بصري أو شيء يوهم برؤية ملامح وجه إنساني أو حيواني. 
2
ليس الموضوع بعينه (ظل أو صخرة أو سحاب) هو وجه الإنسان، بل الانطباع الذي يحصل لنا بأنَّا نرى ذواتنا في الأشياء، بحكم أنَّا نميل شعورياً أو لاشعورياً إلى إسقاط صورتنا على أشياء الطبيعة والعالم. ولهذا الإسقاط نتائج خطيرة لأنه يُنبئ عن درجة تشبُّثنا بذواتنا وهي تنعكس في أشياء أو كائنات العالم. لهذا الانعكاس (reflection) مدلول نرجسي لأنه يحيل إلى المرآة: نرى ذواتنا في مرايا الكائنات والأشياء. ويتعدَّى ذلك نحو عالم الأفكار والاعتقادات، وهو أن كل من لا يدين بالتصوُّر الذي نُشكِّله حول العالم، وكل من لا ينخرط في نظام الاعتقاد الخاص بنا، فهو إذن الضد، أي العدو. نفهم لماذا العلاقات البشرية هي في الغالب محمومة ويكتنفها الصراع، لأن الرغبة في إسقاط الذات على أشياء العالم وأشخاصه تجعل الواحد يبحث عن شبيهٍ له في التصوُّر والسلوك والاعتقاد. التعارف مؤدَّاه الائتلاف، والتناكر مآله إلى الاختلاف.
البحث عن الذات في مرآة الآخر أو إسقاط الذات على أشياء العالم، هو إيقاف حركة هذا العالم في الذات، وهو ما نسمِّيه إذن الأيدولة التي تُركِّب منطوق الباريدوليا. الأيدولة في اللسان اليوناني أو الصنم في اللسان العربي، هي الشيء المضاد للحركة، الشيء الثابت أو يميل إلى الثبوت. لا تكمن خطورة الأيدولة في الثبوت لوحدها، بل تميل إلى تثبيت كل شيء، بما في ذلك الأشياء المجرَّدة واللامتناهية، فنتحدَّث عن تصنيم الفكرة وتصنيم العقل وحتى تصنيم الدين، كما أبرزه العراك المذهبي والطائفي. هذا العراك هو شكل من أشكال تصنيم الفكرة الدينية وتثبيتها في المذهب، بمعنى تثبيت «الكل» (الديانة كلها) في «الجزء» (المذهب أو الطائفة). سُمي هذا النوع من الباريدوليا بالهوس اللاهوتي أو «ثيُومَانْيَا» (theomania). 
3
هذا الهوس الثيُومَاني هو على صورة الهوس الإيرُوسي أو هوس الحب أو إيرُوتُومَانْيَا (erotomania)، وهو شكل من أشكال الباريدوليا التي نتحدَّث عنها، شكل مجرَّد أو لطيف يمسُّ المشاعر الإنسانية. لفهم جوهر هذه الباريدوليا على مستوى العواطف، لنقرأ نصًّا لابن عربي يصف فيه العلاقة بين قيس وليلى: «جاءت لَيْلى إلى قَيْس وهو يصيح: لَيْلَى لَيْلَى! ويأخذ الجليد ويلقيه على فؤاده فتذيبه حرارة الفؤاد، فسلَّمت عليه وهو في تلك الحال، فقالت له: أنا مطلوبك، أنا بغيتك، أنا محبوبك، أنا قرَّة عينك، أنا ليلى! فالتفت إليها وقال: إليك عنّي، فإن حبَّك شغلني عنك» (الفتوحات، ج2، ص325). يمكن تسمية هذه العلاقة الغرامية بالشعور الأيْدُولي وهو أن المُحب يصنع صنم المحبوب في قلبه، مثلما يصنع صنم الفكرة في ذهنه، وصنم الإله في معتقده. 
معلومٌ أن قيس لم يحب ليلى في ذاتها، بل حوَّل صورتها إلى صنم منتصب في وجدانه. اختفى الموضوع وراء شيءٍ تثبَّت وتصلَّب وأصبح صنماً في الذات. لأن الحب بما هو رابطة بين ذاتين، ينعتُ موضوعاً متحرّكاً، ينعت ليلى بجسدها وحركتها، أي يشير إلى ما يسميه ماكس شيلر الحُسن أو المنَّة (la grâce) وهو أفق الحرية في الجمال وفي كل ما هو جميل؛ بينما ما ينعقدُ في الذات ويتبلور ويتصلَّب، يتحوَّل تحت وطأة العاطفة العنيفة إلى جليلٍ (le sublime) وقد صار شيئاً قاهراً أو عُنصراً يُنفي الحرية، بمعنى يُحطِّم الموضوع الحقيقي للحب وهو شخص ليلى من أجل صنم ليلى المجرَّد والمنتصب في ذات المحب. لم يرَ قيس إذن سوى صورة ليلى في ذاته، صورة متسامية أو متعاظمة، صورة جليلة، أي لامتناهية الجمال، لكنه جمال ثابت ومنقطع عن ينابيعه الحيَّة. 
4
ما هو درس الباريدوليا المطبَّقة على مجال الاعتقادات والانفعالات؟ تريد أن تُبيِّن لنا سلطان الصورة أكثر من قوَّة الفكرة، وأكثر من هذا وذاك، أي في ما وراء الصورة والفكرة معاً، تريد هذه الباريدوليا أن تُبرز كيف تُسهم الأيدولة أو الصنم في سياسة الأفعال والعواطف البشرية. بحكم أن الإنسان يميل بطبعه إلى رؤية ذاته في صور العالم، الظاهرة منها والباطنة، الجليَّة منها والخفيَّة، الكثيفة منها واللطيفة، فإنه ينزع أيضاً نحو تجميد ما يتلقاه أو يقع تحت سيطرته. فهو يوقف الحركة في ذاته. إنه إجراء مضاد للحياة التي تقوم على الحركة والتحوُّل والتنوُّع. الأيدولة هي إجراء في الموت بالمعنى الواسع في الجمود وإيقاف الزمن، وهي كذلك نزوع نحو نفي الحرية. إذا أخذنا تجليَّات الباريدوليا في الاعتقاد (الثيومانيا) وفي الانفعال (الإيروتومانيا)، نجد أن هذه الظواهر النفسية تعمل بدرايةٍ منها أو عن غير درايةٍ على تحويل كل ما هو جميل إلى جليل وتحويل كل ما هو جليل إلى قاهرٍ ومُشلٍّ للحركة والإرادة. 
تعادل هذه المراحل الثلاث (الجميل، الجليل، القاهر) الأحوال الثلاثة التي عدَّدها العالم النفساني كليرامبو (Clérambault) بشأن الهوس الغرامي (الأمل، الغيظ، الضغينة)، من التصوير الجمالي للمحبوب إلى نفي حريته ووجوده مروراً بتصنيم صورته. الهوس الغرامي إجراء في الإماتة، مثله مثل الهوس الثيوماني الذي هو أيضاً إجراء في التَّدمير يبدأ بالموعظة الحسنة للدعوة إلى المعتقد ثم الإكراه الديني بالترغيب والترهيب وينتهي في الحالات القصوى إلى الأيدولة الكبرى المسمَّاة الإرهاب. الباريدوليا مدعوَّة لأن تكون علم المستقبل، لأنها علم الصورة الوحيد الذي يُفسِّر لنا عمل الصورة في الوجود الإنساني وأشكال تعتيم هذه الصورة التي تطبَّع عليها الإنسان بصقلها واستجلائها باستمرار، قبل أن تتحوَّل إلى صنمٍ يُنفي الوجود الإنساني في رمَّته.   
 
مجلة الإمارات الثقافية 
 

 

شوهد المقال 715 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ دمى

خديجة الجمعة  هي وحدها الدمى التي تتحرك،ويراها الناس. وهم وحدهم من يحركونها  ووحدهم  ،من يغيرون بأحداثها .وفي الحوار المبرم على المسرح. تلك الدمى التي نراها ونحن
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً
image

عثمان لحياني ـ سبعة أشهر ..كلام لا بد منه ..الإعلام في الجزائر

عثمان لحياني  في 23 فبراير الماضي صدر بيان لمجلس الوزراء تَضَمن " تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بتسوية الوضعية القانونية للقنوات المستقلة حتى تتكيف مع قانون السمعي
image

الجنرال عبد العزيز مجاهد ّ مديرا للمعهد العالي للدراسات الاستراتجية الشاملة " خبر صادم

عثمان سابق  عبد العزيز مجاهد مديراً عاماً للمعهد العالي للدراسات الإستراتيجية الشاملة.. اللهم لا حسد.. لكن بصراحة الخبر "صادم".. أن يكونَ مستشارا أمنياً قد
image

عبد الجليل بن سليم ـ سلطة الحراك بين Stanley Milgram و Miguel Benasayag

 د. عبد الجليل بن سليم  بعد مرور القوة التي عملها النظام و تعيينه للرئيس بعد إنتخابات 12/12, الحراك (هنا أتكلم على الحراك كسلوك و ليس
image

العربي فرحاتي ـ فلسطين المشكلة ...وكيف تواجهنا

 د. العربي فرحاتي  تواجه إسرائيل كعصابة مغتصبة للحقوق الفلسطينية منذ أن ورطها الانجليز فيها واستوطنوها في أرض غير أرضها. بموجب وعد بلفور؛ مشكلتها مع المقاومة
image

نجيب بلحيمر ـ الواقعية بعين مهزوم

نجيب بلحيمر  مع كل قرار ظالم، مع كل خطوة تخطوها السلطة على الطريق الخطأ يخرج علينا العقلانيون والواقعيون بمحاكمات لا تقل قساوة عن تلك التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats