الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ البناية الصامتة تحت أقدام الأمير عبد القادر الجزائري

فوزي سعد الله ـ البناية الصامتة تحت أقدام الأمير عبد القادر الجزائري

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

في ساحة الأمير عبد القادر الجزائري بالعاصمة الجزائرية، توجد بناية جميلة من أهم بنايات هذه البقعة، لكن قد تكون الأقل إثارة للانتباه لصمتها الدائم رغم أنها منذ أكثر من قرن ونصف القرن تطل على تمثال الجنرال الفرنسي الاستعماري بيجو تقريبا منذ نصبه ثم على تمثال الأمير الجزائري منذ استقلال البلاد، وتشهد مرور الأجيال من البشر من وإلى عملهم ومشاغلهم اليومية: على الأقدام والخيول والبغال والحمير في البدايات...ثم بواسطة التْرامْوي في مرحلة تالية قبل أن تخلفها جميعها الحافلات والسيارات الحديثة.

 

وجود هذه البناية كغيابها لانطوائها العميق على ذاتها، إذ لا محلات أسفلها كالبنايات المجاورة لها، ولا مقاهي ولا مطاعم ولا ضجيج بشري حواليها، ولا مكان لها حتى في أحاديث ودردشات الناس العابرين والسكان وكأنها في كوكب آخر غير كوكبنا. ولا نعثر لها على أثر في حكايات تاريخ مدينة الجزائر العثمانية على غرار ما ورثناه من أخبار قناة إيصال مياه الشرب، عبْر هذه البقعة، من عين الحامّة، في الضاحية الجنوبية الشرقية، إلى "القصبة" مدينة الرياس والمجاهدين قبل إزالتها لبناء الساحة؛ ساحة الأمير حاليًا أو ساحة بيجو في العهد الاستعماري.

 

إذا كانت هذه البناية إلى وقت قريب معروفةً كمقرٍّ من مقرات حزب جبهة التحرير الوطني قبل إلحاقها بالمؤسسة التشريعية المعروفة بـ: مجلس الأمة، فإن الناس بشكل عام يجهلون ماضيها السابق لاستقلال الجزائر...

 

في العام 1857م، بعد أن ضاقت المدرسة العربية الفرنسية، التي كانت منذ تأسيسها عام 1851م توجد في 34 شارع الباب الجديد (Rue Porte Neuve) بالقصبة، بتلاميذها وصعب استيعاب أعدادهم المتزايدة حتى فاقت الـ: 200 ، وكانوا في غالبيتهم من أبناء الباشاغاوات و"القِيَّادْ" المتعاونين بشكل أو بآخر مع الاستعمار بمعية أقلية من أبناء المحتلين، تمّ بناء وتدشين هذه العمارة التي أريد لها منذ ميلادها أن تكون مؤسسة تربوية إكمالية تتكفل بتعليم اللغة الفرنسية ونشر الثقافة الفرنسية في أوساط المسلمين. أريد لها أيضا أن تتولى تمرير هذا التثاقف المخطط له بعناية بتدريس مادة اللغة العربية، ولو بشكل محدود ، لإذابة التحفظات والمخاوف لدى الأهالي من مشاريع التغريب والفرْنَسة الاستعمارية.
 
في هذه البناية الكائنة خلْف تمثال الأمير عبد القادر في الساحة التي تحمل اسمه في مدينة الجزائر، انطلقت الخطوات التغريبية الهامة الأولى للجزائريين من طرف الاستعمار عن طريق نظام التعليم. وحملت البناية اسم المدرسة الإكمالية العربية الفرنسية (Collège arabe-français). 
وكان ضمن هذه المنظومة التعليمية معلمون ومثقفون من الأهالي المسلمين على غرار بن سْدِيرة وعُمر بْريهْمات المنحدر من أسرة بريهمات، العريقة في مدينة الجزائر والمنحدرة من الأندلس، وإبراهيم فاتح ، الذي ما زال اسمه مرتبطا شعبيا باسم مدرسة درّس فيها طويلاً محاذية لِحومة سيدي رمضان في مرتفعات "القصبة" مشهورة باسم "مْسِيد فاتح"...
 

 

الآمال المعلقة من طرف الاستعمار على هذه المدرسة لتمرير مشروعه لم تكن صغيرة ولا بسيطة، لذا حظيت هذه المؤسسة الاستعمارية بكل العناية والاهتمام. وهكذا كثر التردد عليها من قِبل كبار المسؤولين الرسميين الفرنسيين على غرار المارشال المجرم راندون (Randon) بعد مرور عام فقط على تأسيسها ثم الجنرال السفاح يوسف المملوك ومجموعة من أمثاله من العملاء سنة 1859م إلى أن جاء دور زيارة هذه المدرسة من طرف إمبراطور فرنسا ذاته سنة 1865م.

 

وإذا كان المشروع التغريبي الاستعماري قد تواصل بانتظام وتوسعت رقعته ببناء مؤسسات تعليمية أخرى كـ: "الثانوية الكبيرة" (Le Grand Lycée) في باب الوادي قبل أن تصبح ثانوية بيجو (Lycée Bugeaud) ثم ثانوية الأمير عبد القادر الجزائري بعد استقلال البلاد عام 1962م، فإن البناية التي أوليت لها مهمة التغريب عام 1857م انطلاقا من ساحة الأمير عبد القادر قد تغير قدرها فجأةً بمرسوم حوّلها منذ سنة 1871م إلى ثكنة عسكرية اشتهرت باسم مقر الجيش الـ: 19 للقوات المسلحة الفرنسية (le 19 ème corps de l'armée). لعل ضرورات هزيمة الحرب مع ألمانيا حينذاك أباحت المحظورات وعَسْكَرتْ بشكل فضٍّ المدرسةًََ العربية الفرنسية.

 

اليوم، هي بناية ملحَقة بمجلس الأمة الذي يقع على مرمى حجر منها، لكنها تبدو غريبة في محيطها، معزولة عن جيرانها وغير مندمجة في زخمها...وحتى الأمير من فوق نصبه التذكاري يدير لها ظهره ولم تحظ منه ولو بالتفاتة منذ أن حط الرحال في هذه البقعة غداة انتزاع الاستقلال...

 

شوهد المقال 287 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats