الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ ساحة الشهداء..."لو نْعِيدْ هْمومي نْعَمَّر ألْف كْتابْ...لو نْعِيد مْحَانِي للبَاكْمِينْ يَدْوِيوْ..."

فوزي سعد الله ـ ساحة الشهداء..."لو نْعِيدْ هْمومي نْعَمَّر ألْف كْتابْ...لو نْعِيد مْحَانِي للبَاكْمِينْ يَدْوِيوْ..."

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

عندما كان سيدي محمد بن الشاهد وسيدي أحمد بن عمار، المفتيان المالكيان الشاعران في مدينة الجزائر العثمانية، والرايس حميدو بن علي والرايس بوجمعة وغيرهم من رجال البلد الأفذاذ يتجولون بين جامع السيّدة وقصر الجنينة (القصر الملكي) وسوق الصّاغة وسوق المْقايْسِية والكيسارية (حومة المثقفين والعلماء والفقهاء)، المحاذية جميعها للجامع الجديد في البقعة المعروفة اليوم بـ: ساحة الشهداء، لا أحد منهم كان حينها يتوقع ان هذا الفضاء الجميل والقلب النابض للمدينة الذي شهد قدوم عروج وخير الدين ورجالهما الأشداء، أهل جيجل وبحاية، سيُهدَّم ويُردَم في يوم من الأيام ليُحوَّل رغما عنهم ورغمًا عن أهل الحاضرة وكل البلد إلى ساحة جرداء لتجمّع قوات الاحتلال واستعراضاتها العسكرية لإثارة الرعب في السكان الأهالي وإحباط كل أمل في المقاومة.

ربما كُتب لسيدي بن الشاهد صاحب قصيدة "محمد روح الوجود"، "بُردة" الجزائريين، الذي عاش إلى ما بعد السنوات الأولى للاحتلال ومات ضريرا فقيرا، أن يرى ويعيش تراجيديا سقوط مدينة الجزائر ومباشرةَ الآليات الاستعمارية عمليةَ التهديم والرّدم وإعادة التشكيل العمراني القبيح لوسط مدينة سيدي الثعالبي عبد الرحمن، وهو التشكيل الذي شوّه جمال المدينة بِرُمّتها...

 

سقوط المدينة...سقوطٌ للعمران وأهل العمران

في الخامس من يوليو 1830م، يدخل الجنرال دوبورمون مدينة المجاهدين و"دار الجهاد" منتصرًا على المقاومة الجزائرية للغزو الفرنسي، ويقرر منذ الأسابيع الأولى ضرورة إنجاز ساحة كبيرة على النمط الأوروبي؛ ساحة عسكرية (Place d'Armes)، لتجَمُّع قواته في مدينة لا توجد فيها الساحات ولا حاجة لها بها لاختلاف فلسفتها العمرانية/المعمارية عن فلسفة الغزاة وتباين أنماط الحياة.

 

فكرة قائد الحملة الاستعمارية، التي رفضها الأهالي المسلمون بشدةٍ وعَطَّل رفضُهم تنفيذها، سوف تتجسد بقرار رسمي على يد خليفته الجنرال بِيرْتوزين (Berthezène) بتاريخ 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1831م رغم أنف المعارضين.

 

420 دارا وقصرا أُزيلوا إلى الأبد من أجل...الساحة...

وبهذا القرار، اختفت تحت معاول الهدم 420 دارا وقصرا من هذه البقعة السفلى التاريخية الأكثر حيوية في مدينة الجزائر لتظهر محلّها بحلول عام 1841م على مساحة قُدّرت بنحو هكتار الساحة الأوروبية التي أطلقوا عليها في البداية اسم Place d'Armes (ساحة السلاح) قبل ان يستبدلوه باسمٍ جديد هو ساحة الحكومة (Place du Gouvernement) ثم بساحة الايالة (Place de la Régence). وقد بقي الاسم الأخير ملتصقًا بالساحة إلى غاية سنوات 1970م مكتوبًا على الواجهات الأمامية لحافلات النقل الحضري المتوجهة إلى، ومِن، هذه البقعة، مع أن اسمها الرسمي منذ استقلال البلاد عام 1962م هو ساحة الشهداء...

 

لم تكن ارض الساحة مسطَّحةً ومستويةً تمامًا كما هي اليوم ومنذ بنائها من طرف الاستعمار، باستثناء بعض جهاتها المحاذية لقصر الجنينة وشارعي باب عزون وباب الوادي، بل كانت بشكل عام عبارة عن قصور وديار وجوامع ومدارس وأسواق وأزقة منحدرة كباقي أزقة وشوارع مدينة الجزائر العثمانية التي نسميها اليوم "القصبة" متوجهةً نحو ساحل البحر في قاع السور في أقصى المنطقة السفلى من المدينة. فكانت هذه البقعة/الساحة استمرارا لتلك الشوارع وسلالمها وأبنيتها المنحدرة من أعلى إلى أسفل مثلما نراها اليوم في القصبة العليا، التي كان أهلها وما زالوا يسمونها "الجبل" مقابل "الوْطَا" بالنسبة لأسفل المدينة، وكما ما زلنا نراها في "البيازين" عند أقدام قصر الحمراء في غرناطة وفي غيرها من المدن الأندلسية...

 

"جامع السيّدة" يُهدَّم ويَحُل محلّه فندق "لاريجونْصْ"

بعد ان أحِيطت الساحة من جهاتها الأربع في مرحلتها الأولى بأشجار الدّلب (platanes) الضخمة، جاءت مجموعة من العمارات بعد سنوات لتحل محلها في تأطير الساحة، وعلى رأسها فندق Hôtel de la jeune Allemagne (فندق ألمانيا الفتية) الذي استُبدل اسمُه لاحقًا بـ: Hôtel de la Régence (فندق الايالة) والذي بقي فندقًا وعَمّر إلى غاية الأربعينيات من القرن 20م. بعدها تحولت أرضيته إلى محطة مركزية لحافلات النقل الحضري لسنوات طويلة قبل أن تبني عليها الدولة الجزائرية المستقلة منذ سنتين محطة لقطار الأنفاق (الميترو).

 

وما لا يعرفه الكثير من الناس هو أن هذا الفندق أقيم على أنقاض أجمل جامع في مدينة رياس البحر والمجاهدين، وهو "جامع السيدة" الذي ما زالت أعمدته المرمرية الضخمة تزيّن منذ عام 1837م وإلى اليوم مدخل الجامع الكبير في شارع البحرية (Rue de la Marine). وقد أعِيد خلال أشغال إنجاز الميترو اكتشاف أسُس هذا الجامع العتيق السابق وجوده، على ما يبدو، للعهد العثماني والذي لم يَعد يوجد له ذِكر في زماننا إلا في صفحات كُتب التاريخ القديمة المُغبرّة المكدّسة على رفوف المكتبات.

 

إذابة مدافع المجاهدين والرّياس لِصُنع تمثال دوق اورليان

 

وما لا يعرفه الناس أيضا هو أن تمثال دوق أورليان الذي كان يتوسط الساحة منذ عام 1845م قد تم صنعه بإذابة مجموعة من المدافع الجزائرية التي استولى عليها الغزاة عام 1830م واخذوها لاحقا غنيمةً إلى فرنسا...
لذلك، كان من بين أول ما تم اجتثاثه من طرف الجزائريين من هذه الساحة عند الاستقلال عام 1962م هو هذا التمثال بالذات، لان حرب الرموز لا تقل أهمية عن الحرب بالسلاح إن لم تفُقها،..
 

 

 

بقيت هذه البقعة من مدينة الجزائر التاريخية المركز والقلب النابض لكل العاصمة الجزائرية رغم التحولات العميقة التي طالتها على أيدي المحتلين. لكن، في غضون بضعة عقود، هيمن على مشهدها الأوروبيون الذين انتشروا، رجالا ونساء، في مقاهي الساحة على غرار مقهى ابولون (Apollon) الذي ارتشف فيه القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات كبار ضباط وقادة جيش الاحتلال ومسؤوليه المدنيين، وكذلك الأدباء كلوسيان فافر والفنانون على غرار أوجين فرومونتان والسياح الأثرياء من مختلف بقاع أوروبا وأمريكا. 
 
أما أهل البلد الذين كانوا ما زالوا يترددون على الساحة، ساحة لاريجونص او ساحة الحكومة، فلم يعودوا كما كانوا من قبل، بل كان عدد الفقراء منهم، من الذين يمسحون أحذية الأوروبيين من الأطفال أو من المتسولين، أكثر من الذين كانوا يعيشون حياة عادية محترَمةً وكريمة، وذلك بفضل "المهمة الحضارية للرجل الأبيض" التي كان من بين منظريها ومسوّقيها الأديب العنصري لويس بيرتران (Louis Bertrand) الذي كان هو أيضا من أبرز رواد مقهى أبولون وساحة الشهداء، لا سيما عندما أقام لسنوات في أعلى شارع وْريدة مَدّاد/Gambetta المحاذي لحومتيْ سوسطارة والباب الجديد...
 

 

شوهد المقال 583 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية
image

كمال الرياحي ـ #سيب_فارس اطلقوا سراح الدكتور فارس شكري الباحث والمترجم

كمال الرياحي  #سيب_فارس نطالب السلطات الجزائرية الإفراج الفوري على الكاتب والمترجم والناشط المجتمعي الأستاذ فارس شرف الدين شكري والاهتمام بمكافحة الفيروس

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats