الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ ذاكرة "ساحة الأمير"...التي لم يَعد يُحترَم فيها الأمير

فوزي سعد الله ـ ذاكرة "ساحة الأمير"...التي لم يَعد يُحترَم فيها الأمير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

الكل يعرف ساحة الأمير عبد القادر الجزائري التي تتوسط شارع العربي بن مهيدي في قلب مدينة الجزائر. والقليل من يعرف اليوم أن اسم الساحة كان يحمل اسم السفاح ومجرم الحرب الفرنسي الجنرال بيجو (Place Bugeaud). فيما الكل تقريبًا يجهل ماذا كانت هذه البقعة قبل أن يَفتِك الجنرال الاستعماري القَتّال بعشرات الآلاف من الجزائريين ويُكافأ على جرائمه بنصب تمثال له في وسط هذه الساحة في يوم 15 أغسطس عام 1853م وتدشينه رسميا على الخامسة مساءً.

 

قبل ان تطأ اقدام المحتلين الفرنسيين البلاد في الخامس من يوليو 1830م، كانت هذه الساحة أرضا خضراء مطلة على أسوار المدينة/القصبة وبابها الجنوبي الشرقي، الاقتصادي/الاجتماعي، الشهير بـ: باب عَزُّونْ وايضا شجرة الدّلب الشهيرة المظلِّلة لمحل سيدي منصور المتدلية الأغصان والأوراق الكثيفة فوق السور.

 

 

وسط هذه الساحة، ساحة الأمير عبد القادر، كانت خلال تلك الحقبة العثمانية تعبُر قناة مائية تنقل من عين الحامَّة، قرب حديقة التجارب، بعضَ ما تحتاجه "المحروسة بالله" من المياه الصالحة للشرب منذ أن أنجزها، أو على الأقل طوّرها، المعماري ومهندس الرًي و"قايد العيون" في المدينة "البهجة" المْعَلَّمْ موسى الثغري الأندلسي في بداية القرن 17م في أعقاب طرد إسبانيا أحفاد الأندلسيين الذين اسمتهم تحقيرًا: الموريسكيون...
 
كانت الساحة مَعبَرًا لأهل المدينة وعابري السبيل والجنود، وللقوافل التجارية التي حافظت طيلة عقود على عادة حطّ الرحال في عدد من الفنادق أو الخانات المحاذية في ما سيُعرف لاحقًا بشارع إيسْلي (Rue d'Isly)، بعد انتصار الجنرال بيجو في معركة ايسلي، ثم شارع الشهيد العربي بن مهيدي بعد الاستقلال، وذلك للاستراحة من متاعب السفر وأخذ الوقت اللازم لعقد الصفقات. فكانت الساحة حينذاك وبعدها في أربعينيات القرن 19م وأبعد بقليل من هذا التاريخ فضاء اقتصاديا أقرب إلى المركز التجاري وفق مقاييس ذلك العهد.
 
قبل إقامة تمثال الجنرال المجرم، كان بالإمكان مصادفة رجال ونساء من الأهالي عادةً يَعرِضون، مستظلين بقطع من القماش البالي، على المتسوِّقين الفواكهَ والخضر والخردوات وحتى "خبز الدار" بمختلف أشكاله. وقد ذَكَر بعض الكُتّاب الفرنسيين أن بعض أنواع هذا الخبز كان مَحْشُوا بالسَّردين المقلي ولم نعد نعرفه أو نسمع بوجوده اليوم...
 

 

 

بعد حلول تمثال الجنرال بهذه الساحة للبقاء عنوةً وغير مرحّب به، كما هي طبيعة الاستعمار في كل مكان، سنة 1853م، انسحب هؤلاء الباعة البسطاء في الهواء الطلق إلى أبعد من الساحة ببضع عشرات الأمتار باتجاه ما أصبح اليوم يُعرف بـ: البريد المركزي، وتحديدا إلى الشطر الثاني من شارع العربي بن مهيدي الحالي والذي لم يكن قد أُنجز بعد. 
 
وقد نجد صعوبة حاليًا في التصوًر أن مدينة الجزائر في تلك السنوات الأولى لعشرية 1850م كانت تنتهي في جنوبها الشرقي في ساحة الأمير عبد القادر الحالية، وفي الأعلى في جنوبها الغربي تقريبا بمحاذاة أسوار المدينة التي كانت تنهار وتُهدّم من جهة حومتيْ الباب الجديد والسور والسطارة أو سوسطارة...
 

 

ابتداء من سنوات 1860م، تكثفت حركة العمران في اطراف المدينة الجنوبية، فأنجِزت البنايات البسيطة في مرحلة أولى ثم حلت محلها أخرى اكثر علوا وبذخًا على النمط الباريسي الهوسْماني (Haussmannien)، التي ما زالت تُعمِّر الى اليوم، بالمحلات التجارية الفخمة في أسفل العمارات والمقاهي بسطوحها وقاعات الشاي والمطاعم.

 

حدثت أحداث وأحداث منذ تلك الفترة، فيها الكثير من المباهج للمحتلين أصحاب القوة وأكثر منها من المآسي التراجيدية لأهل البلد الجزائريين الذين لم يوفَّر عنهم سفك الدماء حتي في هذه البقعة. وتوالت المصائب إلى حدّ لم يعد أحد يتذكر في غمرتها قناة نقل المياه العابرة للساحة بفضل عبقرية موسى الأندلسي ولا الفنادق أوالقوافل، بما فيها الصحراوية بجِمالها، التي كانت تنزل فيها ولا هؤلاء الباعة المتواضعين ببضائعهم البسيطة كبساطتهم.

ولم يطل انتظار ساعة الحسم لوضع حد لظلم استعماري دام أكثر مما يحب، فانتزَعت الجزائر استقلالها بفضل تضحيات أبنائها وبناتها، وكان اجتثاث تمثال المجرم الجنرال بيجو أمرًا لا عجب فيه بل تحصيل حاصل، إذ اقتُلع من مكانه وأعيد الاعتبار لخصمه اللدود المجاهد والمقاوم الكبير والشاعر والكاتب الإنساني الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري الذي وُضع له تمثال جميل ممتطيًا فرسه محل المطرود بيجو.

 

عندما تمرون بهذه الساحة وبتمثال الأمير، الذي تم استبداله بآخر أضخم في منتصف ثمانينيات القرن 20م، لا تنسوا أن تتذكّروا كل هذه الأحداث التي مرت عليها بِحُلوِها ومرّها.. حينها ستتغيّر النظرة، ولن تصبح الساحة في المخيال مجرد نصب تذكاري برونزي ومقهى المِيلك بار (Milk-Bar) ورئيس بلدية عاجز عن تجديد رصيف مقر بلديته، فيما يروِّج له الذين أتوا به واعوانهم الكذابون بأنه "خدّّام"...أبعد الله عنه عين الحُسّاد..

اسألوا عنه الأمير الذي اشتاق من فوق فرسه لأخذ حمّام يُعيد له ولمحيطه نظافتَه...وكرامتَه المهدورة...

هذه هي ساحة الأمير عبد القادر...بماضيها وحاضرها...

 

03.08.2019م

شوهد المقال 336 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats