الرئيسية | الوطن الثقافي | رائد جبار كاظم ـ ان من أهل الفلسفة لأعداءً لها!

رائد جبار كاظم ـ ان من أهل الفلسفة لأعداءً لها!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. رائد جبار كاظم

 

يُدّرس أساتذة الفلسفة طلابهم على بيان فضائل الفلسفة وأهميتها، وتعدد مناهجها وفلاسفتها، على مر التاريخ الفكري والمعرفي للانسان، وهم يدركون تمام الأدراك أن هناك توجهات مختلفة ومتعددة للفلاسفة وفلسفاتهم، وهذا ما يميز التفكير الفلسفي عن غيره من أنماط التفكير، ويضاف الى ذلك ان الفيلسوف يتميز عن غيره بالبحث العميق والتفكير الحر الدقيق غير المقيد وغير المتزمت للافكار، أو التعصب لمذهب ما على حساب مذهب آخر، وأن القناعات متنوعة حسب تفكير وطريقة ومنهج كل فيلسوف. ولكن الأمر المهم هو أتاحة تلك الحرية والتسامح في مجال التفكير، وعدم مهاجمة فكر الآخر المختلف عنه تماماً، وعدم الأنغلاق المطلق على الذات، ودعوة الآخرين بصورة قسرية على الايمان بأفكارهم ونظرياتهم وفلسفاتهم، ويضاف الى ذلك أيضاً هو أريحية الفيلسوف وطريقته الفلسفية في محاكمة الافكار والآراء، ومحاكمة ونقد وتمحيص المسلمات والمعتقدات التي نشأ عليها وتعلمها في مقتبل حياته الفكرية والمعرفية، التي كانت قد حُقنت في العقول حقناً دون دراية أو خيار منا في كسب تلك المعارف والمعتقدات والمعلومات، وبالتالي فالمفكر والفيلسوف يهز معتقداته ومسلماته هزاً، ويفجر الأسئلة داخل نفسه وعقله، ويشكك في كل شيء نشأ عليه نشأة طفولية مبكرة، من خلال تربيته ومحيطه الاجتماعي العام، وحقيقة الأمر كما يذهب الى ذلك المفكر العراقي علي الوردي، من خلال رؤيته بأن الانسان مقيد ومحاط بأطر وقيود فكرية وتربوية واجتماعية تحدد طريقة تفكيره، ومنها الأطار النفسي، والاطار الاجتماعي، والاطار الحضاري، ولا يتخلص من ذلك أي انسان مهما كان، ولكن تختلف درجتها وليس نوعها من شخص الى آخر. فتلك الأطر تحدد طبيعة شخصية الانسان ودرجة تفكيره ومستوى ثقافته في أي مجتمع كان.

صراحة أن معلم الناس أولى بتعليم نفسه، ومؤدبهم أولى بتأديب نفسه، تلك من الحكم المعروفة لدينا، فما أحوجنا لأن نتعلم فضائل الفلسفة ونكتسب طريقتها في التفكير والمعاملة، ولكن مما يؤسف له اننا أصبحنا حالنا حال أي معلم أو خطيب أو متكلم، ندّرس العلوم والمعرفة والثقافة ولا تؤثر فينا أبداً، نعلم الغير ونربيهم على الحكمة والتفكير والمنهج والفلسفة ولا نربي أنفسنا على ذلك، فقد أعتدنا على نسخ الأفكار والآراء ونقلها لطلبتنا دون نقد أو تمحيص أو تقويم، ولم نعلّم طلبتنا على كيفية القراءة والنقد والتحليل، وأعتدنا نحن في قراءتنا على ذلك أيضاً، بل الأدهى والأمر أننا أصبحنا مثل أجدادنا القدماء من الفقهاء والمتكلمين، نتعلم دراسة الفلسفة ومنهجها وطريقتها لأجل أن نحاجج بها أفكار الغير ونحاول الانتصار من الخصم بحجج منطقية، ويعمل الكثير منا ويفكر على طريقة المتكلمين من جهة ومنطق أرسطو من جهة أخرى، يتعلم الفذلكات وطرق المحاججة ليدحض أفكار الخصوم من دين أو مذهب أو عقيدة، عن طريق الدعوة لفكره والزام الآخرين بطريقه وطريقته في التفكير، دون أعطاء فرصة للآخر من أن يقدم رؤاه وأفكاره وفلسفته، فطريقة تفكير الكثير منا طريقة كلامية أيديولوجية بامتياز، ولم تؤثر الفلسفة فينا من حيث دعوتها للتعددية والأختلاف والتسامح مع الغير في أفكارهم والتعايش معهم بامان ومحبة.

لقد ترك المحيط الاجتماعي المنغلق أثره على طريقة تفكيرنا وسلوكنا، ولم يتحرر الكثير منا من أفقه الضيق وموروثه الفكري والثقافي، رغم دراسة الكثير منا في الجامعات وحصولنا على شهادات عليا في تخصصات مختلفة، الا أن الكثير من هؤلاء بقي على طريقته البسيطة في التفكير ولم يحاول أن ينتقد ما نشأ عليه أبداً، بل جدّ وأجتهدّ الكثير منا على أن يدعم مسلماته وقبلياته بما حصل عليه من ثقافة وفكر ومعرفة، وهذه حالة يرثى لها لا تؤهلنا لأن نكون مع الشعوب المتقدمة ولا نحقق رقينّا أبداً، بما نمتلك من طرق تفكير بالية أكلّ الدهر عليها وشرب.

لست أدعّي أنني أكثر معرفة ونقداً وثقافة من بين الآخرين من أهل الفلسفة والمعرفة والثقافة، ولكنني أحاول بما أوتيت من عقل نقدي بسيط، أن أضع ما نشأت وتربيت عليه وتعلمته، في ميزان النقد والتمحيص، ولا أجبر الآخرين على أعتناق معتقدي أو أيديولوجيتي أو طريقتي في التفكير، ولكنني أومن بقيمة الآخر وبأحقيته في الأختلاف والحياة والتفكير، والسعي الجاد لمنح الآخرين حرية الرأي والتعبير والمعتقد، ولكن دون عنف أو أكراه أو تعصب في ذلك، ففرض الأفكار ووصايتها وقيمومتها على الناس طريقة مقيتة وكريهة، تحاول أحتكار الحقيقة أو الدفاع عن المعتقدات بأساليب متطرفة غير متسامحة، مما يجعل الكثير دعاة ومبلغين لا باحثين ومثقفين وأكاديميين، وهذا أمر ينذر بدمار مجتمعاتنا وحياتنا ومؤسساتنا، وما أحرى أهل الفلسفة بالأصلاح والتغيير والنقد والتقويم، على مستوى الذات أولاً قبل أن ننتقل لأصلاح غيرنا ونصحهم وتربيتهم، وما أحرانا في أن نتمثل طريقة التفكير الفلسفي، من حيث المرونة والتسامح والنقد والحرية وعدم التعصب والأنغلاق والهيمنة وتهميش الآخرين فيما يعتقدون ويفكرون، ولا نكن وعاظاً وخطباء منابر، نتكلم بطريقة ونفكر بطريقة أخرى، وهذا ما جعل منا أفراداً ومجتمعات متناشزين في الخطاب والممارسة، في طريقة التربية والتعليم والسلوك، وأن الكثير منا يدعّي الوصول الى الحقيقة، وعلى الآخرين الايمان بما توصل اليه والسير على طريقته في التفكير، ومن يدعّي ذلك فهو عدو للمعرفة وللحقيقة وللفلسفة، وقد ظلمها وظلم نفسه، وهذا لا يقتصر على بعض أساتذة الفلسفة فقط، بل ويتعداه الى الكثير من المفكرين والباحثين، ممن قدموا أيديولوجيات وفلسفات مطلقة، يرون بأنها صالحة لكل عصر ومصر، بل هناك من المفكرين العرب والمسلمين من يحاول تصدير فكره على انه عابر للقوميات والقارات، لأنه ينطلق من أسس دينية سليمة، وفطرة انسانية عالية، وهو في نفس الوقت يحاول اقصاء الغير وتهميش أفكارهم وتقييد حرياتهم، تحت شعارات دينية أو فكرية أو قومية أو حزبية أو فلسفية ضيقة، مدعية النجاة والسلامة لكل من تمسك بها والسير على خطاها، من خلال أدعّاء الحقانية والانسانية لفكره وهو أبعد ما يكون عن ذلك. وهذه الطريقة في التفكير ليست وليدة الحاضر، بل قديمة، درج عليها الاسلاف من الآباء والأجداد، في تراثنا وتاريخنا العربي والاسلامي، وحتى في المجتمعات الغربية ذات التفكير الأصولي والديني المتطرف، ممن أدّعت الكمال والأطلاق وصلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان، وقد حمل بعض الفلاسفة لواء الدفاع عن العقيدة بأسلحة منطقية وفلسفية للانتصار على الغير ممن لا يدينون بدينهم ولا يعتقدون ويؤمنون بفكرهم، وتلك آفة مني بها التفكير الأيديولوجي الضيق على مر التاريخ البشري.    

شوهد المقال 78 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اليزيد قنيفي ـ ماقلّ ودل...!

اليزيد قنيفي           (1) ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بالكرامة .. ينتفض الانسان ويثور عندما يحس بالغبن والاضطهاد والظلم ..الشعوب تصبر وتصابر وتكابد
image

خليفة عبد القادر ـ الدراسة هي حراك، والإضراب تغييب

 أ.د خليفة عبد القادر* في صالح طلبتنا الاعزاء وفي صالح مستقبلهم ومستقبل وطنهم وجامعتهم ، أقترح أن يحددوا يوما واحدا للمساهمة في حراكهم وباقي الأسبوع
image

وليد عبد الحي ـ الرؤية الاسرائيلية للأزمة الجزائرية المعاصرة

 أ.د وليد عبد الحي   يمثل (INSS) او معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي احد ابرز المؤسسات البحثية المؤثرة في اسرائيل، وهو مركز تابع لجامعة تل أبيب،
image

عاطف الدرابسة ـ القرابين

د.عاطف الدرابسة       قلتُ لي : لا أحبُّ أن أراكَ عارياً سأشتري لكَ ثوباً جديداً ونشربُ معاً نخبَ المعاركِ الخالدةِ والنصرِ المجيد
image

ايسر الصندوق ـ ادب الرحلات .. الرحلة والكتابة

ايسر الصندوق ضمن نشاطات رابطة بغداد / العراق الثقافية نظمت الرابطة محاضرة بعنوان " ادب الرحلات .. الرحلة والكتابة " للكاتب الروائي حسن البحار
image

العياشي عنصر ـ وهم التغيير من الداخل!!

د.العياشي عنصر  الأمل المعلق على المؤسسة العسكرية عامة، وعلى قيادة الأركان خاصة وبالذات على رئيس الأركان القايد صالح لقيادة التغيير في النظام من الداخل
image

وليد عبد الحي ـ التراجع الامريكي من منظور العلماء الامريكيين

 أ.د.وليد عبد الحي  يدل ارشيف الوثائق في الكونجرس الامريكي ان الولايات المتحدة تدخلت عسكريا في اراضي الدول الاخرى 133 مرة خلال الفترة من 1890 الى
image

نوري دريس ـ رئاسيات تلوح بكل المخاطر

د.نوري دريس كل ما أخشاه هو أن النظام لن يتراجع عن العرض الذي قدمه حاليا، و يذهب في سبيل اجراء انتخابات رئاسية وفقا
image

حميد بوحبيب ـ الربيع الشعبي الجزائري :

د.حميد بوحبيب  قاطرة الحراك تصل إلى محطة تاريخية رمزية هي محطة العشرين أفريل، التي شكلت في المخيال الوطني قطيعة حادة مع التصور المونوليثي للهوية
image

نصر الدين قاسم ـ من داخل الجزائر: إصرار الحراك ..تلاعب

نصرالدين قاسم  يواصل قائد الأركان، سياسة التناقض وازدواجية الخطاب، يمني الحراك بوعود الاستجابة لمطالبهم التي يصفها بالمشروعة، ومن جهة أخرى يصر على فرض رجال

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats