الرئيسية | الوطن الثقافي | يسرا محمد سلامة ـ أرملة من فلسطين

يسرا محمد سلامة ـ أرملة من فلسطين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. يسرا محمد سلامة

 

 

منذ أيامٍ قليلة مرت علينا ذكرى وفاة الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار في 22 يناير 1974م، الذي لم يكن واحدًا من أمهر أدباء عصره فقط، بل تميز أيضًا بغزارة إنتاجه الأدبي، الذي بدأه في سنٍ صغيرة هو وواحدٍ من أشقاؤه، فقد كان له تجارب عِدة قبل أن يبدأ وبشكلٍ فعلي في عمر الواحد والثلاثين بكتابة أولى رواياته الأدبية "أحمس بطل الاستقلال" عام 1943م، وبعدها توالت الأعمال التي كان من أشهرها، "سلسلة محمد رسول الله والذين معه وتقع في عشرين جزء"، "قصص الأنبياء"، "السيرة النبوية"، ورواية "أبو العروسة"، وغيرها من الأعمال الأدبية الرصينة.
لكننا اليوم بصددِ الحديث عن مجموعة قصصية، طُبعت في أواخر عام 1959م، عن سلسلة شهرية تَصدر عن نادي القصة الذي رأس تحريره فارس الرواية العربية يوسف السباعي، وصدرت في العدد الخامس والعشرين، وقد حَمِلت عنوان "أرملة من فلسطين"، تضمنت 4 قصص مختلفة" (أرملة من فلسطين، العودة، فاجرة، حدث ذات ليلة)، وهذه المجموعة تقع في كتاب من الحجم المتوسط، يَبلغ عدد صفحاته 152.
كان لرواية امرأة من فلسطين السمة الأبرز في هذه المجموعة – التي تصلح كل رواية فيها أنْ تُقدم في عملٍ فني راقٍ – وقد وُفق، عندما اختار هذه القصة لتكون عنوانًا لمجموعته الكاملة، فهذه الرواية تحديدًا نموذجًا متكاملاً للعمل الأدبي الذي تتوافر فيه كل عناصر القصة المُبهرة، من الحَبكة الدرامية، وعنصر التشويق، وتقديم المعلومة الجديدة، وربط التاريخ بالحاضر في صورة ولا أروع، وأخيرًا القصة الرومانسية المستحيلة التي ربطت بين بطل القصة وبطلتها الأرملة الفلسطينية.
قدّم لنا الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار، واحدة من أفضل القصص العربية على الإطلاق، بدأها بعنصر التشويق عندما تحدث عن تلك المرأة ذات البشرة السمراء التي ترتسم على وجهها علامات الحزن والأسى، المُسافرة على متن طائرة إلى ليبيا وبجوارها يجلس على كرسي غير بعيد بطل القصة، علي طه هذا المحاسب القانوني الذي يعيش في ليبيا ويتنقل بين طرابلس وبني غازي ليُباشر أعماله، وقد لفتت انتباهه هذه السيدة الحزينة الشاحبة، وأراد أن يتعرف عليها أكثر، ويقترب منها.
ثمّ يُقدم لنا المعلومة الجديدة والتي تتمثل في بعض المصطلحات الليبية، على لسان "علي" لصديقه الجديد – وكانت أولى زياراته لليبيا - الذي تَعرّف عليه في استراحة المطار "الترانزيت" قبل مواصلة سفره إلى طرابلس، وقد أفرد لهذه المصطلحات بعض السطور مثل "قهوة جدجد، بمبه، كاروسة، باهي، المهاري" وكلها كلمات ليبية لا أحد يعرف عنها شيئًا، ومقابلها بالمصري "قهوة على الريحة فـ جدجد أو قدقد تعني بالليبية سكر والبن بها مجروش، بمبه تعني سوبيا أو يقترب مذاقها منها، كاروسة وتعني العربة، باهي أي حسنًا، أما المهاري فهي لفظة إيطالية وتعني الهجين".
أما عن المعلومة التاريخية والتي ربطها بكل اقتدار السحّار بالحاضر – وقت كتابة الرواية – فقد تمثلت في بطلة الرواية تلك السيدة سمراء البشرة والتي ظن علي في بداية الأمر أنها سورية، رغم بشرتها الداكنة إلا أنها فاجأته بقولها أنها مصرية الأب، فلسطينية الأم، وكانت هذه بداية المعلومة التاريخية التي سردت بها هذه السيدة لـ "علي" مأساتها التي عاشتها في القدس، وتحديدًا في شارع "الملك داوود" الذي كانت به مدرستها، حين بدأ كل شئ مع وعد بَلفور الذي قطعه البريطانيون لليهود، وكيف تحولت معه فلسطين لساحة معركة دامية وحشية، قضت على الأرض والبشر على حد سواء، وعن مأساتها الشخصية وهي بعمر التاسعة عشر عند اجتيازها لشارعها الملك داوود، وإذا باثنين من اليهود حاولا إطلاق الرصاص عليها ثأرًا لشابة يهودية قُتلت على يد فلسطينين، ولكن عناية الله أنقذتها، وتركت بداخلها جُرح غائر ظل ألمه يُطاردها، حتى بعد نزوح أسرتها إلى مصر، إلى الإسماعيلية وزواجها من شاب مصري يعمل معها في نفس المدرسة التي قامت بتدريس الحساب فيها، فقد كانت تقوم من عز نومها في ظلمات الليل فَزعة كلما هاجمها كابوس هؤلاء الاثنين اللذين حاولا قتلها، واستمر كابوس اليهود اللعين بعد العدوان الثلاثي 1956م، والذي راح ضحيته زوجها الذي كان آخر سند لها بعد وفاة والدها وأمها، واختيارها الهرب من مصر تاركة وراءها كل هذه الذكريات، التي ربطتها باستقرارها في طرابلس في شارعٍ يُدعي "القاهرة"، فهي لا تُريد أنْ تنسى حتى وإنْ هَرُبت.
وبعد ذلك، لا يفوت السحّار أن يضع لمسته الرومانسية الرقيقة على الرواية فقام بنسج قصة حب – من أول نظرة – بين علي وتلك السيدة التي لم يعرف اسمها إلا عندما وصلا لطرابلس وعرفته على عنوانها وذهب إليها، فإذا بها تُخبره أنها "چاكلين توفيق"، وأنّ هذه العلاقة الرومانسية التي أراد علي أنْ يوطدها بالزواج أصبحت مستحيلة، ليست لاختلاف الديانة فقط – والتي لم تمنعه عن إصراره في طلب الزواج منها – ولكن؛ لأنها تصورت أنّ مشاعره هذه كانت من باب العطف عليها لا أكثر، خاصةَ وأنها أرادت العيش مع ذكرياتها، وقد صوّر عبدالحميد جودة السحّار علاقة الحب – التي توهم بطل القصة أنها ليست من طرفه فقط، وأنّ نظراتها قد بادلته إحساسه طوال الرحلة إلى طرابلس – في كلماتٍ صاغها بمنتهى البراعة، من ذلك الحوار الذي أتى على لسان علي حين قال لـ چاكلين " قد تستريح النفس إلى حديث فياض بالأسى، وتنفر من حديث زاخر بالمرح ، العبرة في أن يتفتح القلب للقلب ، وقلبي منفتح لكل ما يخرج من بين شفتيكِ".
وأخيرًا، لقد تفوق السحّار على نفسه في هذه الرواية تحديدًا فانسابت الكلمات في سلاسةٍ غير عادية، دون مللٍ، وقد جعل نهايتها مفتوحة للقارئ؛ كي يختار كل واحدٍ النهاية التي تصلح من وجهة نظره لتلك القصة الجميلة، وهي براعة أدبية جاءت من كاتبٍ أقل وصف له أنه مُبدع، رحم الله الأديب الكبير وجزاه خيرًا عن كل ما قدّمه من أعمالٍ يشهد لها القاصي والداني بأنها ستظل صامدة يتوارثها أجيال عدة.

شوهد المقال 249 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد رضا ملياني ـ أصابعي ظمأى

أحمد رضا ملياني          ماعاد المطر ينزل بأرضنا ولا الحب يسقي دربنا الخريف تهب رياحه باردة في كل فصل لتسقط أوراقنا الرصيف يجري خلفنا ليقتل أحلامنا......
image

جمال الدين طالب ـ طاب جناني"...!:

جمال الدين طالب             تعزي اللغة الوقت تبكي ساعاته..تندب سنواته يعزي الوقت اللغة يبكي كلماتها لا... لا يخطب الرئيس ... لا يخطب.. لا
image

اعلان انطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط

 يعلن الأستاذ محمد خليف الثنيان عن إنطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط . مركز طروس هو مركز بحثي متخصص في دراسات الشرق الأوسط حول القضايا التأريخية
image

شكري الهزَّيل ـ رِمَّم الأمم : نشيد وطني على وتر التغريب والتضليل الوطني!!

د.شكري الهزَّيل عندي عندك يا وطن وحنا النشاما والنشميات يوم تنادينا وتذَّكرنا بذكرى وجودك يوم ودوم ننساك وحنا " نحن" اللي تغنينا بحبك ونشدنا
image

سهام بعيطيش ـ هبْ انّ.....

 سهام بعيطيش"أم عبد الرحيم"          هبْ أنّ نجْمَ اللّيلِ دقّ البابَ في عزّ النّهارْ هبْ أنّ شمسًا اختفتْ وقتَ الضُّحى في لحظةٍ خلفَ
image

وليد بوعديلة ـ حضور الأساطير اليونانية في الشعر الفلسطيني- شعر عز الدين المناصرة أنموذجا-

د. وليد بوعديلة  استدعى الشعر الفلسطيني الأساطير الشرقية و اليونانية،بحثا عن كثير من الدلالات والرموز، وهو شان الشاعر عز الدين المناصرة، فقد وظف بعض
image

يسرا محمد سلامة ـ أرملة من فلسطين

 د. يسرا محمد سلامة  منذ أيامٍ قليلة مرت علينا ذكرى وفاة الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار في 22 يناير 1974م، الذي لم يكن واحدًا من أمهر
image

وليد عبد الحي ـ الجزائر: جبهة التحرير الوطني ومماحكة التاريخ

 أ.د. وليد عبد الحي  تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري ، فهذا المجتمع كنت قد
image

حميد بوحبيب ـ حميد فرحي ...منسق ال الحركة الديمقراطية الإجتماعية MDS ...يفارق الحياة....

د. حميد بوحبيب  يولد الرفاق سهوا وعلى خجل ...يكابدون قبل الوقوف على أقدامهم من فرط الجوع والغبينة يتقدمون خطوتين، يتعثرون مرتين ...ثم يفتحون قمصانهم على الصدور ،
image

خليفة عبد القادر ـ الجنوب والشمال في الجغرافية الجزائرية

أ.د خليفة عبد القادر*  مفارقة معقدة على المستوى الوطني وأيضا هي معضلة العالم منذ أن توارت -إلى حين- معادلة الشرق والغرب. ما يهمني الآن هو

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats