الرئيسية | الوطن الثقافي | عبد السادة جبار ـ سعد سعيد يرفع صوت الحب عاليا

عبد السادة جبار ـ سعد سعيد يرفع صوت الحب عاليا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
عبد السادة جبار
 
قراءة انطباعية عن رواية (صوت خافت جدا) للكاتب  سعد سعيد 

مقدما أقول لو قيّض لهذه الرواية موزع جيد لانتشرت بين القراء وتمّ تداولها بما يتناسب مع جمال سردها وسلاسة أسلوبها، لأنها قصة حب معاصرة بامتياز.. لكنها ربما تصدم بآراء بعض الباحثين عن روايات تتناسب مع تذوقهم لمركبات لغوية ورموز غائرة في المعاني لأن الرواية برغم خفوت صوتها إلا أنه صوت مسموع كأنها نهر يجري من دون الحاجة إلى توقف طويل أو حتى استراحة للبحث عن معان خفية.
أستطيع أن أكرر أنها رواية حب بامتياز في عصر ربما غمرت الظروف المتناقضة هذه المشاعر وغيّبتها عن حياتنا القاحلة.. 
اربع ركائز سردية:
الأولى/ لغتان: اعتمد الكاتب سعد سعيد في روايته على اللغة العربية الفصحى البسيطة المقروءة للوصف وللحوارات ليوصل للقارئ الأحداث وتطوّرها وتفاعل العلاقات للشخصيات.. لكنه استخدم (اللهجة المحلية) أيضا.. وأنا أشدّد على أنها (لغة) سردية أخرى كشف من خلالها أعماق الشخصية الأساسية (سفانة) وصدقها مع أحاسيسها وللدلالة على تلك الانفعالات التلقائية غير المتكلفة بعيدا عن فكرة (تيار الوعي) الذي يستخدمه بعض الكُتّاب بافتعال فكري .. ولهذا حين تحدّث نفسها بتلك الجمل (الشعبية) تكشف عن حقيقة تلك المشاعر التي تفضح أعماقها، متجاهلة ذلك الكبرياء والادّعاء بالرزانة والكياسة التي تظهرها لاخفاء تلك الدواخل ويظهر ذلك بكثافة حين تتحدث مع (فضيلة) صديقتها المقربة جدا فهي تستخدم تلك العبارات الشعبية الحميمة التي ترفع الكلفة بين الأصدقاء، وبذلك عوّضنا الكاتب بهذه (اللغة الأخرى) عن توصيف أعماق الشخصية وأحاسيسها التلقائية ليرينا شخصيه أخرى هي الوجه الآخر للشخصية التي تتحاور بلغة المثقفين المتكلفة أحيانا، وتمكّن من ذلك من دون أن يلجأ الى توصيف سردي بلغة السارد العليم، وأرجو أن لا يتصور بعضهم أني أميّز المؤلف باستخدامه (اللهجة) المحلية لأن هناك من سبقه في هذا المجال من المؤلفين العراقيين والعرب.. لكني أرى الفرق في كونه استخدم المحلية الذاتية الحميمة (كلغة) تعبّر عن أعماق الشخصية وليس كلهجة لإيصال المناخ المحلي.. أنا شخصيا كنت أعيش مع سفانة بشخصيتين، واحدة أكثر صدقا وحميمة من الأخرى.. وهذا الأمر ليس عجزا من الكاتب لعدم قدرته للتعبير في اللغة الفصحى مثلما يتصور بعضهم، بالعكس أراه صائبا وموفقا تماما، لأن تلك (اللغة/اللهجة) تفتح لنا كوّة على أعماق شخصية تكوّنت في مناخ شعبي وشكّلت تلك المفردات تكوينها وانفعالاتها.. ولكن هذا الأمر لن يكون سهلا على القارئ العربي على الخصوص قرّاء (دول شمال إفريقيا).
الثانية / الحوار: هيمن الحوار على السرد، وقدّم المؤلف من خلاله تصويرا مقنعا لتطور العلاقات والأحداث والأحاسيس والأفكار، محافظا على إيقاع الرواية، وقد عرفت هذه الإمكانية لدى المؤلف في روايته (فيرجواليه) حيث اعتمد على الحوار بشكل كامل.. وهنا شكّل الحوار نسبة 75 بالمئة تقريبا من دون الشعور بالملل ودون إسهاب أو ثرثرات فكرية.. واعتمد الجمل القصيرة لينمّي التفاعل بين الشخصيات وخصوصا شخصية سفانة والطبيب.. أما حوار سفانة مع فضيلة فهو يقع بين فن (الدايلوج) و(المنالوج)، وسنتحدث عن شخصية فضيلة المفترضة في فقرة لاحقة.. المهم أستطيع أن أقول إن المؤلف متمكن من فن الحوار بشكل مميز وكأنه يكتب حوارا لعمل تلفزيوني أو سينمائي، وهو ما يفتقده بعض المؤلفين، حيث يميل بعضهم للتداعي وتيار الوعي أو الحوارات الطويلة ذات النبرة الخطابية الوعظية.. أنا أعتقد أن القدرة الواضحة في الحوار أسهمت بشكل كبير في نموّ السرد الروائي وضبط إيقاعه.
الثالثة/ فضيلة: إذا كانت اللغة الداخلية/ بلهجتها المحلية.. والحوار.. ركيزتان في النهوض بهذه الرواية.. فإن شخصية فضيلة الشبحية أعتبرها ابتكارا يسجّل للمؤلف.. من هي فضيلة؟.. حسب ما ذكرت (سفانة) إنها من أعزّ الصديقات وأقربهن إلى قلبها هي الوحيدة التي تلتقيها بعد كلّ مشوار لتبوح لها بما يعتلج في أعماقها.. فضيله كرسي الاعتراف والجدل والتداعي والمشاكسة في كل صغيرة وكبيرة تمرّ على سفانة، لكننا نقطع شوطا طويلا في الرواية يصل قرب النهاية حتى نتعرف على فضيلة من.خلال صرخة تلقائية تطلقها سفنانة .. تبقى فضيلة بعيدة عن الأحداث ولا تشترك فيها، لكنها الجدار الحي الذي تلقي سفانة عليه اعترافاتها.. نجح المؤلف في أن يجعلنا نتعامل مع الضمير الغائب كأنه ضمير حي مخاطب.. و(فضيلة) هي الصديقة الحميمة لسفانة وشريكة صباها وهي (الفضيلة) الاجتماعية والكبت الذي يعلن عن رفضه لحرية سفانة ويقف حائلا بين هيامها وعواطفها.. فضيلة هي (الأنا الأعلى) على حدّ مفهوم فرويد للتابوات الاجتماعية.. إلا أن علاقة سفانة بفضيلة ليست مفروضة بل اختيارية قابلة للحوار والجدل والمزاح على الرغم من مأساة فضيلة التي لا أريد أن أكشف سرّها للقارئ.

 
الرابعة /المسكوت عنه : تناولت الرواية هذا الامر الشائك باشارات ذكية دون افراط وبواقعية دون افتعال او سذاجة فكانت مقنعة الى حد كبير فقدمت الرواية الشخصية الرئيسية كنموذج لنساء هذا العصر التواقات الى الحرية..وسط مفاهيم حولت هذا المعنى الى مايشبه.الفوضى والسجون الكبيرة 
ايضا كقارئ أودّ أن أشير إلى بعض الملاحظات:
1_ ركز المؤلف على شخصية (سفانة) بشكل كبير حتى بدا لي كأنه (سفانه) نفسها وهو بذلك قد برع في النفاذ الى هذا النموذج من النساء، الا اننا لم نفهم بقية الشخصيات إلا من خلال سفانة وعلاقتهم بها، كنا بحاجة لمزيد من الأضواء لنفهمهم باعتباره ساردا عليما.. ولو أني كنت أفضل أن تسرد الرواية بصوت سفانة..
2- لم أجد ضرورة لتلك المقدمات الخاصة بالسارد والتي يبدأ بها بعض فصوله.. كأنها رأي مسبق يلخّص أو يمهّد للفصل.. وإذا كان هناك من ضرورة يمكن أن تذكر على لسان الشخصية وليس على لسان السارد الخارجي.
3- المفاجأة الصادمة والمميزة سرديا حول قصة (فضيلة) جاءت ضمن موضوع سلوى الذي كان يمكن أن يختصر ويتماهى بشكل متعادل مع قصة فضيلة، لأني أعتقد أن تراكمات حادثة فضيلة كان هو الدافع للهجرة.. فهو دافع قوي جدا لدرجه كونه سيسبب فراق أعز إنسان على قلب سفانة.. للأسف مرّ هذا الامر الشائك والمؤثر سريعا(فضيلة) .. ضمن مأساة سلوى.
4_ لا أجد ضرورة لحصر موضوع الوعي والثقافة بالأمكنة الثقافية التقليدية.. شارع المتنبي.. مقهى رضا علوان.. وغيرها لأن الشخصيتين الرئيستين في الرواية يمكن أن يتعارفا بأمكنة أخرى وإن كانت لديهم اهتمامات ثقافية..
لأن القارئ ربما يقع في وهم أن ما جرى هو في الوسط الثقافي في الوقت الذي يمكن أن يحصل هذا في جميع الأوساط..وحتى لا يذهب ذهن القارئ الى انها تجربة شخصية للمؤلف او تجربة قريبة منه 
وأخيرا وباختصار يمكنني أن أقول: (إنها رواية مؤثرة وتستحق الاهتمام) اذ قدمت لنا نموذجا لإمرأة تتطلع الى الحرية في بلد تسوره اسلاك شائكة من الفقر وتخطو في دروب مزروعة بالمفخخات الاجتماعية وتواجه قناصين يرتدون البدلات المدنية ويخفون تحت ابتساماتهم انيابا همجية ..فتضطر الى الهروب رغم وجود صوت امل.. الا انه خافت جدا.
 

شوهد المقال 546 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اليزيد قنيفي ـ ماقلّ ودل...!

اليزيد قنيفي           (1) ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بالكرامة .. ينتفض الانسان ويثور عندما يحس بالغبن والاضطهاد والظلم ..الشعوب تصبر وتصابر وتكابد
image

خليفة عبد القادر ـ الدراسة هي حراك، والإضراب تغييب

 أ.د خليفة عبد القادر* في صالح طلبتنا الاعزاء وفي صالح مستقبلهم ومستقبل وطنهم وجامعتهم ، أقترح أن يحددوا يوما واحدا للمساهمة في حراكهم وباقي الأسبوع
image

وليد عبد الحي ـ الرؤية الاسرائيلية للأزمة الجزائرية المعاصرة

 أ.د وليد عبد الحي   يمثل (INSS) او معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي احد ابرز المؤسسات البحثية المؤثرة في اسرائيل، وهو مركز تابع لجامعة تل أبيب،
image

عاطف الدرابسة ـ القرابين

د.عاطف الدرابسة       قلتُ لي : لا أحبُّ أن أراكَ عارياً سأشتري لكَ ثوباً جديداً ونشربُ معاً نخبَ المعاركِ الخالدةِ والنصرِ المجيد
image

ايسر الصندوق ـ ادب الرحلات .. الرحلة والكتابة

ايسر الصندوق ضمن نشاطات رابطة بغداد / العراق الثقافية نظمت الرابطة محاضرة بعنوان " ادب الرحلات .. الرحلة والكتابة " للكاتب الروائي حسن البحار
image

العياشي عنصر ـ وهم التغيير من الداخل!!

د.العياشي عنصر  الأمل المعلق على المؤسسة العسكرية عامة، وعلى قيادة الأركان خاصة وبالذات على رئيس الأركان القايد صالح لقيادة التغيير في النظام من الداخل
image

وليد عبد الحي ـ التراجع الامريكي من منظور العلماء الامريكيين

 أ.د.وليد عبد الحي  يدل ارشيف الوثائق في الكونجرس الامريكي ان الولايات المتحدة تدخلت عسكريا في اراضي الدول الاخرى 133 مرة خلال الفترة من 1890 الى
image

نوري دريس ـ رئاسيات تلوح بكل المخاطر

د.نوري دريس كل ما أخشاه هو أن النظام لن يتراجع عن العرض الذي قدمه حاليا، و يذهب في سبيل اجراء انتخابات رئاسية وفقا
image

حميد بوحبيب ـ الربيع الشعبي الجزائري :

د.حميد بوحبيب  قاطرة الحراك تصل إلى محطة تاريخية رمزية هي محطة العشرين أفريل، التي شكلت في المخيال الوطني قطيعة حادة مع التصور المونوليثي للهوية
image

نصر الدين قاسم ـ من داخل الجزائر: إصرار الحراك ..تلاعب

نصرالدين قاسم  يواصل قائد الأركان، سياسة التناقض وازدواجية الخطاب، يمني الحراك بوعود الاستجابة لمطالبهم التي يصفها بالمشروعة، ومن جهة أخرى يصر على فرض رجال

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats