الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ ثورة جبال البشارات الكبرى...23 ديسمبر/كانون الاول 1570م-1571م (La guerra de las Alpujarras)

فوزي سعد الله ـ ثورة جبال البشارات الكبرى...23 ديسمبر/كانون الاول 1570م-1571م (La guerra de las Alpujarras)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

"....عندما اشتدت حدة التوتر بين النظام الإسباني الذي لم يقبل أدنى تفاوض حول حرية المعتقد بالنسبة للمسلمين وشدد قبضته عليهم بالقوانين والأوامر المَلَكِيَّة الجائرة التي تراوحت بين الغرامات المالية الباهظة والسجن والتعذيب حتى الموت والإحراق بالنار والطرد من البلاد والاستعباد وتشريد العائلات وبيع نسائها وأطفالها في أسواق النخاسة....بعد كل هذا، شَعر المسلمون أنه لم يبق لديهم ما يخسرونه وأن خياراتهم محدودة في التعاطي مع كل هذا التعسف. 
"...في غرناطة، فقد بلغ اليأس بالموريسكيين ذروته، فتهامسوا على المقاومة والثورة، (...)، أو الموت قبل أن تنطفئ في قلوبهم وضمائرهم آخر جذوة من الكرامة والعزة، (...)، وكانوا يرون في المناطق الجبلية القريبة ملاذا للثورة (...)، وهنا يبدأ الصراع الأخير للموريسكيين وإسبانيا النصرانية" من حي البيازين في غرناطة التي كانت مُؤَطَّرَة بالأعيان والنُّخب المُسْلِمَة.
العديد منهم لجأوا إلى جبال البشارات في ضواحي عاصمة بني الأحمر بعد الغليان الذي ساد في حيِّ البيازين قبل أن يفجِّروا ثورتهم في يوم 23 كانون الأول/ديسمبر 1568م بالتزامن مع الاحتفال بأعياد الميلاد بعد أن أطلق فكرة الثورة وأشاعها بين الناس الصبَّاغ الموريسكي فرج بن فرج أحد أحفاد عائلة بني سراج الشهيرة في التاريخ الأندلسي وإحدى أكبر العائلات الغرناطية وأعرقها. 
وهكذا عاد الموريسكيون مجددا إلى حمل السلاح ضد الذين اضطهدوهم، في البداية تحت قيادة فرج بن فرج الذي نجح في إلهاب مختلف الأقاليم الإسبانية، قبل أن يتفق الجميع على تعيين محمّد بن أمية، الذي يُسميه الإسبان دون فرناندو دي كردوبا فالور (Don Fernando de Cordoba Valor) الغرناطي، أو اختصارًا Aben Humeya، أميرا عليهم معلنين استقلالهم وعدم اعترافهم لا بالتاج الإسباني ولا بسلطة الكنيسة ومحاكم التفتيش. 
أما لقبه "فالور" فَيعود لانتسابه لآل فالور في قرية بِثْنار (Beznar) في جبال غرناطة حيث تحصن محمد بن أمية بمجرد توليه إمارة الموريسكيين في 29 ديسمبر/كانون الاول 1568م خلال طقوس بيعة حضرها الأعيان وكبار القوم واختير خلالها مساعدوه من كِبار قادة الثورة كفرج بن فرج وفرناندو الثَّغْوِيرْ (أيْ الصغير) عم بن أمية... ويُنسَب محمد بن أمية إلى بني أمية الذين حكموا الأندلس منذ عبد الرحمن الداخل صقر قريش. ويوصَف بأنه "كان فتى في العشرين، تنوه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه في سلك الثوار مستشارا ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة" على حد تعبير الكاتب أحمد شيشت خطاب. 
 
وهكذا، عاد الموريسكيون لممارسة طقوس ديانتهم الإسلامية جهرا ورغم أنف الملك ومحاكم التفتيش والبابا الذي بارك اضطهادهم. وأفرزت هذه الثورة قيادات ونُخَب سياسية وعسكرية موريسكية جديدة حققتْ انتصارات في الميدان بإمكانيات متواضعة وكان بإمكانها أن تذهب إلى أبعد من ذلك بفرض تحوّلات إستراتيجية لو وجدت السند الكافي من الإمبراطورية العثمانية ودول الجوار الإسلامية، أو على الأقل لو لم تتعرض إلى الطعن في الظهر من بعض الأنظمة السياسية الإسلامية وإلى التخاذل في أفضل الحالات...

 

واندلعت الاضطرابات والمعارك في منطقة البشارات وطالت "أجيجر وبرجة وأدرة وأندراش ودلاية ولوشار ومرشانية وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى، واستطاع الموريسكيون أن يتغلبوا بسهولة على معظم الحاميات الإسبانية المتفرقة في تلك الأنحاء، بل لقد سرت الثورة إلى أطراف مملكة غرناطة القديمة، حيث اندلع لهيبها في وادي المنصورة وفي قراه ودساكره (...) واشتد الأمر بنوع خاص في بسطة ووادي آش والمرية". ونشبت معارك عنيفة طيلة نحو عامين بين كتائب الموريسكيين والقوات الملكية وسقط فيها عدد كبير من القتلى لدى الطرفين وتخللتها مذابح إسبانية في حق مدنين موريسكيين عُزَّل قُتِلوا انتقاما من الثوار، وأُسِرتْ عائلاتهم، بمن فيها والدة محمد بن أمية وزوجته وشقيقاته...

على الضفة الجنوبية للمتوسط، وبتشجيع من الباب العالي وبإسناد لوجستي أندلسي من اللاجئين الذين التحقوا بالجزائر منذ سقوط غرناطة وقبلها وأبنائهم وأحفادهم، الذين كانوا يتطوعون في عمليات كوماندوس في صفوف القوات البحرية الجزائرية، كانت الجزائر العثمانية الفتية تعمل كل ما في وسعها لدعم الثورة بالسلاح والمال وحتى بإرسال المجاهدين المتطوعين من العثمانيين والجزائريين الأهالي بمختلف انتماءاتهم الإثنية والقبلية.

بهذا الشأن، يقول المؤرخ الجزائري ناصر الدين سعيدوني إن العلج علي الجزائري فكَّر في "إمكانية تقديم المدد لمجاهدي الأندلس، ولقد اجتمع لهذا الغرض جمعٌ من أهالي الجزائر في أحد المساجد وتمكنوا من اختيار المتطوعين للاشتراك في ثورة جبال البشارات التي اندلعت عام 1569م، وتمكن المتطوعون من النزول بشواطئ شرق الأندلس بنواحي المريّة ومَارْبِلَّة ما بين سنتي 1568م – 1569م...".

وعندما تعثرت ثورة البشارات وتعرض الموريسكيون لأبشع أنواع الاضطهاد قتلا وتشريدا وبيعا في أسواق النخاسة ونهبا وسلبا وتنصيرا بحدِّ السيف ودويّ المدافع، تجندت البحرية الجزائرية بكل ثقلها بالتنسيق مع الباب العالي لإنقاذ الموريسكيين وتسهيل خروج المقاتلين من بلادهم باتجاه الجزائر، لتتواصل المجابهة لاحقا مع الإسبان عبْر المعارك البحرية والعمليات العسكرية الخاطفة التي كانت تخوضها القوات الجزائرية ومُجنَّدوها الموريسكيون انطلاقا من مدينة الجزائر بالسيطرة على مناطق ساحلية إسبانية لبضع ساعات أو أيام ريثما يتم إجلاء مَن علق فيها من الموريسكيين ونقلهم إلى الجزائر. واستمرت هذه المجابهة العسكرية على مدى مئات السنين حتى أطلق عليها بعض المؤرخين "حرب الثلاثمائة سنة".

لا شك أن ثورة البشارات لو كُتِب لها النجاح، لَاتَّخَذتْ الأحداث وجهةً أخرى ولَهَبَّتْ رياح التاريخ في منطقة المغرب العربي والأندلس بما تشتهيه سُفنها، لكن "لكل شيء إذا ما تمَّ نقصان...فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسان"، مثلما قال أبو البقاء الرندي الذي علَّمتْهُ الحياة بأنها "...دولٌ...مَن سرَّه زمنٌ ساءتْهُ أزمانُ...".

فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم. دار قرطبة. الجزائر 2016م. بتصرُّف.

شوهد المقال 839 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الجزائر : مستقبل المخاض الجديد

 أ.د. وليد عبد الحي  قد لا يكون مبالغة القول بأن النظام السياسي الجزائري عرف ثلاث مراحل في تطوره "البنيوي"، المرحلة الاولى وتمتد من 1962 (الاستقلال
image

المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر تعزي عوائل ضحايا غرق عبارة الموصل

راضية صحراوي  تنعي الأمانة العامة للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر ضحايا عبارة الموصل الاليمة ، وتتقدم المنظمة أصالة عن منسوبيها ونيابة عن جميع مكوناتها
image

وليد بوعديلة ـ الحراك الجزائري..مسائل تحتاج لوقفة تأمل

د.وليد بوعديلة يستمر الحراك الجزائري السلمي مسيرته المجيدة الخالدة، وفاء للشهداء واقترابا من تحقيق الاستقلال الكامل، بعد سنوات من استقلال سياسي واقتصادي وثقافي ناقص،
image

شكري الهزَّيل ـ عدالة صفقة الأعداء : غيض من فيض غطرسة عصابة فريدمان كوشنر !!

د.شكري الهزَّيل **مقدمة: لابد لنا ان نترحم اولا على أرواح ضحايا الهجوم الغادر والجبان على المسجَّدين في نيوزيلاندا لنقول ان الاب الروحي لهذا المجرم
image

حميد بوحبيب ـ العلمانية، أو المعركة التي لا نكف عن تأجيلها:

د.حميد بوحبيب   كلمة علمانية تعرضت للتشويه المقصود من طرف الإسلاميين، والأوساط الأكاديمية المحافظة ، حتى صارت في نظر العامة مرادفا للإلحاد ومعاداة الأديان ،
image

وليد عبد الحي ـ قطاع غزة: المستقبل القريب

 أ.د. وليد عبد الحي  أكثر من مصدر اعلامي والعديد من التصريحات الرسمية اشارت الى ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب سيعلن عن " صفقة القرن "
image

جمال ضو ـ فخ الدستور

د. جمال ضو   لا استطيع التنبؤ بمألات الحراك الحالي ، ولكن الشاهد أن مؤشرات كثيرة ترجح أن يفضي بشكل أو آخر إلى مرحلة
image

سعيد لوصيف ـ لاتحملوا المجتمع والدولة اوزاركم..

د.سعيد لوصيف   ابقى مذهولا واكاد انتحر لما اشاهد على بلاطوهات الكاستينغ عددا من "الخبراء" ، يقدمون نصحا اموميا للجزائريين يطلبون منهم الابتعاد عن
image

مجلة "براءات" بملفٍّ عن الشِّعر والله في عددها الأول - مارس 2019

 الوطن الثقافي    صدر عن منشورات المتوسط – إيطاليا، العدد الأول من مجلة "براءات" بطبعتين عربية وفلسطينية. وبراءات هي المجلة التي أعلنت عنها مسبقاً منشورات المتوسط معرفة
image

ثامر رابح ناشف ـ طرفي الحراك السلمي، ميلاد مجتمع، والهوية الباديسية!

د. ثامر رابح ناشف   موهانداس كرمشاند غاندي، او ما أشتهر ب "المهاتما غاندي" هو الزعيم الروحي للهند وسياسي بارز في مقارعة الاستعمار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats