الرئيسية | الوطن الثقافي | عبد الزهرة زكي ـ قامعون ومقموعون

عبد الزهرة زكي ـ قامعون ومقموعون

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
عبد الزهرة زكي

ليس ثمة ما هو أسوأ من محاكمة ومعاقبة إنسان على رأي أو فكرة يقول بها أو قصيدة يكتبها.
الحياة وتقدّم البشرية كانا دائماً مجالاً لجدل وتصارع الأفكار.. ودائماً، كانت الكوارث تبدأ حين تستبدّ فكرة فتنتقل من حيّزها العقلي إلى الذراع، حين تتحول من قوة عقل إلى إرادة ذراع، ومن قوة الحجّة إلى قوة السلطة، فتمنح نفسها حق محاكمة الآخرين ومعاقبتهم بمقتضى أفكارهم وآرائهم.
شراسة المستبد لا تنظر إلى المستقبل. إنها إرادة خائفة لا تفكر إلا بلحظتها الراهنة؛ بالخوف على هذه اللحظة والعمل على احتكارها، بفرض الفكرة والرأي، باستخدام القوة بجميع أشكالها ومنها استخدام سلطة المحاكمات حين تنطلق المحاكمات من قانون جائر.
تاريخ الشعر، في معظم الثقافات، أُخضع إلى محاكمات مختلفة المستوى والأشكال والسلطات، من محاكمة فورية لشاعر وهو يقرأ قصيدة أمام حاكم (ما أكثرها في التاريخ العربي، ولعل أبرزها محاكمة المتنبي من قبل حُسّاده حاشية سيف الدولة الحمداني حينما قرأ ميميته الأشهر؛ واحر قلباه)، إلى محاكمات عرفية كالتي أنهت حياة بشار بن برد.. 
لم يعرف تاريخ المحاكمات الأدبية نجاحا لأي حاكم في محو ذكر شاعر جرت محاكمته وناله عقاب جائر.. بل العكس فإن المحاكمات كثيراً ما تفضي إلى شهرة الشخصيات الذين تجري محاكمتهم ومن ثمَّ شهرة وبقاء الأعمال موضوع الخلاف ماثلةً في الأذهان لزمن ربما يطول، حيث تشحب فكرة المستبد وتضمحل إرادته إلى فكرة عجوز وإرادة ميتة، مثل أية حياة ساكنة ينتهي بها الزمن وبركودها إلى الفساد.
يتوارى المستبد في العتمة، بينما الضوء كله يُسلَّط على المقموع، وهذا تبادل أثمان؛ يقبض بموجبه القامع على اللحظة الراهنة ليظفر المقموع بالمستقبل.. كانت محاكمة غاليلو مثالاً حيوياً على هذا التبادل في الأثمان الذي اطمأنت بموجبه الكنيسة على لحظتها، بينما كان المستقبل للفكرة التي قتل بموجبها غاليلو.
المحاكمات على مر التاريخ تباينت في مبرراتها ونتائجها، وفي ميادين الفكر والثقافة التي لم يبق منها ميدان لم تطله محاكمات ومعاقبات.. في بلاد (العالم الحر)، في الولايات المتحدة، وفي عقد ليس بالبعيد تماماً، كانت محاكمة قصيدة (عواء) للشاعر الأمريكي آلن غينسبرغ سبباً مباشراً ليس في تسليط الضوء المبهر عليها حسب، وإنما أيضاً في تحوّل شاعرها من مراهق متردد إلى رجل واثق. يقول زملاؤه عنه إن غينسبرغ، بعد (عواء) ومحاكمتها، لم يعد غينسبرغ نفسه، لقد بات أحد صانعي الأدب الأمريكي الكبار.
وفيما حوكمت هذه القصيدة نفسها عام 1957 في أمريكا بعد عامين على كتابة شاعرها لها، فإن شاعراً آخر، في الطرف الآخر من العالم، هو الروسي (السوفيتي حينها) جوزيف برودسكي حوكم في بلده ليس بفعل قصيدة بعينها، وإن استخدمت بعض نصوصه ضدّه كشواهد جرمية، وإنما بفعل إصراره على أن مهنته هي (شاعر)، بينما كانت القاضية تريد منه مهنة عملية، في مؤسسة واضحة، لا يكون معها مجرد عاطل غير قادر على (إعالة عائلة وخدمة وطن).. وكان لهذه المحاكمة أن أسهمت في انتشار اسم ضحيتها في مختلف أرجاء الأرض ورسخت قيمته الثقافية.
وقبل هاتين المحاكمتين بأكثر من الفي عام، كانت أثينا، وبتهمة تشويه أفكار الشبّان، قد حاكمت سقراط، فيلسوفها الذي كان يفضّل الحوار الشفوي على الكتابة.. أعدم سقراط بكأس سم، فملأت سيرته ومحاكمته وأفكاره آلاف الكتب والدراسات بوصفه أول ضحايا الاضطهاد الفكري ومن أكثرهم شجاعةً وإخلاصاً للتفكير الحر.
وبفعل الفهم الضيق لأفكاره ومعتقده، وبسوء فهم للغته الصوفية وبلاغتها الدينية والتعبيرية الجديدة حينها على ثقافتنا العربية الإسلامية، صلب الحلاج على نخلة بغدادية قبل قرون، لكن المدينة ما زالت تحتفظ بقبر رمزي للرجل الذي أحرقت جثته بعد صلبها وذر رمادها في الرياح.
لم يكن الحلاج يمتلك سخرية سقراط، فواجه موته جاداً، بينما سخر فيلسوف أثينا ممّن حاكموه، فوصفهم بالجهلة ونعت نفسه بأنه أعلم مَن في الأرض، مستنداً في هذا الإطلاق على أنه أعلم الناس بأنه لا يعلم.
برودسكي هو الآخر امتزج لديه الجد بالسخرية حين سألته القاضية: " من اعترف بأنكم شاعر؟" فرد عليها: " لا أحد. ومن قرر أنني أنتمي إلى الجنس البشري؟".
القاضي الأمريكي عام 1957حاكم ناشر قصيدة غينسبرغ (عواء) بتهمة الفجور وتضمينها كلاماً نابياً يشيع الرذيلة، لكنه كان أكثر حكمة وهو يختم المحاكمة، وقد برّأ القصيدة التي كانت تريد إدانة الحرب مما ألصق بها من تُهَم أخلاقية، قائلاً : «المادة الأدبية التي تملك أيّة قيمة اجتماعية، ولو في حدّها الأدنى، هي مادة غير فاسقة»..
وفي بغداد أيضاً، وقبل المحاكمة الأمريكية لـ (عواء) بسبع سنوات، كان الشاعر حسين مردان يقف أمام قاضٍ بغدادي مدافعاً عن ديوانه (قصائد عارية) الذي اتُّهم، هو الآخر، بكونه مخلّاً بالآداب ويعمل على إشاعة هذا الإخلال بين الناس لينجح محاميه في تأكيد الهدف السامي للآداب والفنون بخلاف ما تنشغل به التهمة من العوارض السطحية، مستفيداً بذلك ومشيراً إلى المحاكمة الشهيرة التي كانت قد عرفتها فرنسا ضد فلوبير وروايته الأشهر (مدام بوفاري)، فتجري تبرئة حسين مردان الذي ابتني مجده الأدبي على هذا الكتاب الذي لا يستذكَر حين يجري الحديث عن قيم الفن الشعري، بينما يمثل بقوة إذا ما مال الكلام باتجاه المنع والحجب والمحاكمات.
 

شوهد المقال 145 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي ـ أول نوفمبر 2018 " النوفمبريين المجاهدين والشهداء " المخيال المجروح !

  يسين بوغازي   منذ  طفولتي ، وعلى  ما ترعرعت عليه هواجسي  الثقافية  الوطنية  الأولى ، أيام الكشافة والشبيبة الجزائرية إلى تلك الأخرى ،
image

الأديان في زمن المقدّس المستنفَر مع عالم الأديان عزالدين عناية حاوره عبد النور شرقي 2\2

حاوره عبدالنور شرقي     11- حول دور الأنتلجانسيا ومسؤوليتها في المجتمع يدور الجدل بشكل واسع، وقد قمت بتصنيف هذه الفئة إلى ثلاثة مستويات:
image

عدي العبادي ـ الواقعية والابداع في المجموعة القصصية اثر بعيد للقاص عدنان القريشي

عدي العبادي                              تحلينا قراءة أي نص على معرفة انطلاقيه الكاتب في كتابته او
image

سيمون عيلوطي ـ مجمع اللغة العربيَّة يطلق مشروع "مهارات الكتابة العلميَّة"

من سيمون عيلوطي، المنسق الإعلاميّ في المجمع: في إطار "عام اللغة العربيَّة" الذي دعا إليه مجمع اللغة العربيّة في الناصرة، بالتّعاون مع المؤسَّسات والجمعيّات
image

علاء الأديب ـ لاتنكروا بغداد فهي ملاذكم

علاء الأديب رداً على (أخوة يوسف) الّذين اعترضوا على أن تكون بغداد عاصمة للثقافة العربيّة:         بغداد تهزجُ.. للربيعِ تصفّقُ.. حيث الربيع على
image

خميس قلم ـ الموغل في الجمال .. إلى كل من يعرف حمادي الهاشمي

خميس قلم  ليس غريبا أن يخطر حمادي الهاشمي في ضمائر أصدقائه في عمان و الإمارات وفي هذا الوقت؛ فهذا موسم هجرته لدفئه الذي هو بردنا..) ما
image

حسين منصور الحرز ـ قلبٌ بلا شاطئٍ يرسو بدفَتِهِ

حسين منصور الحرز                  أبيتُ ليلاً بأحلامٍ تُؤرقُنيفلم أر نبضَ إشراقٍ إلى فلقِو أسهرُ الليل في حزنٍ يقلبُنييحوي التجاعيدَ في إطلالةِ القلقِقلبٌ بلا شاطئٍ يرسو بدفَتِهِيتيهُ في
image

عبد الزهرة زكي ـ قامعون ومقموعون

عبد الزهرة زكيليس ثمة ما هو أسوأ من محاكمة ومعاقبة إنسان على رأي أو فكرة يقول بها أو قصيدة يكتبها.الحياة وتقدّم البشرية كانا دائماً مجالاً
image

فضيل بوماله ـ في الميزان ! بين محمد تامالت وجمال الخاشقجي رحمة الله عليهما

 فضيل بوماله  لقي الصحفي السجين محمد تامالت حتفه داخل وطنه،الجزائر، وسرعان ما طوي الملف دونما إعلان عن نتائج أي تحقيق. وتمت تصفية الصحفي السعودي بتركيا
image

يسين بوغازي ـ الرئيس الجديد وجراح الشرعية البرلمانية الجزائري

يسين بوغازي   مثلما كان منتظرا، تقدمت عقارب ساعات النواب الموقعين على عجل، للتذكير على وثيقة سحب الثقة المثيرة للجدل ! والتي وصفت من الجميع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats