الرئيسية | الوطن الثقافي | المؤرخ الجزائري فوزي سعد الله: الوجود الأندلسي في الجزائر وتونس والمغرب متقارب جدا

المؤرخ الجزائري فوزي سعد الله: الوجود الأندلسي في الجزائر وتونس والمغرب متقارب جدا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
  • يسعدنا في مجلة ميم أن يكون لنا حوار مهم مع أحد المؤرخين الجزائريين الذين جمعوا بين غزارة المنتوج وسعة الاطلاع، الأستاذ فوزي سعد الله الباحث في التاريخ الأندلسي وتاريخ منطقة شمال إفريقيا وعلى وجه الخصوص تاريخ الجزائر بامتدادها وتجاذباتها والتي كانت ملتقى الغرب الأندلسي والشرق العثماني، وكذلك تاريخ اليهود في المغرب الإسلامي عموما، نود في البداية أن نقدم للقارئ أهم محطات الأستاذ فوزي في ميدان الإنتاج الكتابي والصحفي.

أهلاً بك، في الحقيقة، أَعتَبِر نفسي صحفيًا هاويا للتاريخ ولستُ مؤرِّخًا، وأبحثُ وأستقصي في هذا المجال من باب الهواية فقط لِملْء أوقات الفراغ، وأفعل ذلك بمتعةٍ لا تختلف عن متعتي وأنا أعزف على القيثارة أو العود أو وأنا أنفخ في النّاي أو عندما أركض خلال ساعات التمارين الرياضية، فهي إذن مُجرّد هواية، وإن كانت قد أَوْصَلَتْنِي إلى إنجازِ مؤلفات تَحْظَى بالرِّضى بشكل عام وأصبَح بعضُها يُعتمَد عليه حتى في البحوث الجامعية المتخصِّصة، وهذا يُسعدُني جدا… فوزي سعد الله، يا سيّدي، منتوجٌ صافٍ للنظام التربوي الجزائري مائة بالمائة الذي أعتَبِرُه ناجحًا جدًّا، رغم ما يُلفَّق له مِن تُهم ورغم نقائصِه المتفاقِمة، ولم يَحدُثْ لي أن دَرَسْتُ يومًا واحدًا في الجامعات الأجنبية، عَكْسَ ما يَعتقدُه البعضُ بسبب إقامتي خارج البلاد منذ نحو عقديْن من الزمن.

أنا متخرجٌ بشهادة ليسانس في النظرية الاقتصادية وبِمستوى ماجستير في التحليل الاقتصادي من جامعة الجزائر. لم أُكْمِل الدراسة، ولم أُنْجِزْ رسالةَ الماجستير لمَّا فهِمْتُ أنها مَضْيَعة للوقت والجُهد ما دام الاستنساخ والتزوير أصبحَا حينذاك سيِّدَا الرسائل والمُذكِّرات الجامعية، مع احترامي للأمناء المجتهِدين، وما دام جُهدي سيُوضَع في نفس مستوى الأعمال المُستنسَخة، ففضَّلتُ بالتالي الاستمتاع بالبحث والتأليف على مستوايَ الشخصي فقط وعلى سجيتي وهَوَاي.

وأعتقد بعد كل هذه السنين الطويلة أنني أَصَبْتُ ولَمْ أُخْطِأْ في قراري، ولتذْهَبَ الشهادات الجوفاء إلى الجحيم. وقد سبق لي، في هذا السياق، أن كنتُ لِعدَّةِ أسابيع عام 2008م مُحَلِّلاً اقتصاديًا من باريس للأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة وتطوراتها لفائدة إذاعة الجزائر الدولية، القِسْم الناطق باللغة الفرنسية.

 بالمناسبة، أوَدُّ شد الانتباه إلى أنني لا أملِك شهادةَ الماجستير ولا شهادة الدكتوراه، وهذا ما أكرِّرُه دائمًا للذين ينادونني أو يصفونني بالدّكتور وما أنا بدكتور ولا حق لي في هذا الصِّفة.

أنا متخرج أيضًا بشهادة ليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة الجزائر، وأشتغل خلال عملي كصحفي وفي بحوثي باللغات الأربع: العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية التي درَستُها في الجزائر وأتابع دراسةَ هذه الأخيرة حاليا لأغراض مرتبِطة بالبحث في الإرث الأندلسي، كما أنني أتحدَّثُ قليلاً اللغة اللِّيتْوَانِيَة بِحُكم علاقتي الوثيقة بِلِيتْوَانْيَا التي أتردد عليها كثيرًا منذ أكثر من  10 سنوات.

جئتُ لِعالم التأليف عبْر بوابة البحث في تاريخ يهود الجزائر حيث أصدرتُ أول كُتُبي عام 1996م عن هذه الطائفة في بلادنا وأنا ما زلتُ حينها طالبًا في الجامعة وبعد 5 سنوات فقط مِن بداية عملي في الصحافة حيث كانت أوَّل الصُّحف التي اشتغلتُ فيها هي أسبوعية متخصِّصة في الاقتصاد ناطقة بالفرنسية عنوانها: Perspectives de l‘économie et du tourisme (آفاق الاقتصاد والسياحة)، أما آخر مؤلفاتي المنشورة فهو “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم”، وآخر المؤسسات الإعلامية التي عملتُ بها هي القناة التلفزيونية الأوروبية “يورونيوز” (Euronews).

  

  •  لو خرجنا قليلا عن مجال الدراسات والكتابة الصحفية والأكاديمية، سنجد أن الأستاذ فوزي سعد الله قد سُحر بعمران مدينة الجزائر العاصمة، هل كان ذلك لأن الأستاذ ابن مدينة باب الوادي العريقة قلب العاصمة أم ربما لدوافع أكثر عمقا؟

صحيح أن اهتمامي بمدينة الجزائر العتيقة، التي نسميها اليوم خطأً “القصبة”، لأن “القصبة” في الأصل ليست سوى القلعة أو “دار السلطان” مقرّ حُكْم آخر دايات الجزائر الدّاي حسين وسابقه الدّاي علي خُوجَة، مرتبطٌ بِكَوْني ابن القَصَبة وفيها لَعِبْنَا وجَرَيْنا واغْتَسَلْنَا وكَبِرْنَا ويَفِعْنَا وتَربيْنَا مُتَأثِّرِينَ بِقِيَمها وقواعِدِ العيْشِ فيها التي تَعُودُ إلى عهْدِها الذهبي خلال الحقبة العثمانية من تاريخ البلاد عندما كانت إحدى أقوى وأجْمل مُدن البحر الأبيض المتوسط تَفُوُق جمالاً مَرْسِيلْيَا والبُنْدُقِية وجِنْوَة، وتُنَافِسُ حتى عاصمة الإمبراطورية العثمانية إسْطنبول.

التساؤلات بَدَأَتْ في ذهني منذ الطّفولة: لِماذا شوارعها ضيِّقة ومُلتوية تختلِف عن بقية شوارع مدينة الجزائر؟ لِماذا فيها العُيون ولا توجَد عيون في غيرها من الحومات؟ لماذا ديارها متميِّزة بهندسة غير عادية بِمقاييس زماننا في شكل مُدرَّج روماني يُطلُّ على البحر…؟ وكَبرَتْ الأسئلة لِيَكْبر معها الفُضولُ ويَتحوَّل إلى رغبة قوية في البحث عن الأجوبة في الكُتُب والمجلاَّت منذ التاسعة أو العاشرة من العُمْر.

وكان أوَّل مَن وَجَدْتُ لديْهم الرُّدود على تساؤلاتي الشيخ عبد الرّحمن الجِيلالي في كتابه “تاريخ الجزائر العام”، الذي أنْجَزَهُ في عِدَّة مجلدات، وعبد القادر حَلِيمِي بكتابه “مدينة الجزائر، نَشأتُها وتَطوُّرها”. ثم مع التقدُّم في السِّن، وبالتالي في النُّضج الفكري، أصْبَحَتْ الدوافعُ أعْمَق مُرتبِطة باهتماماتٍ ثقافية وحضارية بالدرجة الأولى.

 

 

  • الموسيقى كانت عنصرا مهما في حياة ضيفنا الأستاذ فوزي سعد الله، كيف تشرح لنا هذا الترابط الذي جمع أهم مقومات الشخصية المميزة، الموسيقى والكتابة والاهتمام بالجمال العمراني؟ أو بعبارة أخرى هل كانت الموسيقى منسجمة مع اهتمامات المؤرخ أم لذلك اعتبار آخر؟

الموسيقى نزعة ذاتية منذ الطفولة، فقد كُنتُ وأنا في الثامنة أو التاسعة من العمر، حوالي السنة الثالثة والرابعة ابتدائي تحديدًا، أعزِف على النَّاي كلَّ أغاني رابح دَرْيَاسَة تقريبًا على غرار “نَجْمَة قُطْبِيَة طُلَّتْ عَقْبَ اللَّيْل عْلِيَّ” و”وَرْدَة بَيْضَاء فَي العْلاَلِي فَتّْحَتْ مَا بَيْنْ الدّْوَالِي وَكْرُومْ التِّينْ” و”يا التُّفَّاحَة خَبّْرِينِي وَعْلاَشْ النَّاسْ عَاشْقَة فِيكْ”، مثلما كنتُ أعزف بعض أغاني الفنان خْلِيفِي أحمد البدوية. وكنتُ أحفظ تقريبًا كُلَّ أغاني المصرييْن فريد الأطْرَش وعبد الحليم حافِظ، وأتابِع أعمالَ اللبنانيِّين فيروز وفهْد بَلان ووديع الصَّافي…إلخ.

غير أن أوّل عهدي بالقيثارة كان في الحادية عشرة من العمر بتحفيزٍ مِن أستاذي في الإكمالية المتخصص في مادة الرَّسم وهو محمد بُوخَزَّارْ الذي كان تلميذًا للحاج مْحمَّد العنقاء في جمعية “العنقاوية” أو في المعهد الموسيقي البلدي  لمدينة الجزائر إنْ لم تَخُنِّي الذَّاكِرة.

في هذه المرحلة، تَخليتُ عن النَّاي الذي أهديْتُه إلى أستاذي، واستمرَّتْ هذه القطيعة مع هذه الآلة إلى غاية السنتيْن الماضيتيْن، واشتريتُ قيثارة وبدأتُ تَعلُّم العزف في الحومة بشكلٍ عِصامي حيث لم يَسبق لي أن درستُ الموسيقى ولا أفهم في الـ: “دُو”  والـ: “رِي” والـ: “مِي” …وأخواتِها.

أعتَمِدُ على الأُذُن والتَّقليد، لا أكثر. وبطبيعة الحال، بِفضل محمد بوخَزَّارْ، اكتشفْتُ الغناءَ الأندلسي بمختلف تفرُّعاته وأحببْتُه بعدما كان يبدو لي مملاً، لأن أستاذي كان يسْحر بِصوته وأدائه عندما كان يُغني لَنَا عازفًا على آلة المُونْدُول في القِسْم ونحن نُمارس تمارين الرَّسم.

 

 

 

أوَّل ما تَعَلَّمْتُ عَزْفَه هو المَديح المعروف لدى مُغَنِّيِي الفَنّيْن “الشَّعْبِي” والأنْدلسي: “يَا صَاحِبَ الغَمَامَة، يَا ضَيَاء عَيْنِيَّ، نَرْجَاكْ يَوْمَ القِيَّامَة، لاَ تْسَلَّمْ فِيَّ”، ثم انْتَقَلتُ إلى أنواعٍ أخرى عديدة عربية وغربية بعد أن أدمنتُ خلال سنوات طويلة على غناء عمرو الزاهي.

ربما، طبيعة الحومة بِعمقها التاريخي ساهمتْ في شَحْذِ الاهتمام بالموسيقى لدى جيلنا في سُوسْطَارَة والقصبة، فحومتي كانت مُلتَقَى الفنانين كالحاج محمد العَنْقَاء وبُوعْلاَم رَحْمَة وعَمْرو الزَّاهِي وبُوجَمْعَة العَنْقِيسْ وعْزِيوَزْ رَايِسْ وعبد القادر شاعُو، فضلاً عن العديد من الهواة النَّابِغِين، كما أن جمعية الجزائرية/الموْصلية للغناء الأندلسي كان مَقرُّها يَقَعُ على بُعد 5 دقائق مَشْيًا على الأقدام مِن بيتنا، والكثيرُ من أعضائها وتلاميذها كانوا مِن أبناء الحومة والقصبة بشكلٍ عام.

كِدتُ أنسى القول إن جَدِّي، والِد والدي، كان زُرْنَاجِيًا هاويا ممتازا، كان مُبْهِرًا في الأعراس والمناسبات العائلية.

 

 

 

  • نعود إلى أعمال الأستاذ فوزي، ونبدأ بكتابه “يهود الجزائر هؤلاء المجهولون”، نود أن تحدثنا عن الظروف التي صاحبتك في كتابة هذا العمل، ماذا كان يفكر الكاتب حين كان يسطر فصول هذا الكتاب، وماذا كان يتوقع من القارئ والناقد وربما من أطراف أخرى، لو تفيض لنا في هذه النقاط؟

لم أكُن مُهْتَمًّا لا بالقارئ ولا بالنَّاقد ولا كنتُ أملك النُّضج الكافي للتفكير في ذلك. كنتُ مهتمًّا بِفَهْمِ كيف وأين ومتى عاشت هذه الطائفة الدينية في الجزائر بمختلِف تفاصيل تطوراتها، وكان بحْثي في هذا المجال لإشباعِ فضولٍ شخصيٍّ، لا أكثر، بعدما تَحَدَّثَتْ صُحف جزائرية لأول مرة منذ الاستقلال عن هذا الموضوع في إطار تصفية حسابات سياسية بين “الإصلاحيين” و”المحافظين” داخل النظام السياسي الجزائري بين سنتيْ 1989م و1991م.

بُحوثي حول هذا الموضوع التي انطلقتْ خريفَ 1992م، وأنا طالب في الجامعة وصُحُفِي في بداية الطريق، تَوسَّعَتْ وتَرَاكَمَ لديّ كَمٌّ هائلٌ من المعلومات فقررتُ تحويله إلى كتاب أتقاسَم عبْره ثمارَ جهودي مع كُلِّ الجزائريين وكُلِّ مُهتَم بهذا الموضوع الذي كان مِن الطَّابوهات الحسَّاسة حينذاك.

وقبل نهاية عام 1995م، اكْتَمَلَ الكِتابُ الذي نَوَيْتُ إصدارَه في حوالي 100 إلى 120 صفحة قبْل أن تجرفَني المادّةُ ويَتَحَوَّل إلى كِتاب من مئات الصفحات، فاضطررْتُ إلى تقسيمه إلى جزئيْن: “يهود الجزائر هؤلاء المجهولون” و”يهود الجزائر موعد الرحيل”.

صَدَرَ الأوّل في ربيع 1996م وقد وَجَدْتُ صعوبةً طيلةَ أَشْهُرٍ في إقناع الناشرين الجزائريين بنشره، لأن مجرَّد رؤية العنوان كانت تُرعبهم، ثم نَشَرْتُ الثاني عام 2005م. وواصَلْتُ البحوثَ لأُصْدِرَ الثالثَ “يهود الجزائر مجالس الغناء والطرب” عام 2009م إنْ لم تَخُنِّي الذاكرة. وقد أصبح هذا الأخير مرجعًا دوليًا في مجاله لدى الباحثين الغربيين، بما في ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه أوَّل عمل يتحدث عن ممارسة اليهود للغناء في الجزائر. ومن بين الذين اعتَمَدوا معلوماتِه كِتاب The lost Paradise (الفردوس المفقود) للأنثروبولوجي والأستاذ المحاضر الجامعي الأمريكي جوناثان غْلاَصِيرْ.

أصْدرتُ الكتابَ الأول والثاني بإمكانيات بسيطة جدًّا لَمْ أَكُنْ أمْلِكُ أكْثرَ منها، وهي: قَلَم رَصَاص ومِمْحَاة ووَرَق كان يَتَبَرَّع به لي الأصدقاء.

السُّلطات، بدلاً من المساعدة البيداغوجية، لأنني كنتُ مبتدئًا ولا أمْلِكُ الخبرة في التأليف والبحث، والمادِّية بِتيسير عملية النَّشْر، “انْخَلْعَتْ” على ما يبدو وتعاطتْ مع المسألة أمنيًا، سامحها الله، بالمراقبة وأخواتها…، وهذه حكاية أخرى حزينة ومؤلِمة.

لكن الأصداء العامة، رغم نقائص هذه التجربة الأولى الكثيرة، كانت إيجابية جدًّا، حتى من طرف مسؤولين كبار في الدولة الجزائرية وسفراء أجانب كسفير بنغلاديش وسفير سوريا وغيرهما.

أتذكَّر أيضًا أن الذين لم يكونوا يعرفونني شخصيًا كانوا يتفاجأون عند لقائهم بي، لأنني برأي الكثيرين لم أكن “أُشْبِهُ” في مَظْهري كِتابي: كنتُ شابًّا في العشرينيات من العمر وهُم اعتقدوا أنني فوق الخمسينيات بِبطنٍ مُنتفِخ وأصْلَع، “فَرْطَاسْ”، وأحْمِل محفظةً كبيرة. وتصوَّروا أنني أُشْبِهُ مَن كانوا يُوصَفون احتقارًا وظُلْمًا بـ: “المُعَرَّبين”، لُغَويًا، وما كان ممْكنًا حَشْرِي ضِمْنَ هذا التَّصنيف لا سيّما أنني كنتُ معربًا ومفرنَسًا ومُنَجْلَزًا.

وتَصوَّرُوا أنني كنتُ مُلتحِيًا وأتحدَّث كالأزهريين لكنهم لَمْ يَعثُروا على اللَّحية في وجهي ولا على توابِعها، إلى غير ذلك مِن الكْليشيهات والأفكار المُسْبَقة المتداوَلة آنذاك. وفوْق ذلك، لم تَكُنْ لَدِيَّ أيّة علاقة بجمعياتِ وأنديةِ الذين يُسَمُّون أنفسَهم مثقَّفين ويَتصَرَّفُون كشبكاتِ مصالِح تتصارع مِن أجل مكاسب واهية تَمُنُّ بها عليهم السُّلطات مقابل أثمانٍ باهظة أحيانًا. لِذا، وَجَدْتُ نفسي في حالةِ مَن يُصبح مشْكلةً للبعض، حتى أنهم بَحَثُوا في أصولي لِمعرفة إن لَمْ أكُن يهوديًا أو عميلاً لِدولة الاحتلال الصهيوني، ومفاجأة سعيدة أو محيرة للبعض الآخر.

كان صعبًا على البعض التصوُّر أنني شخص مستقل بذاتي وأفكاري ولا أحتاج لأن أتعلق بأذيال السلطة وأصحاب الجاه والمال في زمن ما كان يخرج فيه البحث والتأليف عن إطار مؤسسات الدولة وجماعاتها. اليوم، أنا سعيد برؤية الوضع يتغيَّر بسرعة حيث أن التأليف في أوساط الشباب وباستقلالية عن السلطة أصبح شائعًا ومقبولاً ولا يُدهِش أو يُخيف أحدًا.

 

 

  • كتابك الأخير الذي كان محط الأنظار واهتمام الباحثين من كل الطبقات، ونعني به كتاب “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم”، والصادر في جزأين عن دار قرطبة بالجزائر العاصمة، كيف بدأت أولى خطوات هذا البحث، وكم كلفك من جهد ووقت للاطلاع على المصادر القديمة والحديثة خاصة وأن مجال الدراسة يشمل شتات الأندلسيين في الجزائر وفي بقية العالم أيضا؟

هذا الكِتاب هو استمرار لاهتماماتي السابقة، بدءًا بيهود الجزائر وعلاقاتهم بموسيقانا “يهود الجزائر مجالس الغناء والطرب” فكِتابي حول تاريخ الغناء الحضري الأندلسي في الجزائر “صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الأندلسي…” إلى “قصبة الجزائر، الذاكرة، الحاضر والخواطر”.

“الشَّتاتُ الأندلسيُّ في الجزائر والعالَم” استغرق إنجازُه، بعْد رحيلي عن الجزائر، 13 عاما وفي ظروف لم تَكُنْ دائمًا مُلائِمةً بل كانت بعضُ مراحل إنجازِ هذا الكتاب صعبةً بِجميع المقاييس وجِدَّ قاسية.

وقد سعدتُ جدًّا بالأصداء وردود الأفعال المستحسِنة له، وتلقيتُ تهاني مباشرة وعبْر الوسطاء من باحثين متخصِّصين في هذا المجال مُعترَف لهم دوليًا كالمؤرخ التونسي الكبير والرائد في الدراسات الأندلسية عبد الجليل التميمي، ومن شخصيات كوزير الشؤون الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي ومن رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس الذي اتَّصل بي خصِّيصًا لتهنئتي، وهو بالمناسبة قارئٌ نَهْم محِبٌّ للأدب والشِّعر والتاريخ، وقال لي إنه عندما بدأ بقراءة هذا الكِتاب وَجدَ صعوبةً في التوقُّف والنّوم لشدة ما شدَّه المضمون إلى الاستمرار في القراءة ولَمْ يَنَمْ حتى أكْمَلَ ما يفوق الخمسين صفحة.

وتَمنيتُ أن يقرأه المؤرخ المغربي الكبير بن عزوز الحكيم، وهو من أبرز المتخصصين في المغرب في هذا المجال وهو ينحَدِر من أصلٍ أندلسي، لكن المَنِيَّةَ وَافَتْهُ رحمه الله قبْل صُدور كِتابي الذي كنْتُ قد تحادثتُ معه بشأنِه واستشرْتُه في بعض القضايا الأندلسية سنة 2008م أو 2009م إن لم تَخُنِّي الذاكرة.

 

 

  • خصصت في كتابك هذا الكلام عن أندلسيي تونس، ماذا يمكن للأستاذ أن يوضحه للقراء والمهتمين عن الفرق بين الوجود الأندلسي في كل من الجزائر وتونس، وعن مدى التأثير في كل من البلدين والمجتمعين؟

الوجود الأندلسي في الجزائر وتونس والمغرب ومؤثراته ودوره في تَطَوُّر هذه البلدان الثلاثة متقارب كثيرا ومتكافئ، وغير صحيح أن هذا البلد أكثر “أندلسيةً” من ذاك. هذه مجرد مزايدات بدوافع متعددة. التأثيرات متقاربة جدا ديمغرافيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا بتباينات طفيفة وتفاصيل مرتبطة بالظروف التاريخية لكل بلد.

 

  • الموسيقى الأندلسية هل تعرضت للشتات كأهلها أم أن الكاتب فوزي سعد الله يرى أنها لا تزال تحافظ على أصالتها وقوانينها القديمة؟

المنحدِرون من الأندلس اندمجوا وذابوا في المجتمع الجزائري وفي غيره من المجتمعات التي احتضنتْهم، بما في ذلك المجتمعات الغربية والأمريكية الشمالية والجنوبية، رغم احتفاظ النُّخب منهم ببعض العادات والتقاليد الاجتماعية الخاصة بهم المحتَفَظ بها منذ الرحيل والطرد من الأندلس.

وفي الكثير من الأحيان هذا التشبث بالتقاليد يتمّ بِشكل تلقائي غير واعٍ بالخصوصية الأندلسية لِهذه التَّقاليد. كذلك الأمر بالنسبة للموسيقى الأندلسية التي أصبحتْ جزائريةً تُمارَس في كل الجزائر ومِن طرف كل فئات الجزائريين، وأُضِيفَتْ لها لَمَسَات عميقة محلية فأصبحتْ بالتالي جزائريةً عكْسَ ما يقوله البعضُ بِشأنها مُعتبِرين إيَّاها، بِذهنيةٍ مُغالِية في القومية والعصبية وحتى القبلية، إرْثًا أجنبيًا.

 

  • ختاما، نحبر عبارات الشكر والتقدير لهذا الحوار الجميل مع الأستاذ والمؤرخ فوزي سعد الله، ونود أن نعرف ويعرف القراء ملامح لقادم الأعمال والأنشطة البحثية سواء في ميدان التاريخ أو العمران أو الموسيقى؟

أشْكُرك وأشْكُر جميعَ القراء. بدأتُ الاشتغالَ على مشروع روايتيْن، لكن فنَّ الطَّبخ في العالَم الإسلامي استَحْوَذَ على اهتمامي ووَقْتِي، فأنا مُنْهَمِكٌ في التنَقُّل بين مطابِخ الخلفاء والملوك والأمراء والأعيان المسلمين وحتى في بيوت عامَّة الناس والفُقراء، أُدَقِّقُ في أطْباقِهم وأتفَحَّص صِينِياتِهم وخِوانِهم وأتحسَّس روائح توابلهم واقتفي آثارَ هذه الطَّيِّبات عبْر القرون والعصور على الموائد كل المجتمعات الإسلامية: مِن الأُويْغُور الصِّينيِّين حتى مُسْلِمِي الأندلس وجنوب فرنسا وإيطاليا والبلقان وأوروبا الوسطى ومسلمي إفريقيا ما وراء الصحراء والقرن الإفريقي. الأمرُ فِعْلاً مثيرٌ للشَّهية ومُسيلٌ للُّعاب ومُذْهبٌ للعقول، لكن الوضْعَ تحت السيطرة، لأنني لَسْتُ بِالنَّهم الأَكُول فأنا سَيِّد بَطْنِي مُتشبِّثٌ بِتغليب العقل ولا استسلم لإغراءات الفضول.

https://meemmagazine.net

شوهد المقال 122 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي ـ أول نوفمبر 2018 " النوفمبريين المجاهدين والشهداء " المخيال المجروح !

  يسين بوغازي   منذ  طفولتي ، وعلى  ما ترعرعت عليه هواجسي  الثقافية  الوطنية  الأولى ، أيام الكشافة والشبيبة الجزائرية إلى تلك الأخرى ،
image

الأديان في زمن المقدّس المستنفَر مع عالم الأديان عزالدين عناية حاوره عبد النور شرقي 2\2

حاوره عبدالنور شرقي     11- حول دور الأنتلجانسيا ومسؤوليتها في المجتمع يدور الجدل بشكل واسع، وقد قمت بتصنيف هذه الفئة إلى ثلاثة مستويات:
image

عدي العبادي ـ الواقعية والابداع في المجموعة القصصية اثر بعيد للقاص عدنان القريشي

عدي العبادي                              تحلينا قراءة أي نص على معرفة انطلاقيه الكاتب في كتابته او
image

سيمون عيلوطي ـ مجمع اللغة العربيَّة يطلق مشروع "مهارات الكتابة العلميَّة"

من سيمون عيلوطي، المنسق الإعلاميّ في المجمع: في إطار "عام اللغة العربيَّة" الذي دعا إليه مجمع اللغة العربيّة في الناصرة، بالتّعاون مع المؤسَّسات والجمعيّات
image

علاء الأديب ـ لاتنكروا بغداد فهي ملاذكم

علاء الأديب رداً على (أخوة يوسف) الّذين اعترضوا على أن تكون بغداد عاصمة للثقافة العربيّة:         بغداد تهزجُ.. للربيعِ تصفّقُ.. حيث الربيع على
image

خميس قلم ـ الموغل في الجمال .. إلى كل من يعرف حمادي الهاشمي

خميس قلم  ليس غريبا أن يخطر حمادي الهاشمي في ضمائر أصدقائه في عمان و الإمارات وفي هذا الوقت؛ فهذا موسم هجرته لدفئه الذي هو بردنا..) ما
image

حسين منصور الحرز ـ قلبٌ بلا شاطئٍ يرسو بدفَتِهِ

حسين منصور الحرز                  أبيتُ ليلاً بأحلامٍ تُؤرقُنيفلم أر نبضَ إشراقٍ إلى فلقِو أسهرُ الليل في حزنٍ يقلبُنييحوي التجاعيدَ في إطلالةِ القلقِقلبٌ بلا شاطئٍ يرسو بدفَتِهِيتيهُ في
image

عبد الزهرة زكي ـ قامعون ومقموعون

عبد الزهرة زكيليس ثمة ما هو أسوأ من محاكمة ومعاقبة إنسان على رأي أو فكرة يقول بها أو قصيدة يكتبها.الحياة وتقدّم البشرية كانا دائماً مجالاً
image

فضيل بوماله ـ في الميزان ! بين محمد تامالت وجمال الخاشقجي رحمة الله عليهما

 فضيل بوماله  لقي الصحفي السجين محمد تامالت حتفه داخل وطنه،الجزائر، وسرعان ما طوي الملف دونما إعلان عن نتائج أي تحقيق. وتمت تصفية الصحفي السعودي بتركيا
image

يسين بوغازي ـ الرئيس الجديد وجراح الشرعية البرلمانية الجزائري

يسين بوغازي   مثلما كان منتظرا، تقدمت عقارب ساعات النواب الموقعين على عجل، للتذكير على وثيقة سحب الثقة المثيرة للجدل ! والتي وصفت من الجميع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats