الرئيسية | الوطن الثقافي | عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. عبد العزيز بوباكير

 

في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة 1869 ببور سعيد، أثناء مراسيم تدشين قناة السويس. الصورة تظهر، رغم تشوّشها، ملامح الأمير عبد القادر واقفا، مع حاكم مصر الخديوي إسماعيل، والمغامر الفرنسي فرديناند دوليسيبس، صاحب مشروع حفر قناة السويس، وبطل داغستان والشيشان الإمام محمد عبد القادر شامل وآخرين. ووسمت هذه الصورة لحظة تاريخية تحيلنا إلى عصر مفعم بالبطولات والأمجاد والمحن والشدائد في آن واحد. والصورة ترمز، أيضا، إلى صداقة ممتدة في الزمان، والى مصير مشترك جمع بين رجلين استثنائيين، هما الأمير عبد القادر والإمام شامل. وتذكرنا الصورة بما قاله الماريشال سُولت سنة 1840:" لا يوجد الآن أحد في العالم يستحق أن يلقّب بالأكبر إلا ثلاثة رجال، كلّهم مسلمون، وهم الأمير عبد القادر الجزائري، ومحمد علي باشا، والشيخ شامل الداغستاني". والصورة خلّدت الأمير قبل رحيله بأربع سنوات، والإمام شامل قبل موته بسنتين.
هذا عن الصورة. أما عن الصداقة بين المجاهدين الثائرين الإسلاميين، فتعود إلى 1860، حين نجح الأمير في إخماد لهيب الفتنة الطائفية، التي كادت أن تعصف بحياة آلاف المسيحيين في سوريا ولبنان، والتي أذكتها مؤامرات القوى الأوربية ودسائس الباشا أحمد للإيقاع بين الموارنة والدروز، وتقاعس السلطات التركية.
في جويلية من تلك السنة كتب الإمام شامل، من منفاه البعيد بروسيا، خطابا إلى الأمير عبد القادر، يتحدث إليه فيه بأسمى عبارات الود والامتنان، ويصفه بالصديق المخلص الحقيقي العادل، ويذكر له إعجابه بسلوكه الفذ ومأثرة الرفيعة. ووقّع شامل رسالته "بنكد الحظ، الذي وقع في أيدي الكفار".
وردّ الأمير عبد القادر على خطاب شامل برسالة مفعمة بعميق الاحترام وصدق المشاعر، يشرح له فيها دوافع العمل، الذي قام به، ويتمنى أن يسمح له قيصر روسيا بزيارة البقاع المقدسة.
يقول الإمام شامل في خطابه إلى الأمير:
"إلى الذي أصبح معروفا لدى جميع الطبقات العليا والدنيا، والذي يقف متميزا عن جميع الرجال بمميزاته العديدة، والذي أطفأ نار الفتنة قبل أن تمد ألسنتها، والذي اجتثّ شجرة العداوة، التي لم تكن ثمرتها في الواقع سوى رأس الشيطان، الحمد لله الذي كسا خادمه بالقوة والإيمان، ونعني بذلك الصديق المخلص الحقيقي عبد القادر العادل، السلام عليكم، وجعل الله شجرة الشرف والجدارة دائما مثمرة في شخصكم، اعلموا إنني عندما سمعت بما تمجّه الآذان وترفضه الطبيعة الإنسانية، وأنا أشير بهذا إلى الحوادث التي وقعت أخيرا بين المسلمين والمسيحيين، حيث أظهر الاوّلون سلوكات غير جديرة بعلماء الإسلام، ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى كل نوع من أنواع التطرف، يمدّد أمامي شريط الأحداث، التي صار بها وجهي، المعروف بالهدوء والاطمئنان، مغطى بغشاوة من الحزن، فصرخت في نفسي:" يا لله إن الشيطان في البر والبحر نتيجة الشر والضلالة الكائنة في الإنسان"... لقد استغربت من عمى المسؤولين الذين انساقوا وراء هذا العمل، ناسين كلمات النبي صلى الله عليه وسلم ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه حقه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة".
بعد هذه الرسالة تدخل الأمير عبد القادر لإطلاق سراح شامل لدى نابوليون الثالث وقيصر روسيا، وتمّ ذلك، وذهب شامل إلى البقاع المقدسة، وتوفي بالمدينة المنوّرة سنة 1871، وهو مدفون هناك.
وتشاء المصادفات أن يلتقي الأمير والإمام مرتين المرة. الأولى بحيّ العمارة بدمشق، أما الثانية فكانت في بور سعيد حين حضرا الطور الأخير من شق قناة السويس. وقد أخطأ الشيخ بوعمران بقوله إنهما لم يلتقيا ولم تكن بينهما مراسلة، واخطأ بوعلام بسايح لما يؤكد في كتابه "من الأمير عبد القادر إلى الإمام شامل" أنهما التقيا مرة واحدة فقط.
وما عدا هذه المراسلة التي أوردها ابن الأمير عبد القادر في كتابه "تحفة الزائر"، وهذه الصورة النادرة المنشورة في كتاب ليسلي بلانش، لم يحفظ لنا التاريخ شيئا عما دار بين البطلين من حديث أو ذكريات. هل تحدثا عن محاربتهما للطغيان فيما خلا من أيام؟ أم عن عزلتهما الحاضرة التي لا تضاهيها سوى عزلة الأبطال؟ أم أنهما رنوا إلى مستقبل تكتنفه الشكوك والاخطار؟ ولعل الرجلين، كما يقول مرزاق بقطاش، "انطويا على بعض معاني الجدّة والتجديد، وأحسّا بضرورة أن ينظر العالم الإسلامي نظرة ملؤها القوة والمنعة إلى ذاته والى العالم المحيط به"

 

شوهد المقال 1533 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

توضيح للرأي العام من الدكتور ناصر جابي ومنع رئيس جامعة باتنة له من تقديم محاضرته

د.ناصر جابي أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم معي، بعد منع محاضرتي في جامعة باتنة. من قبل رئيسها الذي يصر في تصريحه الأخير للشروق
image

بادية شكاط ـ إلا رسول الله يارُسل أمريكا

بادية شكاط  يبدو أنّ ماقاله السفير الإماراتي في واشنطن،بأنّ دول الخليج العربي ستتحول إلى العلمانية في غضون سنوات،نراه اليوم رأي العين،وهو يمشي ليس على
image

محمد مصطفى حابس ـ بعد تكريم مفسر القرآن للأمازيغية، هل آن الأوان لتكريم الامازيغي سيد اللغة العربية عالميا العلامة واللغوي الدكتور مازن المبارك

محمد مصطفى حابس فيما أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، هذا السبت بالجزائر العاصمة، بأول إصدار في تفسير القرآن الكريم باللغة الأمازيغية للشيخ سي حاج
image

نعمان عبد الغني ـ التميز في الأداء الإداري لأكاديميات كرة القدم ....شرط النجاح

نعمان عبد الغني * إن نجاح الإدارة , في كل من المؤسسات التربوية , والمنظمات أو الهيئات الرياضية , إنما يعود سببه إلى تقدم
image

حيدوسي رابح ـ قبل الميلاد

 حيدوسي رابح ـ  الجزائر          الموت مؤجل والميلاد سلالم . لموتك اينعت في اديم الروح ازهار ترش الألواح بعطرها .. الريح تذروه
image

محمد محمد علي جنيدي – بصائر سابحة

محمد محمد علي جنيدي – مصر يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما
image

اليزيد قنيفي ـ عنصرية قاتلة..!!

اليزيد قنيفي  ما عبر عنه رسام الكاريكاتير "ديلام "في صحيفة "ليبارتي " مخجل ومؤسف ولا يمت بأية صلة لحرية الرأي والتعبير ،لأنّ هذا الرسم مُحمل
image

وليد بوعديلة ـ أصل الامازيغ..تاريخ الكنعانيين وتراثهم

د.وليد بوعديلة  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليه..تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم  تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح مع ذاتها وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا
image

نعمان عبد الغني ـ الفساد الرياضي

نعمان عبد الغني وضعت إمبراطورية كرة القدم في العالم لجنة معنية بالأخلاق مهمتها التحقيق في أي أمر مرتبط بالفساد الرياضي. ـ وفي العالم شطبت نتائج وهبطت أندية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats