الرئيسية | الوطن الثقافي | باسم سليمان ـ حراسُ الحقيقة وحراس الشّك

باسم سليمان ـ حراسُ الحقيقة وحراس الشّك

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

باسم سليمان

 

إنّ مفهوم المثقّف الطوباوبي وفق " بنادا " أو العضوي وفق "غرامشي" قد اسقطتهم حركة 1968 حتى أنّ سارتر صاحب الوجودية أعلن الاستقالة من دور المثقّف الطليعي أو حارس الحقيقة، وتابع دريدا وفوكو، تفكيك هذه المنظومة؛ فانهارت الحداثة بالضربة القاضية، وأنتج هذا السقوط ثقافات المابعدحداثية التي تعتني بالتفاصيل والهامش والأنساق ذات الطبيعة المتحوّلة.
لم يعد أحد قادراً على أن يمارس سلطة الخطابة والكتابة كمقابل لسلطة السياسة أو رأس المال، لقد أصبح المثقف عاملًا في الحقل الوجودي للإنسان، بقدر ما يشتغل على فهم الوجود، يشتغل على نقد ذاته. المثقف الغربي يعي تمامًا أنّه في إطار مهنة اجتماعية/ ذاتية .. لم تعد الرؤيوية أو النبوة من مقتضيات الثقافة ..ورامبو معبود الحداثيين يُقرأ كتراث له ظرفه ونشأته حتى تنويرية فولتير وفكر لوك السياسي نالها النصيب ذاته من التراثية .. استطاع فوكو أن يخلّص الجنون مما علق به من تهويمات العقلانية الماورائية ومع ذلك يبدو أن ما حدث بأوروبا بقي خاصّا بها كما في كل دول العالم الذي يعتبر متقدمًا.. أمّا نحن مازلنا نعيد اِنتاج ما أثبت فشله، فالمثقف لدينا هو وريث السياسي المؤدلج، يعتقد المثقف لدينا أنّه حارس الحقيقة والأخلاق وعالم الغيب والشهادة والمادي وما وراء المادي، يبث ذلك في كل شيء وكأنّه عاد من طور سنين يحمل ألواح الوصايا.
كُتاب تخلّوا عن القراءة، وتركوا مساءلة الفكر والفكرة لديهم، كُتاب أهم ما يقرؤونه صادر عن مؤسسات الدولة أو منظمة لنشر الثقافة تأخذ دعمها من سلطات تقليدية وهؤلاء الكتّاب ينتجون للقارئ الذي أصبح فعل التلقي القرائي لديه موافقًا لفعل التلقي الصادر عن الميديا!؟ ومن ثم يبدأ هؤلاء الكتّاب بالنواح على حال الثقافة .. للواقع لا يحق للذي هو خارج مفهوم الثقافة كحالة تطورية لا تهدأ أن يبكي عليها .. نطالب باستقالة السياسي عندما يُخطئ بالشأن العام وما حال المثقف المشغول بالشأن العام عندما يخطئ!؟؛ لماذا لا يستقيل!؟ لماذا لا يخرج القرّاء بمظاهرة تطالب بإسقاط هذا الكاتب!؟ الكاتب الذي يهاجم السلطة السياسية ليستبدلها بسلطته! ماذا لو خرجت مظاهرة من القراء تحرق كتبه وصوره ألا يفتح نار قلمه عليهم، طبعا لن يفتح نار بندقية لأنّه لا يملكها، لكن يملك ما هو أقسى؛ القدرة على تأصيل الجهل. السلطة السياسية تقتل الجسد فيما الكاتب/ المثقف يقتل الروح. 
المثقف الحقيقي هو حارس الشك والشك الأهم في أفكاره.

 

شوهد المقال 1538 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد حمادة ـ المنطقة الآمنة المقترحة شمال شرق سورية..

العقيد أحمد حمادة *  منذ عام 2014 أرادت تركيا إنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية على غرارمنطقة شمال العراق التي أقامت فيها الولايات المتحدة والتحالف
image

شكري الهزَّيل ـ البطيخ العَّجر : تهافت العملاء على فتات الكنيست الصهيوني!!

د.شكري الهزَّيل تعج المواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعية العربية والفلسطينية باخبار ادانة وشجب المُطبعين العرب مع الكيان الغاصب وهؤلاء الفاشلون والباحثون عن الشهرة الرخيصة
image

توضيح للرأي العام من الدكتور ناصر جابي ومنع رئيس جامعة باتنة له من تقديم محاضرته

د.ناصر جابي أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم معي، بعد منع محاضرتي في جامعة باتنة. من قبل رئيسها الذي يصر في تصريحه الأخير للشروق
image

بادية شكاط ـ إلا رسول الله يارُسل أمريكا

بادية شكاط  يبدو أنّ ماقاله السفير الإماراتي في واشنطن،بأنّ دول الخليج العربي ستتحول إلى العلمانية في غضون سنوات،نراه اليوم رأي العين،وهو يمشي ليس على
image

محمد مصطفى حابس ـ بعد تكريم مفسر القرآن للأمازيغية، هل آن الأوان لتكريم الامازيغي سيد اللغة العربية عالميا العلامة واللغوي الدكتور مازن المبارك

محمد مصطفى حابس فيما أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، هذا السبت بالجزائر العاصمة، بأول إصدار في تفسير القرآن الكريم باللغة الأمازيغية للشيخ سي حاج
image

نعمان عبد الغني ـ التميز في الأداء الإداري لأكاديميات كرة القدم ....شرط النجاح

نعمان عبد الغني * إن نجاح الإدارة , في كل من المؤسسات التربوية , والمنظمات أو الهيئات الرياضية , إنما يعود سببه إلى تقدم
image

حيدوسي رابح ـ قبل الميلاد

 حيدوسي رابح ـ  الجزائر          الموت مؤجل والميلاد سلالم . لموتك اينعت في اديم الروح ازهار ترش الألواح بعطرها .. الريح تذروه
image

محمد محمد علي جنيدي – بصائر سابحة

محمد محمد علي جنيدي – مصر يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما
image

اليزيد قنيفي ـ عنصرية قاتلة..!!

اليزيد قنيفي  ما عبر عنه رسام الكاريكاتير "ديلام "في صحيفة "ليبارتي " مخجل ومؤسف ولا يمت بأية صلة لحرية الرأي والتعبير ،لأنّ هذا الرسم مُحمل
image

وليد بوعديلة ـ أصل الامازيغ..تاريخ الكنعانيين وتراثهم

د.وليد بوعديلة  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليه..تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم  تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح مع ذاتها وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats