الرئيسية | الوطن الثقافي | مذكرات الشادلي بن جديد، حضور الثورة والتراث الشعبي

مذكرات الشادلي بن جديد، حضور الثورة والتراث الشعبي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. وليد بوعديلة*
 
تعتبر الكتابة أمانة كبيرة بالمفهوم التاريخي والأخلاقي والمعرفي، كما أنها تختصر وتصور مشاعر الكاتب وأفكاره، و تنقل تفاعلاته مع أمته وتجاربها المختلفة في الماضي والحاضر وأشواقها للمستقبل، ولا تغيب الذاتية هنا ومن ثمة وجب التفريق بين الكاتب للمذكرات والمؤرخ.
أما كاتب المذكرات فهو الناقل لمحطات حياته ومسارات انتقاله بين الأمكنة والأزمنة، وقد تتقاطع المسارات الشخصية مع المسارات العامة، فهو يصف الأحداث ويعلق عليها ، عايشها أو شاهدها، فنقرأ عنده أخبارا ومعلومات عن مجتمعه أو منطقته الجغرافية والثقافية، وهنا يحضر الميل الشخصي والعاطفة الوجدانية، وكتابة المذكرات نوع من أنواع الكتابة التاريخية وهو مرتبط بالسيرة الذاتية، بمعنى نجد موضوعية التاريخ وذاتية السيرة.
والكتابة السياسية للتاريخ تحرك بين الهوى والعقل او الموضوعية والذاتية،و هي قد تتضمن الحقيقة والصدق لكن قلب الباحث التاريخي لا يطمئن كثيرا لها،فالمؤرخون يقتربون من أدب لمذكرات ثم يبتعدون بحتا عن مصادر أخرى أكثر قيمة تاريخية مثل الوثائق والتسجيلات الصوتية البصرية للحدث .
ولا غرابة أن يتخذ الكاتب السياسي الفرنسي مثلا المواقف التي تخالف الحقائق التاريخية للوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر وممارساته ضد الأهالي ومحاولاته طمس الذاكرة والدين وكل ما هو جزائري التربة والقيم،و هنا نفتح سؤال المطالبة الجزائرية الشعبية أو الرسمية لاعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية،” …
– ذاكرة الثورة، حــضور الـــــثورة في المذكرات:
توقفت مذكرات ارئيس الراحل الشاذلي بن جديد عند بعض المحطات الثورية التي ساهم الشاذلي فيها او كان شاهدا عليها،بالإضافة إلى أحداث وقعت في مختلف أرجاء الوطن،تأثرت بها المنطقة الشرقية بطريقة أو أخرى،فبع الفصل الخاص بنشأة الوعي السياسي(45-1954) يأتي الفصل المعنون بسنوات اللهب(54-1956)، ويبدأ هكذا:”عام 55 كان سنة الحسم بالنسبة إلي،ففي الربع الأول منه انتقلت شخصيا من معايشة الظاهرة الاستعمارية ومظالمها إلى محاربتها بحد السلاح،و لا شك أن ذلك الاختيار لم يكن سهلا،بل كان مصحوبا بكثير من القلق والتردد والحيرة،”،ثم يسترسل في تقديم الأحداث التي وقعت له في الجبل ،ومختلف المسؤوليات التي كلف بها،فقد عينه مسؤول الناحية شويشي العياشي نائبا لقائد فوج ثم قائدا للفوج….
وكانت البدايات صعبة على الرجل وعلى الثورة أيضا، وكانت الشهور الأول مخصصة لإقناع سكان الأرياف بأهداف الثورة، والتعريف بالمجاهدين الذين وصفتهم فرنسا بقطاع الطرق.
و من الصعوبات الميدانية التي واجهت الثورة وتحدث عنها الشاذلي:
1-انعدام التدريب.
2—غياب السلاح، وإن وجد فاغلب المجاهدين لا يحسن استعماله ومعظم الأسلحة هي بنادق صيد أو أسلحة يدوية تعود إلى الحرب العالمية الثانية.
و لتجاز إشكالية السلاح تم أخذ الأسلحة من عند المواطنين وتشجيع المجندين في الجيش الفرنسي على الفرار بأسلحتهم من الثكنات.
و في هذا الإطار لم يتحدث الشاذلي عن ظروف نقل السلاح من تونس، ولم يتوسع في مصادر الأسلحة، و التاريخ الخاص بالتسليح يقول بان نقل السلاح من تونس كان يتم في ظروف صعبة جدا عبر القوافل ،فيحمل الجنود الأثقال الكبيرة، كما تنقل البغال القنابل وأنواع المدافع والرشاشات والألغام… وقد تستمر رحلة القافلة لشهور قبل أن تصل إلى منطقة ما، كما كان الجزائريون في الخراج يساهمون في شراء الأسلحة، و جاءت بعض البواخر من مصر بالدعم، وكل هذا النشاط كان مهددا من الاستعلامات الفرنسية، لذلك هنالك بعض السفن تم حجزها…
وتذكر مذكرات الشاذلي أن أمر للمؤنة كان سهلا، لأن أهل الريف تقاسموا المأكل والمبيت مع المجاهدين، مع أخذ الحذر، فلا يمكن حسب الشاذلي المكوث أكثر من ثلاثة أيام عن السكان خوفا من اكتشاف أمرهم وخشية تعريض حياة السكان للخطر.
وظهرت بسبب تباين القوة العسكرية حر العصابات كحل استراتيجي لاختراق العدو الفرنسي، تقول المذكرات:”كان التكتيك الذي اعتمده بوقلاز هو تشكيل أفواج صغيرة العدد، سريعة الحركة،تتجنب قدر الإمكان مواجهة العدو وتركز نشاطها أساسا على عنصر المفاجئة والكر والفر،لذلك كنا في الغالب نستهدف مواكب التموين العسكرية بالقرب من بلدة السبعة،كنا ننظم كمائن بين بلاندان والطارف،وقد كبدنا العدو في العديد من المرات خسائر فادحة في الأرواح ،فكان يضطر لجلي صهاريج مياه لغسل الدماء…هكذا نجحنا من الناحية السيكولوجية على الأقل في إشعار العدو بأنه لم يعد هو سيد الموقف.”
و يعترف الشاذلي ببعض الأخطاء التي وقعت في الثورة، ويتحدث عن الاختلافات في الأفكار بين القادة،خاصة سنة1955 ، حيث “دخل الاوراس في دوامة الصراعات العصبية وتصفية حسابات بين الإخوة الأشقاء، كان لها انعكاسات سلبية على الولاية الأولى،وحتى علينا في القالة وسوق أهراس، التي عرفت حالة من الفوضى وانعدام الثقة إلى درجة أن الجنود أصبحوا يفرون بأسلحتهم إلى مناطقهم، ولهذا السبب لم نعد نسلم الأسلحة الآلية إلا إلى الجنود الذين نثق فيهم ،كنت آنذاك مسؤولا في ناحية عين الكرمة”.
هنا نعود إلى مسألة هامة ، هي أن الثورة فعل بشري، وهي معرضة للخطأ والوقوع في الفعل السلبي، ولا يمكن لخطاب القداسة أن يغطي الحقيقة التاريخية، ويجب تقديم التاريخ للأجيال كما هو من دون تحريف بالزيادة أو النقصان.
ويخصص المجاهد الشاذلي صفحات ليعرف القارئ بالقائد العسكري المدعو بوقلاز،معترفا بأنه”سياسي محنك ومنظم بارع وقائد عسكري لامع”، ويضيف”كان يمتاز بالذكاء والحنكة والصرامة، ويتمتع بقدرة نادرة على التجنيد والتنظيم”)، و تتحدث المذكرات عن قيادته للعمليات في القالة وسوق أهراس وجمعه التبرعات وشراء الأسلحة من تونس.
يتوقف كاتب المذكرات عند الصراعات في ناحية سوق اهراس سنة 1955، والتي وصلت حد الاقتتال، وتحول بعض المسؤولين إلى أسياد حرب ، وانعكس هذا على قدرات جيش التحرير، ومن نتائج الاقتتال وفاة جبار عمر أحد أبرز قادة سوق أهراس في ظروف غامضة.
ومن أسباب فشل محاولات عمارة بوقلاز تنظيم ناحية سوق أهراس يذكر الشاذلي:
-1-تضارب الرؤى حول الأهداف.
-2-الخلافات حول مسائل الانضباط ومعايير تولي المسؤولية.
-3-احتدام الصراع حول الزعامة لاعتبارات عصبية وعشائرية.
وتعتبر المحطات الثورية في لاندان والزيتونة والقالة من أبرز المحطات التي توسع فيها الشاذلي لأنه عايشها،، و يكشف الصراع مع القومية وحقدهم على المجاهدين،كما يتحدث عن إصابته بطلقات بارجة بحرية فرنسية قرب شواطئ القلة، أثناء انتظار المجاهدين لسفينة محملة بالسلاح، وتستمر الصفحات الثورية، ونقرأ حديثا عن مؤتمر الصومام وغياب منطقة سوق أهراس عنه، وحديثا عن وإنشاء القاعدة الشرقية(1956-1958).
يتحدث الشاذلي عن رفضه مع بعض المجاهدين للقرارات القيادة الثورية فاعبروا خارجين عن القانون ورفضت لجنة التنسيق والتنفيذ مساعدتهم ماديا وعسكريا فضرب عليهم الحصار واضطر سكان المناطق الحدودية إلى النزوح لتونس.
هي محطات هامة لم تقدم للأجيال ، ونحن نحتاج إلى شهادات أخرى للاقتراب أكثر من الحدث الثوري، نحتاج إلى كتابة وتدوين كل الشهادات من الذين صنعوا الحدث أو عايشوه، باستعمال الوسائل المختلة الكتابية والبصرية والصوتية. ويمكن ان نعتبر المذكرات مصدرا هاما للمعلومات حول المنطقة الشرقية و تنظيم قيادتها وفيالقها وكتائبها، ولعل ابر نشاط لها هو تزويد الناحية الثالثة والرابعة بقوافل الذخيرة والأدوية.
لقد ألف الباحث رابح لونسي كتاب عن الشاذلي بعد زمن الوفاة بقليل وضمنه مقالة عن المذكرات، وتوقف عند صورة المنطقة الشرقية، يقول”دفاعه عن القاعدة الشرقية أثناء الثورة يعود إلى النقاش الذي طرح آنذاك ومازال إلى حد اليوم حول هذه القاعدة التي فرضها مجاهدو المنطقة فرضا على قيادات الثورة، وما هي في الحقيقة إلا انفصالا عن كل الشمال القسنطيني و الأوراس لدوافع سلطوية بحثه في قراءة البعض من المعارضين لهذه القاعدة الشرقية، وبالطبع العامل والنزعة الجهوية موجودة بقوة في أغلب مذكرات المجاهدين، ومنها مذكرات الشاذلي ،فكل طرف يسعى لإبراز دور منطقته على حساب المناطق الأخرى.”.
وقد قد م الشاذلي بعض الأحداث من منظوره الشخصي وتعامله الذاتي مع الموقف والواقعة، ونرى بان المذكرات على العموم تقدم صورة صاحبها وهي تنبض بالعاطفة ، بل أساسها عاطفي، وبالتأكيد أن رؤية المؤرخ للوقائع تكون مختلفة ومؤسسة على الموضوعية واعتماد الوثائق والشهادات والمقارنات ومختلف المصادر التاريخية المعتمدة في البحث العلمي التاريخي.
ومن الاختلافات في تقديم الصورة الثورية والموقف منها نذكر ما قد يقع من اختلافات مع الشاذلي حول قناعاته من مؤامرة العقداء، مقتل عبان رمضان،دور الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في الثورة،فبالنسبة لهؤلاء الضباط فالشاذلي كان رافضا لتغيير حرب العصابات بتكوين جيش عصري مدرب لان الشكوك حامت حول واضع خطة تأسيس جيش لا يعتمد حرب العصابات كما حامت حوا من يطبقها وهو الفارون من الجيش الفرنسي.
تقترح المذكرات علينا بعض مشاهد معاملة الأسرى الفرنسيين، وقد خصص لذلك خمس صفحات، كما تحدث عن تسليمهم للصليب الأحمر من دون تعذيبهم.
في الفصل السادس يتحدث الشاذلي عن هيئة الأركان العامكة1958-1959، وفيه شهادات عن الفوضى داخل وحدات الحدود الشرقية، ومحاولات التنظيم فيهان وخصص الشاذلي صفحات عن المجاهد عبد الرحمان بن سالم والشهيد أحمد ترخوش، وعملية دفن المفكر المناضل فرانز فانون.
كما توقف عند تواجد بومدين في غار الدماء بعد تنصيبه على رأس قيادة الأركان في النصف الأول من سنة1960، ويقدم الكاتب رؤية بومدين للضباط الفارين ،أي الاعتماد على قدرتهم في التنظيم والتدريب وصياغة الخطط الحربية و مزجها باستعداد المجاهدين للتضحية والقتال.
تلك هي المحطات التي تتوقف عندها المذكرات من ذاكرة الثورة الجزائرية، ونحن نترقب كتابات أخرى لصناع الحدث الثوري، كمن نحتاج لكتابات تقدم التاريخ الثقافي والسياسي للمنطقة (منطقة الطارف وسوق اهراس )، و هو ما يحضر في بعض المراجع و المصادر، ومنها ما هو فرنسي، فقد ألف النقيب فرديناد هيقونيت كتاب “ذكريات رئيس مكتب عربي”عام1858، عندما شغل منصب رئيس مكتب القالة ، وسجل ذكرياته المتعلقة بعادات المنطقة والتجاوزات ضد الأهالي.
– ثورة الذاكرة،حضور الراث الشعبي في المذكرات:
ما إن بدأتُ بقراءة مذكّرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد (الجزء الأول) حتى وجدت نفسي تتبع الصفحات وتلاحق حكايات الرجل وتاريخه وتاريخ عائلته بالطارف، وقد اتّضح للقراءة الحضور الكبير للتراث الثقافي الجزائري في المذكّرات.
ويتخذ التراث أهمية كبيرة في الشأن السياسي والاجتماعي للأمم، و تشكل الذاكرة الشعبية حضور بارزا في المذكرات لتتحول إلى نوع من الذاكرة الثائرة التي صنع التمسك بها نوعا من أنواع المقاومة الجزائرية للمستعمر، نعني هنا المقاومة الروحية والثقافية للوجود الفرنسي ، ومن ثمة كانت الذاكرة-التراث الشعبي هوية نصية في مذكّرات الشاذلي، فهي خافقة بالحضور التراثي، خاصة في الفصل الخاص بالأصول والطفولة، حيث يتوقّف الكاتب عند الكثير من علامات الذاكرة والأرض، ويرحل بالقارئ في عمق تراب الطارف (وتحديدا قرية السبعة).
فنكتشف حنين الرجل إلى ماء القرية ورائحة الأجداد وأصوات الفروسية، بل ينطلق انطلاقة المعتز بالهوية، حين يقول”أنا أمازيغي عرّبني الإسلام. هذه المقولة لعبد الحميد ابن باديس تمثّل بالنسبة إليّ حقيقة آمنت بها، وحدّدت هويتي وانتمائي، وحتى مكانتي كجزائري في هذا العالم”. وتبدأ متعة القارىء في تتبّع العوالم التراثية للكاتب-الرئيس منذ زمن الطفولة، فتقدّم المذكّرات تاريخ عرش الجدايدية، بالإضافة إلى هجرات متتالية لعشيرة الكاتب من اليمن إلى ليبيا وتونس والجزائر، ويلتفت الشاذلي إلى تراث ابن خلدون وحديثه عن رحلات القبائل العربية.
تكشف المذكّرات أهمية وسلطة شيخ العشيرة في التاريخ الجزائري، فهو صاحب السلطة الدينية والدنيوية، إليه الفصل في كل اختلاف، كما نجد شعائر الدفن وأعرافه في المنطقة الشرقية المتاخمة للحدود مع تونس، وفي المقبرة توجد قبة الولي الصالح سيدي خالد التي كانت عبارة عن زاوية لتعليم القرآن، وهي الآن خرابة، ”ومازال بعض سكان السبعة، إلى اليوم، يتبرّكون بها، ويكتبون على جدرانها أدعية بالزواج لبناتهم.، والنجاح في الامتحانات لأبنائهم والشفاء من العقم لنسائهم، وحتى أدعية بالحصول على سكن ، كان سيدي خالد بمثابة الولي الصالح.”.
ويتحدّث الكاتب عن قصص الجدّ وأخباره، بأسلوب أسطوري فيه الكثير من الدهشة والغرابة، ثمّ يمضي في تقديم عوالم الطفولة وتراث الفلاحين وعلاقتهم مع التربة، كما يقدّم الكثير من المعلومات حول جزء من التراث الثقافي الجزائري، رابطا ذاكرته الشخصية بذاكرة المنطقة ، ومؤكدا قيمة التراث والأصالة والدين في حفاظ الجزائري على تميزه عن المستعمر، وهذا أمر لا يتعلق بالزمن الاستعمار فحسب بل يجب أ ن يمتد في زمن الاستقلال أيضا.
و تشير المذكرات إلى جانب مهم من تاريخ التعليم في الجزائر المحتلة، ذلك المتعلّق بالتعليم في المدارس الفرنسية والاختلافات الاجتماعية النفسية بين الجزائري والفرنسي، والتعليم العربي في الكتاتيب (عند الشيخ صالح) ووسائله المتمثّلة في اللوح والصمغ وريشة القصب..
بالإضافة إلى تلك الصور، نقرأ مشاهد عن كثـرة الجهل والفقر في أوساط الجزائريين، كما نجد التباين الاجتماعي والفكري بين الريف (القرية) والمدينة (بونة)، ، ولمن يبحث في التراث الحضاري الذي أسس للثورة، عليه أن يقرأ قول الشاذلي ”لقد تلازم الإيمان بالشهادة بتحرير الأرض تلازما لا ينفصم، لكن دون شطط أو تطرّف”، وهو قول منفتح على الوضوح والبساطة، بقدر انفتاحه على كثير من التأويل حول اختيارات الجزائر الرسمية بعد الاستقلال وتوجّهاتها الإيديولوجية والسياسية إلى اليوم، ونحتاج، هنا، إلى المؤرّخين النزهاء ليكشفوا حقائق الممارسة السياسية وعلاقتها بالإسلام في جزائر ما بعد الاستقلال، سلطةً ومعارضةً وشعباً، و ونعود هنا إلى تراث جمعية العلماء لنؤكد البعد الديني للثورة، يقول البشير الإبراهيمي في أحد نصوصه:”لم يحك الإسلام في عصوره المتوسطة والمتأخرة ولا تاريخ الثورات عن قتال كانت فيه ملامح من الجهاد الديني المؤيد بروح الله و مثل ما شهد من الثورة الجزائرية، ولا عجب فالاستعمار الفرنسي في الجزائر حارب أول ما حارب الإسلام ومقوماته، فكانت الثورة على الاستعمار تحمل معنى الانتصار للدين ولمساجده التي حطمها المستعمر.”
نعود إلى موضوعنا الأساس، لنجد التراث المحلي في الشرق وأجواء الأسواق الشعبية في بعض الصفحات، أو يوميات الرحلة إلى أمكنة مختلفة وطقوس العمل الشاق في الأرض في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وممارسات الصيد البرّي لدى الشباب و الكثير من صور وخصائص المجتمع الريفي.
ثم نقرأ قصة هروب جدّه من الجنود الفرنسيين، واختبائه في قبر جده (أب والد الشاذلي)،و لا ننسى حديث الكاتب عن تراث الفروسية ورمزية البندقية لدى الجزائريين، وارتباطها بالعرض والشرف والشهامة، وكذلك حديثه عن الأولياء الصالحين (مثل سيدي طراد) والحمّامات الشعبية، و في هذا السياق الثقافي نلاحظ ما سبق الحديث عنه في العنصر الخاص بذاكرة الثورة و التقاليد الإسلامية في معاملة الأسرى من خلال قصص حقيقية لأسرى فرنسيين، وهنا نقف أمام هذا التداخل بين الذاكر ة والثورة ،وقد قرأنا بشغف مشاهد أسطورية للمجاهد عبد الرحمان بن سالم، كما يحدّثنا عن دفن الطبيب والكاتب فرانز فانون ومعه كتبه، وهذا طقس أسطوري يذكرنا بالفراعنة وطقوسهم الجنائزية، وقد أبان الشاذلي عن معرفته بعضا من تاريخ الفراعنة وعبر تقديم فكرة فرعونية قديمة (الإنسان يخطّط والقدر يسخر منه).
وقد عاد الرئيس –الكاتب في الجزء الخاص فترة الاستقلال إلى التاريخ الإسلامي وأخبار الفاطميين، عندما توقّف عند ممارسات بن بلة مع المحيطين به، ووظّف الكاتب بعض الأمثال الشعبية، مثل”ياكلو في الغلة ويسبوا الملة”، في إشارة للذين يحيطون ببومدين (يتظاهرون بالولاء ويطعنون في الظهر)، ولقوة علاقته ببومدين يستعمل الشاذلي صيغة شعبية ”راسي وراسو في شاشية واحدة”.
الخاتمة:
هذه المذكّرات لا تقدّم الحقائق التاريخية حول الرئيس المرحوم فقط، وإنما تقدّم الكثير من المحطّات الثورية للوطن، كما تقترح رؤية المجاهد الشاذلي لبعض الأحداث التي وقع الاختلاف حولها في زمن الثورة، و تقترح المذكرات كذاك _على القارئ_ تاريخا ثقافيا لمنطقة هامة و استراتيجية في الجزائر، هي منطقة الشمال الشرقي، بكل تضاريسها الثقافية التراثية الغنية والممتدة من الماضي إلى الحاضر .

شوهد المقال 768 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الفنان السوري أحمد شعبان وكتاب السيرة الأول ـ وطن من جسد عن دار نشر اسبانية فاء آلفالفا

 عبد الهادي سعدون   أحمد شعبان: وطن من جسد، 178 صفحة، 2018. دار نشر فاء آلفالفا في مدريد/إسبانيا. Ahmad Chaaban: Home of a Body, Alfalfa, Madrid, 178p.,
image

تلاميذ يفترشون الأرض في مدرسة عبد القادر بلبشير ..بلدية الحسيان ..ولاية مستغانم

 أمينة ليزيد   حينما حلت ميركل لتزور قسم اللغة الألمانية في ثانوية العاصمة ،وفروا الألواح الإلكترونية أمام الاعلام والوزيرة ..حتى نظهر أمام العالم أننا بلد
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (7)

 د. رياض حاوي  المبدأ الخامس: قانون العواقب غير المقصودة: أثر الكوبرا وأثر الجرذانCobra Effect  عندما كان البريطانيون يسيطرون على الهند فكروا في حل لمشكلة ثعابين الكبرا
image

مجلة جامعة سكيكدة وأسئلة علمية عن المجتمع

د.وليد بوعديلة  قضايا المجتمع والأدب في عدد جديد من مجلة "البحوث و الدراسات الإنسانية لجامعة سكيكدةأصدرت مؤخرا جامعة سكيكدة العدد رقم ستة عشر من مجلتها المحكمة"
image

فرحات آيت علي ـ معضلة التزلف و المتزلفين و مسؤوليتهم الأخلاقية و الجنائية في كونهم سند للمفسدين

فرحات آيت علي كل ما تطرقنا الى ملف نرى أن فيه شبهة فساد او حتى عدم نجاعة و جدية في دراسة وترتيب المشروع
image

فوزي سعد الله ـ عن "الطَّبخ اليهودي"...أثير الدعاية الصهيونية

فوزي سعد الله   "...تحت تأثير الدعاية الصهيونية وأبواقها الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بشكل خاصّ، يُردِّد بعضُ الإعلام الجزائري، ومعَه بعض الإعلام العربي
image

عبد الزهرة زكي ـ منتظرين السلام

عبد الزهرة زكي           السلامُ الذي كان هنا كان يداً تمتد، وكان يداً اخرى تصافحها. كان انحناءة اعتذار.. وكان ابتسامة عفو وصفح. كان قلباً يحب..
image

ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

 د. ناصر بن غيث كتب بتاريخ 2012-09-18   حالات التطاول الغربية المتوالية على الرموز الدينية للمسلمين لا يمكن قراءتها كما تدعي الحكومات الغربية على أنها
image

سامي خليل ـ الحرف اللاتيني لكتابة الأمازيغية تفكيك قادم لجغرافية الجزائر

سامي خليل   من يسكت على فرض محافظة عصاد الحرف اللاتيني لكتابة الامازيغية فهو يشارك في اخطر جريمة ضد الجبهة الداخلية و الامن القومي. نحن
image

أسامة بقار ـ تعليقات حول مسألة تبني الأبجدية اللاتينية كأبجدية كتابة اللهجات البربرية

 أسامة بقار  أثار تصريح رئيس المحافظة السامية للأمازيغية حول تبني هذه المؤسسة للأبجدية اللاتينية كخط لكتابة اللهجات البربرية بين رافض لها ومرافع لتبني

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats