الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ عن جذور صناعة الحليّ الفضية في بني يَنِّي في جبال جرجرة

فوزي سعد الله ـ عن جذور صناعة الحليّ الفضية في بني يَنِّي في جبال جرجرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله

 

 

"....الصنائع والحِرف البجائية لم تَتَخَلَّف عن مواكبة التقنيات والنماذج والموضات الإيبيرية حيث لم تكن توجد تباينات تقريبا في أساليب عمل الصّيَّاغِين والخَرَّازِين والنَّحَّاسِين والدَّبَّاغين والقَزَّازين والنَّسَّاجين والعَطَّارِين والمَقْفُولْجِيِّين وغيرهم من الحِرفيين البِجائيين من جهة ونُظرائهم في المُدن والحواضر الأندلسية من جهة أخرى. ومن بجاية انتشرتْ هذه التقنيات والصَّنائع الإيبيرية كبقعة الزيت في كامل المدن والأرياف الجزائرية القريبة؛ من مَجَّانة وسْطِيفْ وبُرْج بُوعْرِيرِيجْ وقلعة بني عبَّاس إلى مختلف قرى جبال جَرْجْرَة. أما قلعة بني حمَّاد فقد انهارتْ، حسب البحوث التاريخية والحفريات الأثرية، قبل أن تصلها العديد من الإبداعات الأندلسية الحديثة، بمقاييس ذلك العهد، التي شهدتها بجاية... 
فصناعة الحليّ والمجوهرات الفضية، على سبيل المثال، المتميِّزة والشهيرة في بلدة بني يَنِّي في مرتفعات جرجرة التي يُعتقَد أنها صناعة أمازيغية خالصة ليست في واقع الأمر سوى إحدى تلك الحِرَف والصنائع الأندلسية التي انتهى بها المطاف في المنطقة مُنْتَقِلَةً إليها من بجاية. 
 
وهذا ما تؤكده البحوث والدراسات الحديثة المتخصصة التي من بينها أعمال أنجزتْها الخبيرة الفرنسية في الأنثروبولوجيا كَامْبْسْ – فابْرر هُنرِيَّات (Camps – Fabrer Henriette) والباحث لُوسْيان غُولْفِين (Golvin Lucien)، وقبلهما المستشرقان الفرنسيان جورج مارْصِي (Georges Marcais) وبُول أُودِيلْ (Paul Eudèl) في نهاية القرن 19م وبدايات القرن 20م... 
فهؤلاء يتفقون على الأقل على أن تِقنيةَ طَلاَء المجوهرات الفضية المرصَّعة بالأحجار الكريمة في بني يَنِّي بمادة المينا (Les bijoux émaillés filigranés) التي تُزيِّن الحِلية وتجعلها تلمع وتحفظها من التأثيرات السلبية للرطوبة والهواء والألوان البرَّاقة، على حد قول هنريات كامبس فابرر، عِلمًا أنها رأسمال صناعة الحلي في بني يَنِّي وعمادُها، هذه التقنية غريبةٌ عن جبال جرجرة في شمال شرق الجزائر وعن كل الأرياف المغاربية، وإنما هي تقنية حَضَرية جاءتْها من الأندلس التي برزتْ فيها هذه الطريقة في صناعة الحليّ منذ القرن 12م وتَرَسَّخَتْ وشاعتْ ابتداءً من القرن 13م منذ عهد مُلك بني الأحمر لغرناطة، وازدهرت بعد هذه الفترة إلى غاية سقوط هذه المملكة عام 1492م .
وبعد انتشار هذه التقنية الأندلسية في المدن الجزائرية، من بينها بجاية، تَبَنَّتْهَا بعضُ الأرياف القريبة من الحواضر قبل أن يتم التخلي عنها تدريجيا في المدن بظهور إبداعات جديدة، فيما سَمَحَ عدمُ الاحتكاك الكافي بالابتكارات الحديثة للأرياف النائية، المعزولة نسبيا بتضاريسها الوعرة، باستمرار وجود هذا الفن الحِرفي لديها وتعميره إلى اليوم في غياب البدائل، مثلما هو الشأن في بني يَنِّي الجزائرية ومُقْنِينْ وجَرْبَة التونيسيتيْن وتِنْزِيتْ وتَارُودَانْتْ في المملكة المغربية... 
وبَقَيَتْ هذه الأرياف النائية تُكَرِّرُ إلى اليوم التقنيةَ ذاتها منذ مئات السنين بعدما اندثرت واختفتْ في غيرها من القرى، وأيضا في الحواضر التي تَبَنّتْ ابتكاراتٌ وأساليب جديدة. 
 
هذا ما يعتقده الباحثون الخبراء في ظل ما تَوَفَّرَ من القرائن الأنثروبولوجية والدلائل الأثرية المُتاحة إلى حَدِّ اليوم، لكن دون الحَسْم بشكل قاطع ونهائي في هذه المسألة لعل اكتشافات أثرية جديدة قد تطرأ في المستقبل وتوفر إيضاحات إضافية.
هذه المجموعة من الباحثين الفرنسيين، وهي من أبرز وأهم الخبراء في هذا المجال الأنثروبولوجي من الدراسات حول التراث الاجتماعي/الثقافي الأمازيغي، تُجمِع على أن تقنيةَ استخدام مادة المينا (émail en filigrane) انتقلتْ إلى بني يَنِّي عن طريق أندلسيِّي بجاية المسلمين. ولو أن بضعةَ أصوات في وسط الخُبراء بدأتْ تنسبها منذ بضعة عقود إلى يهود الأندلس فقط، دون أن تنجح في إحداث الإجماع حول هذه النظرية التي يوجد مَن يستبعدُها أكثر مِمَّنْ يتبناها ، فَضْلاً عن أن الحكايات المُتوَارَثَة في جرجرة عبْر الأجيال في شَكلٍ أشْبَه بالأساطير العتيقة عن دخول صناعة هذا النوع من الحليّ، بل وكل الحليّ، إلى بني يَنِّي لا تتحدث عن أيَّة رِيَادَةٍ لليهود في المنطقة لا قديما ولا حديثا.
بل هي تُرجع الفضلَ إلى عائلةِ من قلعة بني عباس القريبة من بجاية، وعميقةِ التأثر بفنونها وصنائعها الأندلسيةِ القلب والقالب، في تعليم المنطقة أسرار هذه الحرفة الأندلسية العتيقة بعد أن جيء بها كأسيرة إلى بني يَنِّي إثْرَ مَعارك في بداية القرن 16م في إطارِ صِراعٍ عسكري/سياسي بين المنطقتيْن، بني يَنِّي المُوالية لابن القاضي سلطان كُوكُو وحليف العثمانيين من جهة وقلعة بني عبَّاس حامِية السُّلطان عبد العزيز من جهة أخرى، على خلفية بسط النفوذ العثماني على المنطقة. 
 
هذه العائلة الأسيرة التي اشتهَرتْ بنبوغها في صناعة الحليّ والمجوهرات والسلاح تَحوَّلتْ إلى نوَاة قرية "آيَتْ الأَرْبْعَاء" (أيْ بَنِي الأربعاء) التي سَكنتْ لاحقا أرضًا وَفَّرَتْها لها أسرةُ آيَتْ مْعَمَّرْ (أيْ بني مْعمَّرْ) واستفادتْ منها في المنافسة مع قبيلة آيتْ مَنْقَلاَّتْ المُحاذية. وفي هذه الفترة، ظَهرتْ لأول مرة في المنطقة الحلْيَة الشهيرة بـ: "تَبْزِيمْتْ" المعروفة إلى اليوم، التي تُزَيِّنُ بها النساء المحليات جِبَاهِهن، والتي كانت صناعة مُحتكَرة تقريبا من طرف بني عباس حسب الفرنسي بُولْ أُودِيلْ الذي تحادث في نهاية القرن 19م مع أهل بني ينِّي بهذا الشأن ...
عندما سَأل الكاتب بول أوديل في نهاية القرن 19م شيخا طاعنا في السِّن من سُكان بني يَنِّي كان قد بلغ الـ: 100 عام من العُمر: مَتَى بدأ سكانُ منطقتِه يستخدمون مادة المينا في الحليّ؟ رَدَّ عليه الشيخُ بأن هذا الأمرَ يعود إلى أكثر من 500 عام. وهو ما يتوافق نسبيا مع الفترة التي تَذْكُرُهَا الروايات الشعبية فيي المنطقة .
كما يُلاحَظ أن "تَبْزِيمْتْ" وأدوات مُحترِفي صناعة الحليّ في بني يَنِّي تَحمِل في مُجملها أسماء عربية مُكيَّفة شكليًّا مع الأمازيغية، مما يُغري لأول وهلة بالاعتقاد أنها ليستْ أصيلة في المنطقة بل نابعة من ثقافة عربية اللسان بالدرجة الأولى التي نعتقد أنها الثقافة الأندلسية مصدر تقنية صناعة حليّ بني ينِّي الفضية. 
ومن بين هذه الأدوات: تَرَبُوزْتْ المُشتقَّة من الرَّبز، مُحَبّسْ المأخوذة من الحَبْس، تَبَلْقُورِينْتْ المُكيَّفة من أبو القرنيْن أو "بو القُرِين" العامِّية حسب الكاتب الفرنسي بول أوديل، تَمُقَصْ المشتقة من المِقَصّ، القالب، الفُرْن، الطَّابع، المبْرد، أجَعْبُوبْ وهي من الجُعْبُوب، السّْكَيْنْ وهو تحريف طفيف لـ: السِّكِّين...إلخ . 
أما تَبْزِيمْتْ فمصدرها كلمة الإبْزِيم العربية التي يقول "المعجم الوسيط" إنها "عُرْوَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ في أحد طرَفيْها لسان، تُوصَل بالحِزام ونحوه لتَثْبيت طرف الحزام الآخر على الوسط"...".
 

 

المصدر: فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم. دار قرطبة، الجزائر 2016م.

شوهد المقال 4515 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بلاد الروح

محمد محمد علي جنيدي – مصر         في بلاد الروح ادور واجري فيها أمشي بين الناس وروحي مش لاقيها كل لحظه تعدي طيفها يمر بيه مر
image

للتاريخ! مع تحيات المادة 102 من الدستورالجزائري المغتصب

 للتاريخ!مع تحيات المادة 102 من الدستور المغتصب.  المادة 102:" إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا،
image

جمال الدين طالب ـ الإسرائيلي يوفال هرري.. يفقد عقلانيته عند سؤاله عن فلسطين .. ملحد لكنه يؤمن أن الله وعد اليهود بفلسطين

جمال الدين طالب يُقدّم الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوا هراري على أنه "أهم مفكر في العالم حاليا"، كما وصفته مجلة "لوبوان" الفرنسية. كتبه تحقق مبيعات
image

يسين بوغازي ـ بوحجة ــــ اويحيـي ـــــ ولد عباس حواش من صراع في البرلمان ؟

يسين بوغازي     بدأ مند ما يقل عن شهرا ، صراع سياسي  في البرلمان الجزائري ، ففتحت  بوابات هذه الأزمة في
image

عزالدّين عناية ـ نهضة الزيتونة.. أو كيف نخرج الحيّ من الميّت

  د. عزالدّين عناية*   بموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات
image

إبراهيم يوسف ـ دهرٌ من التّشهيرْ والسُّمعةُ المُسْتباحة للأطفال الصِّغار.. والكِبار

  إبراهيم يوسف – لبنان   تقتضي الأمانة الأدبيّة الإشارة أنّ الحكاية نُشِرْت في مجلة عود النّد منذ
image

سيد أمين ـ وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي

  سيد أمين غياب الرؤى العميقة ، والأمية السياسية ، والتزمت والرعونة والانتهازية ، هي من الأسباب الأصيلة المسئولة عن تحول وطننا العربي
image

إيناس ثابت ـ ليالي شهرناس 2

 إيناس ثابت  حلَّ المساء ولف الظلام السماء. ولكن القمر كان ينشر خيوطه في الفضاء، والغيوم تحجب نوره من حين إلى حين. وهكذا تثاءبت حقول
image

مجمع اللّغة العربيَّة يصدر العدد التاسع من مجلّته المجلّة

    سيمون عيلوطي، المنسّق الإعلاميّ في المجمع         صدر حديثًا عن مجمع اللّغة العربيَّة في النّاصرة، العدد التاسع من مجلّة المجلّة، لعام 2018،
image

مادونا عسكر ـ الحبّ حتّى المنتهى قراءة في ديوان "لنتخيّل المشهد" للشّاعرة اللّبنانيّة سوزان عليوان

  مادونا عسكر "الحبُّ لا يصنعُ المعجزات هو، بحدِّ ذاتِهِ، معجزة" (سوزان عليوان) يتجلّى الحبّ في ديوان "لنتخيّل المشهد"، عذباً  رقراقاً

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats