الرئيسية | الوطن الثقافي | ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 د. ناهد زيان
 
إن كنت من المهتمين بالتاريخ عموما أو من الدارسين له والباحثين فيه ولاسيما التاريخ الحديث فإنك حتما تعرف من هي الدكتورة "إلهام محمد علي ذهني" أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر بالقاهرة، وذلك لما لها من مؤلفات هامة ودراسات متميزة ومتفردة تذخر بها المكتبة التاريخية وتجذب اهتمام المثقفين على اختلاف مآربهم وميولهم. نعم ثمة مدرسة للتاريخ الحديث والمعاصر قائمة وذات أركان ودعائم قوية ومنهج راسخ وفريد تضمها جامعة الأزهر، فرع البنات بالقاهرة، تسمى "مدرسة الدكتورة إلهام ذهني" وأنا واحدة من بنات تلك المدرسة، تربيت على يد صاحبتها منذ كنت طالبة في مرحلة الليسانس وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها. ولأننا حين نكتب التاريخ نستخرج معلوماتنا من مصادر معينة تشكل الأساس الذي نعتمد عليه في بناء الحدث التاريخي وتصويره قدر المستطاع فإنه ثمة ثلاثة مصادر أعرف من خلالها الدكتورة إلهام ذهني معرفة قوية وهي أولا: علاقتي بها وعلاقتها بالآخرين في تعاملاتها معهم ومعي، وثانيا: من خلال مؤلفاتها التي أثرت بها المكتبة التاريخية، وأخيرا من خلال تلك الرسائل العلمية القوية التي تولت الإشراف عليها فأخذت من روحها ومبادئها العلمية ومنهجها التاريخي.
كانت أول معرفتي بأستاذتي حين كانت تدرس لنا مادة "تاريخ إفريقيا الحديث" في السنة النهائية بالجامعة افتتنت وقتها بطريقة تحليقها ما بين بلد إفريقي وآخر حين كانت تربط بين أنماط الاستعمار وأهدافه ومطامعه وأساليبه، ثم بطريقة نطقها للأسماء الفرنسية بشكل مثير للإعجاب والدهشة ولم لا؟؟ والفرنسية هي اللغة الأجنبية الأولى للدكتورة إلهام حيث درست في مدارس الليسيه بمصر الجديدة فأتقنت الفرنسية منذ وقت مبكر الأمر الذي انعكس بوضوح على أبحاثها ودراساتها التي كانت تستعين فيها بالمصادر الأجنبية الأصلية المختلفة بأريحية وتمكن ظاهرين. والدكتورة إلهام ذهني تخرجت من جامعة القاهرة، وحصلت على الماجستير عام 1978، ثم نالت الدكتوراه عام 1984. تنقلت وزميلاتي وراء أستاذتي من مكتب لآخر حين كانت تتقلد منصبا تلو منصب فكنا نلهث وراءها حاملين أوراقنا، من خطط بحثية لموضوعات نرغب في تناولها بالدراسة ، وكتب مستعارة من مكتبتها الخاصة، وبطاقات بحثية، وفصول الأبحاث والدراسات التي كانت ولا زالت تتولاها بالإشراف والمتابعة كما تتولى الأم وليدها بالرعاية والمحبة، كنا ننتقل للقائها من مكتبها بالكلية، إلى مكتبها كرئيس للقسم، ثم إلى مكتب وكيلة الكلية، وصولا إلى مكتب العميدة، وهي بين تلك المناصب تنقل أوراقها وحاجياتها من مكان لآخر لا تحمل معها سوى تلك المبادئ التي تعتنقها، وذلك القلب الطيب والنفس المتواضعة التي عُرفت بها، وتلك الأزهار المجففة ونباتات الزينة، وبعض من التحف والأشغال الفنية البسيطة والرقيقة.
تمتاز الدكتورة إلهام ذهني بالجدية الشديدة في عملها والبعد عن الصخب الإعلامي أو محاولة الترويج لنفسها بالتواجد على أي من وسائل الإعلام، فقط عملها يتحدث عنها. كما تشتهر مؤرختنا بين كل من يعرفها بالوضوح والصراحة الشديدة فمما أذكره لها مقولتها "امشي عدل يحتار عدوك فيك" والتي ترددها دائما على مسامع تلميذاتها في مرحلتي الليسانس والدراسات العليا. فهي إذا اختلفت؛ واجهت. وإذا غضبت؛ قالت. وإذا قالت؛ رفعت صوتها بلا خوف ولا وجل. وإذا أحبت ظهرت محبتها أفعالا ومواقف أكثر مما تظهر في قول أو تعبير عن تلك المحبة. غير أن ما لا يحتمل جدالا في شخصيتها تلك البساطة الشديدة والتواضع الكبيرين الذين عُرفا عنها، فلم تمنعها عن زميلاتها ولا تلميذاتها أبواب مغلقة ولا مهام وظيفية ولا أي ظروف تحجبها عن التفاعل والتواصل معهم باستمرار دون قيود أو عقبات، بابها دائما مفتوح وقلبها أيضا.
أما مؤلفات الدكتورة إلهام ذهني-التي تعد واحدة من الرواد في التاريخ الاجتماعي بل والسياسي أيضا-فهي غنية عن التعريف؛ حيث تختار موضوعات تعد بحق إضافات للمكتبة التاريخية المصرية فلم تتناول في كتاباتها موضوعات كما يقولون "مستهلكة" أو قتلت بحثا، وإنما مؤلفاتها كلها دون استثناء متفردة ومتميزة وجديدة، معتمدة فيها بدرجة كبيرة على إتقانها التام للغتين الفرنسة والانجليزية فكان أن استعانت بالوثائق والمصادر الأجنبية الأصلية في دراستها الموثقة والموسومة باسم "بحوث ودراسات وثائقية في تاريخ إفريقيا الحديث" والتي تعد بحق من الدراسات الرائدة في تاريخ إفريقيا الحديث، ودراستها الأخرى المعنونة "جهاد الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي1850-1914".
كانت الدكتورة إلهام ذهني أيضا من أوائل وأسبق المؤرخين الذين استعانوا بمخطوطات الرحالة ومذكرات القناصل وتقاريرهم واعتمدوا عليها كمصدر هام يحتوى على رؤية مميزة، وخاصة في كتابات هؤلاء وعلى معلومات غاية في الأهمية والتميز وعلى هذا جاءت مؤلفاتها المعنونة بالترتيب: "مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر" ثم "مصر في كتابات الرحالة والقناصل الفرنسيين في القرن الثامن عشر" ثم "مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر" ثم "مصر في كتابات الرحالة البريطانيين في القرن التاسع عشر" وأخيرا "رؤية البحارة الأوربيين لمصر بين النزعة الإنسانية والاستعمارية". وغير ذلك من الدراسات والأبحاث الداعية للإعجاب والدهشة والتأمل كيف هي تحلق بلياقة ذهنية وحيوية وبراعة في كتاباتها في فضاءات مختلفة ما بين الاهتمام بتاريخ إفريقيا أو تاريخ مصر الحديث.
ومن الأمور الداعية للإعجاب والبهجة والتي توضح بشكل موحٍ كيف هو عطاء تلك الإنسانة وعمق غرسها؛ أنك حين تطالع قائمة أي من دور النشر التي نشرت للمؤرخة الفريدة بعض أعمالها تجد معها في نفس القائمة أسماء باحثات تتلمذوا على يديها وتشبعوا بمنهجها وفكرها الراقي المتسامح والبعيد كل البعد عن التعصب. وليس مبالغة أبدا أن نؤكد بشكل قاطع على مسألة هذا التسامح والرحابة الروحية والعقلية التي كانت تتناول بها الدكتورة إلهام ذهني كثيرا من الموضوعات في حديثها مع تلميذاتها، فهي ترى أن أحد أهم الحصون القوية التي حمت مصر من محاولات التغريب وطمس الهوية التي كان يمارسها الغرب والاحتلال في النصف الأول من القرن العشرين هي الكنيسة القبطية المصرية التي كانت ترفض وتقاوم كل محاولات الأجانب التبشير بالمذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي بين الأقباط في مصر، وكيف حمت الكنيسة المصرية أبناءها ومذهبهم العقائدي. بل وتمدح الدكتورة إلهام ذهني منهج البابا شنودة الثالث (1971-2012) في هذا الشأن والذي كان يحرص على أن تقام كنيسة قبطية في كل ولاية ومدينة في الخارج يوجد بها أقباط مصريون لربطهم بكنيستهم الأم وبوطنهم مصر. وعن مكتبات الأديرة كان لها أحاديث عذبة عنها وكيف أن بتلك المكتبات نوادر من المخطوطات والكتب التي قد لا يستطيع المرء العثور عليها في أي مكان آخر، كما وأنها بحق محراب بحثي من حيث الهدوء والنظام والانضباط في العمل والجو الذي توفره بمكتباتها العامرة الثرية. أما مكتبة دير سانت كاترين وما تضمه من وثائق ومخطوطات نادرة وفريدة فتلك لها في حديث الأستاذة لتلميذاتها في مرحلتي الليسانس والدراسات العليا حديث مستفيض إلى الحد الذي أضحى معه من أحلامي الكبرى أن أتمكن يوما من زيارة ذلك الدير العريق وولوج مكتبته الفريدة.
وبأي حال لا يمكن الحديث عن الدكتورة إلهام ذهني دون أن نعرج على تلك الموضوعات التاريخية القوية والرصينة التي أشرفت عليها، وتابعت مراحل كتابتها وصياغتها أعمالا مكتملة وواقعا ملموسا، فأخذت من روحها ومنهجها وتميزت بالتنوع في موضوعها ما بين التاريخ الاجتماعي، والتطور الإداري والعمراني وحركة تحديث المدن، والنقل والمواصلات، ووسائل الاتصال، وتاريخ ونشاط الجاليات الأجنبية المختلفة على مدار تاريخ مصر الحديث والمعاصر. وكذلك موضوعات تتعلق بأحوال مصر المختلفة خلال العصر العثماني، وموضوعات عن السودان والقبائل والعناصر المختلفة هناك، حتى المدن الشامية المختلفة في العصر العثماني لها في مدرسة إلهام ذهني تواجد قوي وأعمال متميزة وهي في كل ذلك لا تفرض على تلميذاتها موضوعا بعينه ولا رأيا مسبقا، أو اتجاها معينا، فقط هي الحقيقة التاريخية تفرض نفسها من خلال الوثائق والمخطوطات وغيرها من المصادر التي منها نستقي المعلومة ونحاول بناء الحدث. الأمر الذي جعل معظم تلك الدراسات جديرة بالنشر والاقتناء فكانت إضافة قوية للمكتبة التاريخية، لا يمكن أبدا إنكار دور "ذهني" في تكوينها وصياغتها والتأثير في منهج أصحابها وتكوينهم الفكري والثقافي.
 
 


شوهد المقال 1628 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جيهان أبواليزيد - أحمد خالد توفيق .. تركتك تغزو عقلى فكيف تكون قصاصاتك قابلة للحرق ؟

 د.جيهان أبواليزيد  هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟. لو عاش الإنسان مائتي عام لجن من فرط الحنين إلى أشياء
image

رشيدة زروقي - وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائر محكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة

 رشيدة زروقي  وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائرمحكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة      
image

شكوى من مظلوم تعرض للظلم والتعسف من محكمة حجوط إلى وزير العدل الجزائري

 السيد زقاوة محمدرقم القيد 13382 مؤسسة إعادة التربية و التأهيل القليعةبسم الله الذي ليس مع عدله عدل لا في الارض و لا في السماء و
image

ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

 د. ناهد زيان إن كنت من المهتمين بالتاريخ عموما أو من الدارسين له والباحثين فيه ولاسيما التاريخ الحديث فإنك حتما تعرف من هي الدكتورة "إلهام محمد
image

بوفاتح سبقاق - الكاذب الرسمي

بوفاتح  سبقاق الزعيم منزعج و متشائم بخصوص إستمرارية حكمه ، إشاعات كثيرة هذه
image

حميد عقبي -جوع

حميد عقبي             هذه الأرصفة الجائعة تبدو وحيدة ترتجف تلك خطواتنا لا أثر لها الآن مصباح الشارع يلتزم الصمت كانت هنالك حافلات مزركشة كانت
image

وليد بوعديلة - قصة حيزية عند الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

 د. وليد بوعديلة (حيزية) هو اسم امرأة جزائرية، سجلت الذاكرة الشعبية قصتها التي وقعت في القرن التاسع عشر، وهي حسب قصة رواها
image

شكري الهزَّيل - خُذ غصنك وارحَّل!!

د.شكري الهزَّيل لا ادري متى ضبطا بدات علاقتي او ملاحظتى ووعيي بتلك الشجرة الضخمة الوحيدة وسط ارض شاسعه وواسعة وشبة قاحلة,
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

جيهان أبواليزيد - الهند ليست سيف على خان وكاترينا كييف

 د. جيهان أبواليزيد ذهبت مع صديقتى رافينا وريشما وهما من المسلمات الجديدات بمكتب الدعوة والارشاد بالأحساء  شرقى المملكة العربية السعودية وذلك للتعرف على كومار عامل نظافة ببلدية الإحساء وسابقا عامل صرف صحى بالهند، أردت أن استنطقه لما دفعه لاعتناق الإسلام وعن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats