الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيسهو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 \8 القرآن واللَّحْن

مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيسهو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 \8 القرآن واللَّحْن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. مخلوف عامر

 


إنَّ الآيات القرآنية التي أثارت قضية اللحن معروفة وكثيرة ومنها تمثيلاً لا حصْراً
((
إن هذان لساحران))[طه،الآية63((والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة))[النساء،الآية:162] ((إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون))[المائدة، الآية:69] ((لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))
[
البقرة، الآية:124] ((هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ))[ الحج، الآية19]
فإذا ما طبقنا القواعد كما درسناها، فسنقول: ((إن هذين لساحران)) ((والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة)) ((إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين)) ((لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِونَ)) ((هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَما فِي رَبِّهِمْ))..الخ
واضح في الأمثلة السابقة ما ورد مرفوعاً حيث يجب النصب، وما نُصب حيث يجب الرفع وتفاصيل أخرى كثيرة موجودة في كتب القدامى كما في كتاب:(مجاز القرآن)) لأبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره.
فالقدماء أنفسهم أثاروا القضية منذ البدء وفي مؤلَّفات عديدة ، ولكن الاتجاه الذي بقي غالبا، سلك طريق التبرير والبحث عن الأدلة الكافية والحجج المقنعة لتنزيه القرآن ونفي الخطأ عنه بحكم كونه وحْياً إلهيا. ومنهم من تساءل عن الصحابة، كيف يلحنون وهم أعرف الناس باللغة العربية وأسرارها فضلا عن كون الأمر يتعلق بالقرآن الذي كانوا يتلقَّوْنه مباشرة من الرسول؟ ثم كيف يُعقل أن يجتمعوا على خطأ ويستمروا في قراءته دون مراجعـة ؟
لقد نُسب إلى (عثمان بن عفان) أنه كان يعتني بتصحيح المصاحف ومن ذلك
((
قال حدثنا عبد الله بن هانئ البربري مولى عثمان ، قال كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى ابن كعب فيها لم يتسن وفيها لا تبديل للخلق وفيها فأمهل الكافرين .قال فدعا بالدواة فمحا أحد اللامين فكتب لخلق الله ومحا فأمهل وكتب فمهل وكتب لم يتسنه ألحق فيها الهاء …))(1)
قد يقال إن هذا النص يعد دليلا واضحا وربما كافيا على أن الصحابة عملوا على حفظ القرآن فوَصَلنا مُصحَّحاً . وما قام به عثمان –لا شك- قام به غيره.
إلا أن التصحيح في ذاته اعتراف صريح بارتكاب الخطأ قبلا ، وبقدر ما يقوم النص السابق دليلا على حدوث التصحيح ، بقدر ما يفتح الأفق أمام احتمال تسرُّب الخطأ وبقائه. إذ ما الذي يثبت بأن شيئا من ذلك لم يَفُتْهم وهم الذين لم يصلوا إلى وضع القواعد وضبط اللغة ورسم الحروف رسما نهائيا ولم يكونوا يستخدمون في الكتابة وسائل متطورة تحفظ الكاتب والمكتوب من الزلل والتصحيف ؟
فمما يلفت النظر ويؤكد الاحتمال ما يورده الإمام جلال الدين السيوطي قوله: ((حتى تستأنسوا وتسلموا. قال إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا)). (2)
يروي أيضا عن ابن عباس (( أنه قرأ : أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا فقيل له : إنها في المصحف أفلم ييأس فقال : أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس))(3). 
وإن ابن عباس أيضا(( كان يقول في قوله تعالى : وقضى ربك إنما هي ووصى ربك التزقت الواو بالصاد))(4) وهو يرجع سبب ذلك – فيما بعد – إلى أن الكاتب استمد المداد فاحتمل القلم منه كثيرا .
ففي آثار القدماء – إذن – اعترافات بوقوع الخطأ ومحاولة تصحيحه واحتمال استمراره. فلما سألت عائشة عن الآيات المذكورة سابقا ، قالت :((هذا عمل الكُتاب ،أخطأوا في الكتاب))(5).ومهما يكن فَهُم –في كل الحالات-بشرٌ يصيبون ويُخطئون.
وتأسيسا على القناعة الثابتة باستحالة وجود الخطأ راح المفسرون والمبرِّزون في اللغة والنحو يعتصرون ما في أدمغتهم، ويجتهدون بكل ما أوتوا من قدرة على التَّمَنْطُق لإيجاد مخرج توفيقي بين تفسير المعنى وتخريج الإعراب. ولهذا تجد للآية الواحدة أوْجهاً كثيرة من الإعراب، وكل وجه يسعى باحتراز شديد ليتجنب القول بالخطأ أو الشذوذ.
يكفي أنْ نعود إلى كتاب (ابن هشام): ((شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب))(6)لنقف على إعراب:((إن هذان لساحران))فنجده يتفرَّع إلى ثلاثة أوْجُه ثمَّ يتفرَّع الثالثُ منها إلى خمسة أوجه أخرى.وهي في معظمها بحث عن محذوفات وراء الملفوظات وهو ما أنْكرَه (ابن مضاء القرطبي)في كتابه: ((الرد على النحاة)) ، حيث يقول
((
وأمَّا طرد ذلك في كتاب الله تعالى- الذي لا يأتيه الباطل من بيْن يديْه ولا من خلفه وزيادة معان فيه من غير حجَّة ولا دليل إلا القول إن كل ما ينصب إنما يُنصب بناصب، والناصب لا يكون إلا لفظاً يدلُّ على معنى، إمَّا منطوقاً به أو محذوفاً مراداً ومعناه قائم في النفس-فالقول بذلك حرام على من تبيَّن له ذلك))(7)
فمادام القدماء أنفسهم قد أرجعوا الخطأ إلى الكاتب، لأنَّه كان ناعساً أو حمل من المداد ما يزيد عن الحد وقاموا بالتصحيح، فإنَّ القواعد لم توضع إلا بعد مدَّة طويلة ونشأت بطيئة.
((
وقد خضع "النحو"العربي لهذا الناموس الطبيعي فولد في القرن الأول الهجري ضعيفاً،وحَبا وئيداً أول القرن الثاني))(8)ويضيف (عباس حسن): ((والحق أنَّ "النحو" منذ نشأته داخلته -كما قلنا-شوائب نمت على مرِّ الليالي وتغلغلت برعاية الصروف، وغفلة الحراس، فشوَّهت جماله، وأضعفت شأنه، وانتهت به إلى ما نرى))(9).
لقد تورَّط واضعو القواعد في جعل القرآن مصدراً للتقعيد فوجدوا أنفسهم أمام خيارات صعبة.
إمَّا، أن يقولوا بالخطأ والشذوذ وهذا محال، لأن الأمر يتعلَّق بالنص المُقدَّس، وإمَّا أنْ يُصحِّحوا الآيات لتتوافق مع القواعد وهذا يُعدُّ تحريفاً، وإمَّا أن يتركوها كما هي ويجتهدوا في البحث عن تخريجات وهذا ما فعلوه، بالرغم من أنَّ التطوُّر حتَّمَ أن يصبح المدُّ ألفاً قائمة ولم تكن موجودة من قبل،وإنَّهم حتى ولو عدَّلوا الآيات السابقة بما يتوافق والقواعد المُطَّردة لما تغيَّر المعنى.
فلعلَّه كان من الأنسب-مادام الحرج يحول دون ذلك- لو أُخْرج القرآن من دائرة التقعيد. لأنَّ المشكل حاصلٌ في التعليم.إذْ ما عساك تقول لتلميذ درس قاعدة عمل(إنَّ وأخواتها)ثم يواجهك بالآية: ((إن هذان لساحران))؟
فإمَّا، أنْ تصمت أو تحتال عليه، ، وإمَّا أنْ تقول له ستعرفها بعدما تَكْبُر-إذْ نادراً ما يصرِّح المُدرِّسُ بأنَّه يجهل الجواب-وإمَّا أن تعْرض عليه كل الأوْجه التي أوْردها(ابن هشام)ممَّا يُعقِّد الطريقة البيداغوجية ويثير البلبلة في ذهن التلميذ.
وإذا كنَّا إلى اليوم –أساتذة وكُتَّاباً-لا ننجو من ارتكاب الأخطاء، فإنَّ ذلك لا يعود إلى إلى شخص الكاتب وحْدَه، بل يدلُّ أيضاً على خلل في طبيعة القواعد وفي طريقة تدريسها
لذلك تتوالى الدعوات منذ زمن (ابن مضاء) إلى ضرورة تيْسير النحو، وضبْط القاعدة بأنْ تستقرَّ على وجه واحد يُعْفي الدارس من التخبُّط بيْن خلافات البصريين والكوفيين، حتى قيل: ((ارْتكِبْ ما شئت من الأخطاء في النحو العربي، فإنَّك ستجد لها- دائما-ما يُبرِّرها)).


1)
جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن،الجزء الأول، ص: 183.
2)
الإتقان في علوم القرآن،ص:185
3)
الإتقان في علوم القرآن،ص:185 
4)
الإتقان في علوم القرآن،ص:183
5)
الإتقان في علوم القرآن،ص:18.
6)
ابن هشام النحوي، شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب،دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان،الطبعة الأولى، 1422هـ-2001م ص:32 
7)
ابن مضاء القرطبي، الردُّ على النحاة،دراسة وتحقيق الدكتور محمد إبراهيم البنا،دار الاعتصام،الطبعة الأولى1399 هـ -1989م، ص:73
8)
عباس حسن، النحو الوافي ، دار المعارف ، الطبعة السابعة،الجزء الأول،ص:3
9)
نفسه، ص:4

شوهد المقال 286 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

 سعيد خطيبي   غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض
image

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

 الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة د. ناصر بن غيث المريكتب بتاريخ  2012-09-13   لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن
image

المغرب والكعكة الفقودة

 فريد بوكاس  منذ اندلاع حراك الريف شمال المغرب، والدولة تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية، باحثة عن مخرج بأقل الخسائر، لكن وللأسف لازال
image

مفدي زكريا..عندما تخونه الجزائر؟؟

د. وليد بوعديلة عندما يتجدد الاحتفال بلحظات هامة من الذاكرة الجزائرية على الجزائريين أن يتأملوا واقعهم وأحوالهم في جميع الميادين، لأجل قراءة واعية للمتغيرات التاريخية و
image

اسلام سلال ـ أمهات ساحة مايو والاختفاء القسري

اسلام سلال   في عام 1971 قام جنرال عسكري في الارجنتين يدعى خورخيه فيديلا بانقلاب عسكري وفي خلال ثلاثة اشهر اختفى الالاف من المواطنين
image

سعيد عبد القادر عبيكشي ـ الأفلام الوثائقية.. متعة التحيز المرغوب

د.سعيد عبد القادر عبيكشي يشاهد الكثير منا الأشرطة الوثائقية على اعتبار أنها جزء من منظومة تثقيفية ومعرفية، فهي تزيد من معارف الشخص وتطلعه على مجموعة
image

وفاة رمز الآهاليل الجزائري مولاي الصديق سليمان { مولاي تيمي }

  د. ميلود ولد الصديق  الواحة الحمراء تفقد ذاكرتها الحية وموسوعتها في الاهليل والتراث الشعبي. انتقل الى جوار خالقه أمس الثلاثاء السيد مولاي
image

وليد عبد الحي ـ من كتابي:إيران 2020(2)

 أ.د. وليد عبد الحي  الثقافة السياسية في المجتمع الإيراني:نقصد بالثقافة السياسية مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تشكل نظاما وتعطي معنى للعملية السياسية،وتقدم قواعد حاكمة لسلوك
image

عادل السرحان ـ رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ

  عادل السرحان             رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ وامْتازَ تَمْرٌ عَنْ حَشَفْ وَتَوَقَّدَتْ قِيَمُ العِراق ولاحَ يَوْمُ المُنعَطَفْ وازْدانَ صُبْحٌ بالْهِتافِ على الخِداعِ المؤتَلِفْ نحنُ العراقُ اذا
image

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

  د. عبد العزيز بوباكير في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats