الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - عبد الرحمن مغربي الفلسطيني الجزائري القبائلي..."كان يعتقد أن فلسطين ستضيع كما ضاعت الأندلس من قبل"...

فوزي سعد الله - عبد الرحمن مغربي الفلسطيني الجزائري القبائلي..."كان يعتقد أن فلسطين ستضيع كما ضاعت الأندلس من قبل"...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 فوزي سعد الله 

 

حوالي العام 1880م، هاجر عبد الرحمن مع والده خليل بن إبراهيم واضي وزوجته حليمة شعلان وشقيقته نظيرة إلى فلسطين مضطرين بسبب الأوضاع القاسية التي نجمتْ عن احتلال الجزائر من طرف فرنسا والاضطهاد الوحشي الهمجي الذي فرضتْهُ على أهل البلاد منذ 1830م. وانتهى المطاف بالعائلة الصغيرة إلى الاستقرار في مدينة حيفا الساحلية حيث نجح الوالد خليل المنحدر من جرجرة في تحقيق استقرار مادي محترم للعائلة قبل وفاته المبكِّرة عام 1894م وهو في عقده الرابع، إذ يُقال إنه "كان ميسورا ماديا، ويملك خيلا وسائق عربة"، على حد تعبير حفيده الدكتور عبد الله مغربي.

 

عند مغادرة الجزائر المحتلة، كان عُمْر الصبي عبد الرحمن لا يتجاوز 4 سنوات. في حيْفا نشأ وكبر والتحق بالقوات العثمانية بصفته عسكريًا لِعدّة سنوات قبل أن يعود ثانية إلى حيفا بعد تَرْكِهِ النشاط العسكري. 
 
 
هناك، تزوج حوالي عام 1904م من فلسطينية من مدينة عَكا، أنجب منها 10 أطفال، من بينهم 6 ذكور و4 بنات. وسكنوا، كما تقول الوثائق، في حارة الكنائس في حيفا في أوضاع مادية مريحة إلى غاية الرحيل الاضطراري للمرة الثانية في حياته لاجئًا إلى صَيْدَا في لبنان عند احتلال فلسطين من قِبل الصهاينة المدعومين بالبريطانيين في مايو 1948م.

 

لكن، كيف عاش عبد الرحمن الجزائري الفلسطيني من مَهجره مدينة حيفا علاقته مع مسقط رأسه ووطنه الأول ووطن أجداده؟

 

حفيده الدكتور عبد الله مغربي يتحدث عنه إليكم ويقول:

 

"عمل عبد الرحمن في التجارة، وعاش حياة متواضعة، ولم يتحسن وضعه إلا بعد أن كبر أولاده، وأصبح لديه متجرا (بقالة)، يقع بجوار مقهى الانشراح، الذي يملكه ابنه خليل في شارع الملوك، موَاجِهًا لمدخل ميناء حَيْفا البحري و (...) تفيد مصادر العائلة أن هذا المتجر المقابل للميناء كان يتيح له اللقاء بجميع الوافدين الجدد من الجزائريين إلى حيفا والجليل، أو العابرين إلى لبنان وسورية؛ وأصبح مركزا يوفر من خلاله المعلومات والإرشادات لهم عن كيفية التنقل والاستقرار في بلاد الشام. وكان في بعض الأحيان يحتفظ بأوراقهم الخاصة، وحتى أموالهم، خوفا من سرقتها منهم، (...) وهكذا كان دكانه بمثابة المحطة الأولى للجزائريين الذين يَصِلُونَ إلى ميناء حيْفا وفلسطين.

 
كان عبد الرحمن طويل القامة، يمتلك عينيْن عسليتيْن "غائرتيْن"، ويُطلق لحيتَه، وكان يعتمر الطّربوش الملفوف بِشَال مُلوَّن، مُطرَّز بخيوط ذهبية (...) وكان متدينا وَرِعًا، فقيهًا بالدِّين، يَؤمُّ أحيانا بالمُصَلِّين في جامِع الجرينة, مما يشير إلى أنه كان ذا ثقافة دينية...
كان قليل الكلام، لكنه كان صارمًا صعب المراس، ويُقال عن عقله بأنه "مغربي"، كنايةً عن عناده وتَشبُّثِه برأيه، ولكنه كان يَتَّصِفُ بالأمانة والاستقامة، يَقصدُه الناس للمشورة والموعظة وحلّ المشاكل...
كان له (م) أبناء عمومة في حيفا، (...) انتقلوا إلى دمشق (...)، ويبدو أن عبد الرحمن كان يتواصل معهم (أقاربه في الجزائر) دون أن يخبر أحدا بذلك فقد كان يعيش حياة المُهاجِر، أو المغترِب عن وطنه، الذي لا تزال ذكريات الطفولة والعائلة في الجزائر حية في مخيلته، مما جعله كأمثاله مرتبطا ثقافيا ووجدانيا بالوطن الأم، وظروف الحياة التي كانت تحيط بهذا الوطن. وساعد على إحياء هذا الشعور التواصل الدائم مع الوافدين الجزائريين إلى حيفا،...
كان بعيدا (...) عن أي نشاط سياسي يُذكَر في المدينة، أو الهيئات القومية الفلسطينية. فقد كان مستاءً من السياسيين العرب وتخبطّهم، مشكِّكًا بمصداقيتهم وإخلاصهم. وكان يعتقد أن فلسطين ستضيع كما ضاعت الأندلس من قبل..."

ثم جاءت ساعة الرحيل ثانية بتوالي الاعتداءات الصهيونية على أهل حيفا وكل فلسطين مع بداية عام 1948م. الدكتور عبد الله مغربي يواصل سرد ذكريات العائلة وكيفية تَصَرُّف جده عبد الرحمن إزاء الوضع الجديد الحرج قائلا:

 

"...مع بداية أحداث يناير من عام 1948م، ومع تردي الأوضاع الأمنية في حيفا، خاصة بعد تفجير بناية "بشير المغربي" المعروفة (...) حيث دخل بعض أعضاء الميليشيات اليهودية متخفين بلباس الجنود البريطانيين، مخزنا (...) بحجة التفتيش، ووضعوا قنبلة موقوتة أدى انفجارها إلى تهديم العمارة على ساكنيها وهُدِّمتْ معها عدة بيوت مجاوِرة لها، واستشهد 31 رجلا وامرأة وطفلا، وجُرح الكثيرون، وامتدت الاضطرابات إلى شوارع عديدة (...) ما جعل الفلسطينيين يبدأون بالنزوح عن منازلهم. وتوالت الاعتداءات اليهودية على المدن الفلسطينية...
اشتدت حركة النزوح العربية من حيفا بشكل مُفجِع، خاصة في شهريْ فبراير ومارس 1948م، إذ اقْفَرَّتْ بعضُ الأحياء من العرب (...) ولكن بعد الاعتداءات على شارع المُلوك، واحتلال مداخل حيْفا الرئيسية، وشروع جيش الهاغاناه بالاعتداء على المنازل، وتطهيرها من أهاليها، وخطْف وقتْل الرجال، بدأ النزوح من بقية أجزاء المدينة (...) وكان الإنجليز يدخلون المنازل ويسألون السكان: "....ما زلتم قاعدين".. اليهود سوف يذبحونكم إذا بقيتم في منازلكم، احملوا أغراضكم ويالله على البُورْ (الميناء)....، وهكذا دَفعوا بالعرب إلى الميناء، وأغلَقوا عليهم خَطَّ الرَّجعة"...
خلال تلك الفترة العصيبة، قُتِلتْ أخْتَا عبد الرحمن من والدته بهجة (...) وعوفر. (...) وعلى إثرها خافت العائلة على سلامة أفرادها خاصة ابنها محمد، الذي كان مختبئًا في المنزل، لأن عصابة الهاغاناه الصهيونية كانت تفتش عليه، لاتهامه مع مجموعة شباب عرب، بتهمة مقتل مستوطن يهودي على طريق عكا، وبالتالي غادر معظم أفراد العائلة حيفا عبر مينائها، تحت وابل من الرصاص والقذائف، تاركين بيوتهم ومتاعهم ومتاجرهم ومصالحهم ومالهم، ولم يتمكنوا حتى من لملمة أوراقهم الشخصية، وتوجهوا شمال، إلى مدينة صيدا...

 

وبقي عبد الرحمن في منزله رافضا الخروج، على أن يعود أولاده لاصطحابه بعد التأمين على باقي أفراد الأسرة في لبنان. ومع اشتداد المعارك واقتحام الصهاينة المنازل، تنبه بعض الجيران إلى وجوده في منزله خلال عملية الإخلاء، فأصروا على اصطحابه معهم خوفا على سلامته، حدث ذلك في النصف الثاني من شهر أبريل عام 1984م، إذ اضطر إلى الانتقال إلى مدينة عكا، ومن ثم اتجه شمالا بواسطة البحر نحو مدينة صيدا في لبنان المعروفة لديه، حيث استقبله أفراد العائلة الذين سبقوه (...) وكانت العملية أقل صعوبة، مقارنة ببقية العائلات الفلسطينية التي اضطرت إلى اللجوء إلى المخيمات، واستبدلت بيوتها بخيام بالية...".

 

بعد هذه الأحداث الأليمة والأشد ألما على عبد الرحمن مغربي بن خليل بن إبراهيم واضي الجرجري الجزائري، تفرقت العائلة في الآفاق بعد أن أصبحت "العودة إلى حيفا حلمًا بعيد المنال، والعودة إلى الجزائر أقرب إلى الخيال" على حد تعبير الحفيد عبد الله مغربي. تفرقوا بين لبنان والسعودية والأردن ومصر وقطر في مرحلة أولى قبل أن يمتد التشتت عند غزو لبنان من طرف الجيش الصهيوني عام 1982م إلى أستراليا وغيرها...
أما عبد الرحمن الذي تجرع مرارة اللجوء وهو في الرابعة من عمره عندما ترك الجزائر ثم وهو في السّبعين من العمر عام 1948م فقد كانت الخيبة أثقل من أن تمر دون أن تترك عليه آثارًا قوية هو اللاجئ للمرة الثانية دون جنسية أو هوية جزائرية وأبعد من أي وقت من مسقط رأسه الجزائر.

 

عبد الرحمن بن خليل بن إبراهيم واضي الفلسطيني الجزائري توفي سنة 1950م بعد عامين من لجوئه إلى لبنان عن عمر ناهز 74 سنة حزينا مكسور القلب والروح...

عندما اجتاحت القوات الصهيوينة لبنان عام 1982م بقيادة المجرم آرييل شارون، أُصيب قبر عبد الرحمن مغربي بقذائف العدو المدفعية والجوية وتحطم بشكل كامل.

ومع ذلك...، سنعود من أجل عبد الرحمن ومن أجل كل الفلسطينيين ومن أجل كل المضطهَدين في العالم.

 كتاب "من جرجرة إلى الكرمل" للدكتور الفلسطيني الجزائري الأصل عبد الله مغربي.

على صورة الغلاف جده عبد الرحمن مغربي الذي سرد في الكتاب قصة حياته وحياة الأسرة ومعاناتها.

 

https://www.facebook.com/fawzi.sadallah
 
25/12/2017

 

شوهد المقال 453 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

  مادونا عسكرـ لبنان  - النّصّ: الدّاخل أرحـب سقطتُّ في السّماء كنت أعرجُ في أرض بلا
image

إيناس ثابت ـ روافدُ القلب

    إيناس ثابت - اليمن              وشاحُ حريرٍ غَزَلَتْه "پينولوب" من وحيِ حكايتك بفيضٍ من
image

محمد مصطفى حابس ـ المرحوم عبد الغاني بلهادي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع.

محمد مصطفى حابس إنَّ مرحلة الشَّباب هي الفترة الذَّهبيَّة من عمر الإنسان، وهي الَّتي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كلَّ الحرص على التربية
image

خالد صبر سالم ـ ـغنيّةُ الألـَق

  خالد صبر سالم                                          النهرُ يفيضُ وجوهَ حَبيباتٍ تـَتـَألقُ   في خاطرة القنديلِ   
image

علي المرهج ـ المحبةُ سلطة

  د. علي المرهج إذا فهمنا السلطة على أنها فن إدارة العلاقة مع مُقربين، أو مع الأسرة، أو الجماعة، بل وحتى المؤسسة،
image

إبراهيم يوسف ـ رَوَافِدْ لم تَنْشَفْ بَعْدْ

  إبراهيم يوسف – لبنان    أنا يا عصفورةَ الشّجنِ مثلُ عينيكِ بلا وطنِأنا لا أرضٌ ولا سكنٌ أنا عيناكِ هما سَكني 
image

رائد جبار كاظم ـ نقد النقد النرجسي (هيمنة الأيديولوجيا على نقد الأنا للآخر)

  د. رائد جبار كاظم   ( لقد آن الأوان لأن نبحث في العيوب النسقية للشخصية العربية المتشعرنة، والتي يحملها ديوان العرب وتتجلى في سلوكنا
image

ناهد زيان ـ جوازة على ما تُفْرَج !!!

د. ناهد زيان   يبدو العنوان صادما حتى لي أنا نفسي غير أن الواقع لا ينفك يصدمنا بما لم نكن نتوقعه ولا يخطر
image

مصطفى محمد حابس ـ سجال متجدد فمتى يتبدد ؟! "ليس المولد هو البدعة.. بل البدعة أن لا تعرف معنى البدعة"

مصطفى محمد حابسرغم أنه كُتب عن المولد خلال هذا الأسبوع العشرات من المقالات، من أهل الشرع و الاختصاص أخرهم الأسبوع الماضي أستاذنا الدكتور عبد الرزاق،
image

أمل عزيز احمد ـ رحلة بلا مطر ....

أمل عزيز احمد        حينَ ضمّنيبرد المساء فيمدينة ِالضبابراحتْ همساتُ أولَابتسامةٍ للقياكَترّنُ مع نبضاتِ قلبيروحي ..وخاطرييعبرُني ..الشارع تلوَّ الشارعابحثُ عن نفسي بينَمطر ِالليلة ِوصباحكَ المؤجلعندَ آخرِ غيمة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats