الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - هو التراث : فلا تقديس ولا تدنيس 6/9 الشَّكُّ ليْس بِدْعة

مخلوف عامر - هو التراث : فلا تقديس ولا تدنيس 6/9 الشَّكُّ ليْس بِدْعة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


د. مخلوف عامر  


الشك طريق إلى اليقين. هذا ما كان يسعى إليه (أبو حامد الغزالي) كما (ديكارت).لكنَّ اليقين بالنسبة إلى كل منهما يختلف.فالغزالي في كتابه: (( المنقذ من الضلال))، يُصوِّر المراحل التي مرَّ بها ليُحقِّق الاطمئنان النفسي ولا يحصل ذلك إلا إذا كان المرء يعيش حالة نفسية خاصَّة. فهو يُحدِّثنا عن تجربته في الحياة وعن قراءاته فتعرَّض للدَّهريين والطبيعيين والإلهيين والصوفيين وخَلُص إلى عنوان هو حُكْم على مُخالفيه: ((أَصْناَف الفَلاَسِفةَ وشُمول وَصْمَة الكُفِر َكافَّتهمُ))(1)
إذْ(( ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة ، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها))(2)
إنَّه يتحدَّث إليْنا وكأنَّه يعاني أزمة نفسية إلى أنْ شفاه الله، لكنْ ليس بواسطة الأدلَّة العقلية،لأنَّه لطالما تدبَّر الأمور بعقله ومطالعاته ولم يُفْلحْ. بل، بأنْ قَذَف الله بنوره في صدْره، فعادت نفسُه إلى الصحة والاعتدال، بعدما كانت في شك مضطربة،يقول:
((
حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين ؛ ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمَنْ ظَنَّ أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة))(3).
فما كان له ليُشفى، إلا لأنَّه آمن بالله وبنبيِّه.وليس عن طريق العقل والدليل، وإنَّما بالإلهام أو الإشراق أو الحدْس البرجسوني..
((
وكان قد حصل معي- من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها، في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية- إيمانٌ يقينيٌ بالله تعالى، وبالنبُوّة وباليوم الآخر))(4).

فالفارق كبير بيْن أن ينتهي العقل إلى إشراق روحي يريح النفس من الشكوك، وبين منهج ديكارت الذي يعزِّز البحث المعرفي لتعزيز مكانة العقل.وإنْ اجتهد كثيرون في الجمع بيْنهما، وذهب آخرون إلى القول، إنَّ (ديكارت) يكون قد اطَّلع على (الغزالي) مترجَماً وتأثَّر به.ولا أطيل في هذا، لأنَّ السادة المختصِّين في الفلسفة أدْرى منِّي بالتفاصيل.
ولستُ أقصد-بحديثي عن الشك- أولئكم الذين وقفوا ضد الدعوة الإسلامية منذ البداية أمثال: (مُسَيْلِمة وسجاح والأسود العنسي أو النضر بن الحارث،الذي كان يقيم الحلقة بموازاة الرسول ويقول للناس إنَّه سيُحدِّثهم بأحسن ممَّا يُحدِّثهم به محمد، لأنَّه كان مُطَّلعاً على الكتب القديمة وعلى القصص والأساطير الهندية والفارسية. فهؤلاء ناصبوا العداء للدعوة صراحة وحاربوها. إنَّما يتعلَّق الأمر بالصحابة الأقربين ممَّن عاشروا الرسول وساوَرَهُم الشك في أحداث وقعت بالفعل
من ذلك أنَّ أحَدَهم لمَّا سمع الآية: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))[سورة النور،الآية،4].جاء إلى الرسول وكانت له زوجة تُدْعى(لكاع) فقال:إذا حضرتُ ووجدت رجلاً بيْن فخذيْها ولم أفعل شيْئاً إلا بعد أنْ أُحْضِر أربعة شهود، فلنْ أعود إلا ويكون الرجل قد قضى حاجته.
فأحدث كلامُه عجَباً وحيْرة أدَّت إلى نسْخ هذه الآية بأخرى تقول: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين َوَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ َالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [النور : الآيات : 6 -7-8-9
لقد أوْرد (سيد قطب) عن هذه الواقعة ما يلي:
((
روى الإمام أحمد- بإسناده- عن ابن عباس، قال لما نزلت((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))، قال سعد بن عبادة-وهو سيد الأنصار رضي الله عنه-أهكذا نزلت عليك يا رسول الله؟(...): " والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق ، وأنها من الله ، ولكني إني قد تعجبت إني لو وجدتُ لكاعا قد تَفَخَّذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيِّجه ولا أُحَرِّكه حتى آتي بأربعة شهداء . فو الله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته ...(5)
ولكنْ حتى الآية الثانية الناسخة التي تشرح اللِّعان،لا تحلُّ المشكل، ونحن نعرف أنَّ الشخص قد يحلف آلاف المرَّات وهو لا يقول إلاَّ كذباً.فاللعان لا يمكنه أنْ يُعوِّض شرطة التحقيق المعاصرة، ولا البصمات ولا نوعية المني ولا الكشف عن الحمض النووي(A.D.N).
ولا لَوْم عليهم فقد عاشوا عصْرَهم ونعيش عصْرَنا.وهناك عشرات الآيات التي نُسِخت فبطُلَ العمل بها في مدَّة النزول وهي قصيرة (23سنة)، بينما قد مرَّت قرون والتونسيون يتجادلون اليوم حول ميراث المرأة.
ويضيف(سيد قطب) حادثة أخرى حول بعض المُشكِّكين أو الذين ادَّعوا النبوة مِمَّن وصفهم القرآن بأنهم يفترون على الله كذبا أو أنهم يوحَى إليهم أيضا، واختلفوا فيمن نزلت فيهم بعض الآيات. فقيل : إنها نزلت في مُسَيْلِمة وزوجته سجاح بنت الحارث والأسود العنسي،بيْنما المقصود هو:(عبد الله بن سعد بن أبي سرح)الذي كان ممَّنْ يكتبون الوحْي: فيقول (سيد قطب):
((
وفي رواية لابن عباس أن المقصود هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان أَسْلَمَ وكتب الوحي وأنه لما نزلت الآية التي في "المؤمنون" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين .. فلما انتهى إلى قوله :"ثم أنْشأْناه خلقا آخر" عجب عبد الله فقال: " تبارك الله أحسن الخالقين" فقال الرسول:"هكذا أُنزلت عليَّ" فشك عبد الله وقال : " لئن كان محمد صادقا فلقد أوحي إليَّ كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلتُ كما قال وارتد عن الإسلام))(6) .
هؤلاء هم من أوائل الصحابة الذين عاشروا الرسول وكان يخاطبهم قائلاً: ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ))[سورة فصلت، الآية:6].
وبالرغم من ذلك كان يساوِرُهم الشك،فلماذا يصبح الشكُّ بِدْعة وضلالة، ونحن في الألفية الثالثة وما فيها ممَّا توصَّل إليه عقل الإنسان من تطوُّر مدهش في البحث والاكتشافات العلمية؟ !
حدث أنْ ذكرتُ بعضاً من هذا في محاضرة أمام جماعة من (الجبهة الإسلامية للإنقاذ( F.I.S) يوم كانوا في أوج غَلَيانهم بداية التسعينيات من القرن الماضي،يوم كانوا قاب قوْسيْن أو أدْنى من "سدرة المنتهى" السلطة، فهاجت القاعة وظهرت منهم بوادر العنف، لأنَّهم كانوا يتوهَّمون أنَّه كلامٌ من دسائس اليهود والشيوعيين، فقلت لهم بعدما هدأ الجو:
((
إنَّ هذه القصص لا يعرفها لا ماركس ولا إنجلز ولا لينين،أنصحكم بقراءة: ((في ظلال القرآن))إذا تحلَّيْتم بِقدْر من الصبْر لتجلسوا وتطالعوا ستَّة أجزاء من آلاف الصفحات ناهيكم عن أنْ تُلخِّصوها)). 

1)
الغزالي ، أبو حامد، المنقذ من الضلال،نشر موقع الفلسفة الإسلاميةhttps://www.ghazali.org/works/munqid.doc ، ص:14

2)نفسه، ص:10

3) نفسه، ص:4

4) نفسه، ص:29

5) قطب(سيد) في ظلال القرآن ، دار الشروق ، الطبعة العاشرة – 1982 الجزء الرابع ص : 2492 .

6) نفسه، الجزء الثاني ، ص: 1149 .

شوهد المقال 418 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد حمادة ـ المنطقة الآمنة المقترحة شمال شرق سورية..

العقيد أحمد حمادة *  منذ عام 2014 أرادت تركيا إنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية على غرارمنطقة شمال العراق التي أقامت فيها الولايات المتحدة والتحالف
image

شكري الهزَّيل ـ البطيخ العَّجر : تهافت العملاء على فتات الكنيست الصهيوني!!

د.شكري الهزَّيل تعج المواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعية العربية والفلسطينية باخبار ادانة وشجب المُطبعين العرب مع الكيان الغاصب وهؤلاء الفاشلون والباحثون عن الشهرة الرخيصة
image

توضيح للرأي العام من الدكتور ناصر جابي ومنع رئيس جامعة باتنة له من تقديم محاضرته

د.ناصر جابي أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم معي، بعد منع محاضرتي في جامعة باتنة. من قبل رئيسها الذي يصر في تصريحه الأخير للشروق
image

بادية شكاط ـ إلا رسول الله يارُسل أمريكا

بادية شكاط  يبدو أنّ ماقاله السفير الإماراتي في واشنطن،بأنّ دول الخليج العربي ستتحول إلى العلمانية في غضون سنوات،نراه اليوم رأي العين،وهو يمشي ليس على
image

محمد مصطفى حابس ـ بعد تكريم مفسر القرآن للأمازيغية، هل آن الأوان لتكريم الامازيغي سيد اللغة العربية عالميا العلامة واللغوي الدكتور مازن المبارك

محمد مصطفى حابس فيما أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، هذا السبت بالجزائر العاصمة، بأول إصدار في تفسير القرآن الكريم باللغة الأمازيغية للشيخ سي حاج
image

نعمان عبد الغني ـ التميز في الأداء الإداري لأكاديميات كرة القدم ....شرط النجاح

نعمان عبد الغني * إن نجاح الإدارة , في كل من المؤسسات التربوية , والمنظمات أو الهيئات الرياضية , إنما يعود سببه إلى تقدم
image

حيدوسي رابح ـ قبل الميلاد

 حيدوسي رابح ـ  الجزائر          الموت مؤجل والميلاد سلالم . لموتك اينعت في اديم الروح ازهار ترش الألواح بعطرها .. الريح تذروه
image

محمد محمد علي جنيدي – بصائر سابحة

محمد محمد علي جنيدي – مصر يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما
image

اليزيد قنيفي ـ عنصرية قاتلة..!!

اليزيد قنيفي  ما عبر عنه رسام الكاريكاتير "ديلام "في صحيفة "ليبارتي " مخجل ومؤسف ولا يمت بأية صلة لحرية الرأي والتعبير ،لأنّ هذا الرسم مُحمل
image

وليد بوعديلة ـ أصل الامازيغ..تاريخ الكنعانيين وتراثهم

د.وليد بوعديلة  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليه..تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم  تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح مع ذاتها وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats