الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - عن البربر والديانة اليهودية قبل الإسلام

فوزي سعد الله - عن البربر والديانة اليهودية قبل الإسلام

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 فوزي سعد الله

 

 

"...النص الخلدوني الذي يستدل به المؤرخون اليهود والغربيون عامة، على غرار أندري الشّراقي وريشارد حيّون وبيرنارد كوهين وغيرهم، بل يستدل به كل الذين يقولون بتديُّن قبائل البربر باليهودية قبل الإسلام، خصوصا قبائل جْراوة، وهو النص المرجعي الوحيد تاريخيا في مجاله، فإن هذا النص يقول فيه ابن خلدون ما يلي: 
"...كذلك ربما كان بعض هؤلاء البربر دانوا بدين اليهودية أخذوه عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم، لقرب الشام وسلطانه منهم كما كان جرأة أهل جبل أوراس قبيلة الكاهنة مقتولة العرب لأول الفتح. وكما كانت نفوسة من بربر إفريقية وقندلاوة ومديونة وبهلولة وغياتة وبنوفزان من برابرة المغرب الأقصى حتى محا إدريس الأكبر...جميع ما كان في نواحيه من بقايا الأديان والملل. فكان البربر بإفريقية والمغرب قبل الإسلام تحت ملك الإفرنج وعلى دين النصرانية". 
 
وهكذا، بالتمعن في النص، يبدو أن ابن خلدون لا يُثبت تهودَ البربر ولا يُحدده من الناحية الكّمِّية بأيِّ نسبة كانت، بل يَذْكُرُ ذلك افتراضًا كإمكانيةٍ مُستخدِمًا كلمة "ربّما". بل حتى تَديُّن الكاهنة باليهودية يتعرَّض له بصيغةٍ افتراضية ثم بالإسقاط يوَسِّعه إلى جميع أفراد قبيلتها رغم أن تَديُّن الملكة باليهودية، حتى لو صحّ، لا يعني حتما أن رعاياها كلهم اعتنقوا نفس الدين . وكل ذلك ورد في سياق الكلام عن فترة استفحال مُلْكِ بني إسرائيل، ممّا يعني أن تاريخ هذا التهود النادر الممكن ظرفي ومحدود في الزمان والمكان من جهة ، وبعيد جدا زمنيا من جهة ثانية، حيث يعود إلى قرون طويلة قبل الإسلام وقبل الكاهنة ذاتها بل ربما قبل الميلاد، مما يجعله غامضَ المَعالِم. وبما أن تواجد اليهود في شمال إفريقيا آنذاك كان ضعيفا كما ذَكَرْنَا، فإن رقعة التهوُّد تبدو ضيِّقة أكثر. ثم يَذْكُر ابن خلدون بدقة ووضوح في نهاية الفقرة بأن البربر بإفريقية والمغرب قبل الإسلام كانوا "تحت مُلك الإفرنج وعلى دين النصرانية" على حد تعبيره.
 

 

 

هذا ما قاله ابن خلدون. أما ما قاله بقية المؤرخين من دعاة تهوُّد البربر اعتمادا على ابن خلدون واستشهادا به فلا يستند إلى النص العربي لكتاب المؤرخ وعالم الاجتماع المُسْلِم الأندلسي بل فقط على النسخة الفرنسية التي تَرْجَمَهَا الضابط/التّرجمان في قوات الاحتلال الفرنسي في الجزائر خلال العقود الأخيرة من القرن 19م الآيرلندي وِيلْيَمْ مَاكْ غَوْكِن، المعروف بـ: البَارُونْ دُوسْلاَنْ (De Slane) منذ أن مَنَحَهُ مَلِكُ فرنسا شارل العاشر الجنسية الفرنسية عام 1838م. وقد أساء الترجمة، على الأقل فيما يتعلق بالنص الذي يتعرض لمسالة تهوُّد البربر، حيث لم يتوخى الدقة والأمانة. وإذا كانت النسخة المترجَمة خاطئة، فمن الطبيعي أن تكون الاستنتاجات وكل ما يُبنى عليها بعيدة عن الواقعية والصواب.
النص الأصلي العربي يقول بوضوح: "...وكذلك ربما كان بعض هؤلاء البربر دانوا بدين اليهودية أخذوه عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم..." بينما ترجمة دُوسْلاَنْ تقول:

 

« Une partie des berbères professait le judaïsme, religion qu’ils avaient reçue de leurs puissants voisins ».

 

في حين الباحث الجزائري يقول مسعود كواتي إنه كان من المفروض أن تكون ترجمتها كالآتي:
«De même, peut - être certains berbères avaient- ils même professé le judaïsme ».

 

من جهته، فنَّد المؤرخ المسلم البكري منذ قرون مثل هذه الادعاءات المعاصرة بخصوص ديانة البربر قبل الإسلام حتى لدى بربر المغرب الأقصى، بحيث كتب يقول: "...افتتح عمرو بن العاص رحمه الله نَفُوسَة وكانوا نصارى". ويؤيده ابن أبي دينار في هذه المسألة في كتابه "المؤنس" قائلا: "...افتتح جبال نَفُوسَة وكانوا على دين النصرانية".

ويزداد الموقف نسبية عندما يناقض رأيَ ابن خلدون، الذي عاش في القرن 14م وتوفي في بداية القرن 15م، بشأن تهود البربر قولُ الرحالة الشريف الإدريسي المتوفي عام 1132م في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" عن قبيلة نفوسة إنها كانت تدين بالمسيحية وليس باليهودية.

 

وابن خلدون نفسه الذي تكلم عن تَهَوُّدِ قبائل بربرية بالمغرب الأقصى قائلا: "... كما كانت نفوسة من بربر إفريقية وقندلاوة ومديونة وبهلولة وغياتة وبنوفزان من برابرة المغرب الأقصى..."، يتراجع إلى حد ما بقوله في موضع آخر من كتابه "المبتدأ والخبر" بأن إدريس الأكبر مؤسس الدولة الإدريسية "... زحف على القبائل الذين كانوا على دين المجوسية واليهودية والنصرانية مثل قندلاوة وبهلولة ومديونة...". وهذا معناه أن هذه القبائل لم تكن تدين باليهودية فقط، بل دانت حتى بالمجوسية والنصرانية في نفس الوقت أو أن ابن خلدون ليس مطلعا بدقة على هذا الموضوع وأن معلوماته فضفاضة وغير واضحة. كما يدلّ هذا التذبذب في موقفه على أنه يصعب اتخاذه مرجعا مُطْلقًا للتدليل على صحة تهود بعض البربر. فكيف يسمح بعض الباحثين لأنفسهم إذن بتعميم الديانة على جميع البربر بالاستناد إليه...؟ 
يجب الإشارة أيضا إلى أن مسألة تهوّد الكاهنة تحتاج هي الأخرى إلى تدقيق أكبر وإلى تعميق البحث حولها، لأنها نسبيّة جدا ولم تصل بعد إلى مصاف المُسَلَّمات. ففي "رياض النفوس" ، قدَّم المالكي تفاصيل تسمح باعتبار الملكة البربرية في منطقة جبل أوراس وثنيةً مثلما يرى المؤرخ وعالم الآثار التونسي محْمَدَّ حَسِين فَنْطَرْ ، ويُنسَب لها عبادة صنم خشبي ضخم كان لا يفارقها خلال تنقلاتها أثناء الفترة التي سبقت انهزامها أمام القوات الإسلامية سنة 700م، وكان يُنقل على ظهر جَمَل كان يتقدّم الملكة البربرية. بينما اعتبرها محمد طالبي، استنادا إلى هذه الشهادة عن تنقلها مرفوقة بهذا الصنم وشهادة ابن خلدون، على الأقل، مسيحية في دراسته Un nouveau fragment de l’histoire de l’occident musulman, l’épopée d’Al-Kahina (مقطع جديد من تاريخ المغرب الإسلامي، ملحمة الكاهنة) . 
 
الصنم الخشبي الذي وَرَدَ ذِكْرُه في عدة مراجع قديمة قد يكون إذن دليلا إمَّا على وثنيتها أو على نصرانيتها، لكنه لا يتوافق مع الديانة والتعاليم الروحية اليهودية. وبالنسبة للباحث الفرنسي إيف موديران إن الصنم، مهما كانت تأويلات كلام المالكي لتحديد عقيدة الكاهنة، "يؤكد بجميع الأحوال عدم الاحتمالية القصوى لتهوُّد قبيلة جراوة في القرن 7م، وبالتالي أيضا ضُعف كل المضاربات..." بهذا الشأن. 
الزعم بتهود البربر ما زال إلى اليوم لا يحقق الإجماع وتتضارب حوله الآراء والمواقف حتى في أوساط البحث العلمي في الغرب وحتى في الأوساط اليهودية – الصهيونية. 
على سبيل المثال لا الحصر، الباحث الفرنسي إيف موديران (Yves Modéran) في كتابه Les Maures et l’Afrique romaine (4ème – 7ème siècle) (المُورْ وإفريقيا الرومانية من القرن 4م إلى القرن 7م) يقول بهذا الشأن:
"إن هذا الكاتب (ابن خلدون Ndlr) لا يشير إلا في مرة واحدة وفي فقرة يشوبها الغموض إلى الخصوصية الدينية للقبيلة التي كانت تقودها الكاهنة. جميع المؤرخين الذين قاموا بمضاربات بشأن هذا النص استندوا إلى ترجمة دُوسْلان...".
وبعد عرض موديران الفقرة المُترجَمة من طرف البارون الآيْرلندي/الفرنسي عن كتاب ابن خلدون والتي تبدأ بـ:
« Une partie des berbères professait le judaïsme, religion qu’ils avaient reçue de leurs puissants voisins, les Israélites de la Syrie. Parmi les berbères juifs, on distinguait les Djeraoua, tribu qui habitait l’Auras et à laquelle appartenait la Kahena femme qui fut tuée par les Arabes à l’époque des premières invasions : Les autres tribus juives étaient… les Nefouça, Berbères de l’Ifrikia, les Fendelaoua ; les Mediouana, les Behloula, les Ghiatha et les Fazaz, Berbères du Maghreb el-Acsa ; Idriss Premier descendant d’El-Hacen (…) fit disparaître de ce pays jusqu’aux dernières traces des religions (chrétienne ; juive et paienne) et mit un terme à l’indépendance de ces tribus. Aussi ; nous disons qu’avant l’introduction de l’islamisme ; les Berbères de l’Ifrikia et du Maghreb vivaient sous la domination des Francs et professaient le christiannisme ; religion suivie également par les Francs et les Grecs…».
يقول موديران واصفًا نقائص هذه الصيغة في ترجمة النص الخلدوني إلى اللغة الفرنسية: "رغم أنها عادةً خالية من الأخطاء الكبيرة، ولو أنها بعيدة كل البُعد عن التماشي مع النقد والترجمة الحديثيْن، تبدو هذه الترجمة في هذه المرة كثيرة العيوب مثلما بيَّن ذلك م. طالبي. وهذه هي الترجمة التي يقترحها هذا المتخصص في تاريخ المنطقة المغاربية في القرون الوسطى:
« De même, peut-être certains groupements berbères avaient-ils même professé le judaïsme, empruntant cette religion aux Fils d’Israël au moment de l’apogée de l’extension de leur royaume en raison de la proximité de la Syrie ; alors toute puissante ; de leur pays. Tel fut en particulier le cas des Djarawa, qui habitaient les montagnes de l’Aurès ; et qui formaient la tribu d’Al-Kahina tuée par les Arabes lors des premières invasions. Tel fut également le cas Nafusa ; parmi les Berbères d’Ifriqiya, et celui des Gandalawa, des Madyuna ; des Bahlula, des Djiata, et des Banu Fazaz, parmi les tribus du Maghreb extrême. C’est Idriss le Grand descendant de Hasan b. al-Hasan (…) vint y effacer les dernières traces des différentes religions et confessions qui avaient subsisté (après l’islamisation). En effet, comme nous l’avons déjà mentionné, les Berbères d’Ifriqiya et du Maghreb étaient, avant l’Islam, sous la domination des Latins (Firandj), et professaient le christianisme, religion qu’ils partageaient avec Byzance (Rum). Telle était la situation lorsque commencèrent les invasions musulmanes… »......
.............."
 

 

فوزي سعد الله: يهود الجزائر، هؤلاء المجهولون. دار قرطبة. الجزائر. طبعة جديدة قريبًا.

شوهد المقال 1158 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بادية شكاط ـ صراع السياسة والأخلاق،في دوائر النظام الدولي

 بادية شكاط                                                                                                                                                                 يقول الشاعر الإنجليزي"بيرسي شيلي" :"إنّ أكبر جرم إرتكِب في تاريخ البشرية،هو فصل السياسة عن الأخلاق" فإلى أيّ مدى
image

حوار مع عزالدين عناية : القدرات العربية في علم الأديان ضحلة ـ حاورته باسمة حامد

  حاورته باسمة حامد  في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع
image

رائد جبار كاظم ـ الإيمان العجائزي والتدين الجنائزي

  د. رائد جبار كاظم  لا أعرف ما هي القيمة المعرفية والروحية والفكرية والدينية الايجابية التي تحققها مقولة ( اللهم ايمان كإيمان العجائز)،
image

محمد محمد علي جنيدي ـ روحُ والدي

محمد محمد علي جنيدي – مصر         يا حناناً غاب عن قلبي طويلا يا غراماً عاش في الوجدانِ جيلا لم تزل نوراً لروحي لم تزل قلباً
image

محمد محمد علي جنيدي ـ لا أنساكا

محمد محمد علي جنيدي - مصر           قُلْ لِـي شَيْئـاً غَيْـرَ هَوَاكَـا فَــأنَــا أبَــــداً لا أنْـسَـاكَــا تِلْـكَ عُيُـونُ الْبَـدْرِ بِعَيْنِـي أحْسَبُهَـا مِـنْ نُـورِ بَهَـاكَـا ثُــــمَّ إذا تَــدْنُــو
image

عادل السرحان ـ حين يحلّقُ قلبي بعيدا

عادل السرحان               في هذه الساعة قلبي يحلق بعيدا بين السماء والأرض ومعزوفة الحزن تتعالىتُحيطُ به عيونٌ وآذانٌ أغار  منهاورداء الوحدةيخلع كل شيءويرتديني كل ماحولي مثل قطعة ثلجٍحتى أطرافي وحيدا  أتململُوتعصف بي الريحمثل
image

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

  مادونا عسكرـ لبنان  - النّصّ: الدّاخل أرحـب سقطتُّ في السّماء كنت أعرجُ في أرض بلا
image

إيناس ثابت ـ روافدُ القلب

    إيناس ثابت - اليمن              وشاحُ حريرٍ غَزَلَتْه "پينولوب" من وحيِ حكايتك بفيضٍ من
image

محمد مصطفى حابس ـ المرحوم عبد الغاني بلهادي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع.

محمد مصطفى حابس إنَّ مرحلة الشَّباب هي الفترة الذَّهبيَّة من عمر الإنسان، وهي الَّتي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كلَّ الحرص على التربية
image

خالد صبر سالم ـ ـغنيّةُ الألـَق

  خالد صبر سالم                                          النهرُ يفيضُ وجوهَ حَبيباتٍ تـَتـَألقُ   في خاطرة القنديلِ   

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats