الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 / 4

مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 / 4

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.مخلوف عامر  



ابن خلدون والعرب


ممَّا حفزني على العودة إلى (ابن خلدون) من جديد، هذه الظاهرة السائدة في أوْساط العامة والمتعلِّمين أيْضاً، وهي عدم التمييز بيْن عربي ومسلم، فكلُّ عربي مسلم والعكس.والناس يستغربون أنْ يكون العربي مسيحياً أو بوذياً أو يعتنق أية ديانة أخرى. ويستنكرون أشدَّ الاستنكار إذا قُلْتَ إنَّ الأمازيغي ليس بالضرورة عربياً وإنْ هو أتْقن العربية وتَديَّن بالإسلام.أنْ يندمج العِرْق بالدين إلى هذا الحد قد لا نجده إلا في البلدان المغاربية.وربَّما مردُّ ذلك إلى أنَّ هذه البلدان –بالرغم من تقلُّبها بيْن مذاهب مختلفة- إلا أنَّ السيادة تكرَّست للمذهب المالكي، وأنَّه بعد ضعف اللغة الأمازيغية وحلول العهد الاستعماري لم يبْقَ بين أيدي أهل البلاد إلا اللغة العربية والإسلام بوصفهما عُنصريْن للمقاومة وتأكيد الهوية، ناهيك عن دور الأحزاب البعثية والتشديد على فكرة القومية العربية منذ بدأ التمرُّد ضد الاستبداد التركي.أو منذ أن قال(الكواكبي ): ((ثلاث خلقهنَّ الله للجور والفساد: القَمْل والتُّرك والجراد)).
إنَّ التمييز بيْن الدين والعِْرق يظهر واضحاً لدى (ابن خلدون).فمن خلال فصول خصَّصها للعرب في مقدِّمته منها:
1. ((
في أن العرب لا يتغلَّبون إلاَّ على البسائط))
2. ((
في أنَّ العرب إذا تغلَّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب)).
3. ((
في أنَّ العرب أبْعَدُ الأمم عن سياسة الملك)).
4. ((
في أنَّ حَمَلة العلم في الإسلام أكثرهم العجم))
فهو يرى أنّ" العرب أهل بداوة وتوحُّش ينتهبون ويفرُّون إلا في حالات الدفاع، ولا يستطيعون أنْ يصلوا إلى القبائل التي في الأدغال والجبال الوعرة، لأنَّهم بطبيعتهم لا يتغلَّبون إلا على الأمور البسيطة. ((وأمَّا البسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهْبٌ لهم وطُعْمة لآكلهم يرددون عليها الغارة والنهب والزحف لسهولتها عليهم إلى أنْ يصبح أهلها مُغْلَبين لهم ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي وانحراف السياسة إلى أنْ ينقرض عمرانُهم))(1
وفي استعصائهم عن الانقياد للسياسة إضعاف للعمران.وإنَّ إيلافهم الترحال والتنقُّل الدائم جعلهم لا يستقرُّون في الحواضر، بل إنَّ حجر البناء بالنسبة إليهم لا يصلح إلا أثافيَّ كما الخشب الذي لا يروْن فيه إلا أعمدة وأوتاداً للخيام.ولمَّا اعتادوا أنْ يكون رزقهم في طول رماحهم فقد احتقروا الصنائع إذْ لم يكن همُّهم غير أخذ الأموال ولا يزجرون الناس عن المفاسد وهذا من شأنه أن يؤدِّي إلى انصراف الناس عن الصنائع وخرابها ثم يدبُّ الفساد في الدولة.
وإذا حكموا، فإنهم يتنافسون على الرئاسة ولا يسمحون بتداولها فيما بينهم: ((وأيْضاً هم متنافسون في الرئاسة وقلَّ أنْ يُسلِّم أحدٌ منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقلِّ وعلى كُرْه من أجل الحياء فيتعدَّد الحُكَّام منهم والأمراء وتختلف الأيدي على الرعيَّة في الجباية والأحكام فيفسد العمران))(2
وهم أبعد الأمم عن السياسة، لأنَّ رئيسهم يحتاج إلى عصبيتهم، بينما الملك والسلطان يقوم على وازع القهر وهذا ما لا يستطيعه.وما كانوا ليؤسِّسوا دولة ويقوى سلطانهم لولا الوازع الديني.لأنَّه إذا كان فيهم نبيٌّ أو وليٌّ يحثُّهم على القيام بأمر الله، فإنَّهم سرعان ما يقبلون الحق والهُدى لسلامة طباعهم. فأمَّا، عندما تخلَّوا عن الدين ونسَوْه، فقد انشغلوا بالتحصيل المادي .وإذا عاقبوا على المفاسد، فإنَّما حرْصاً على تكثير الجبايات وتحصيل الفوائد.
((
لمَّا نسوا الدين فرجعوا إلى أصلهم من البداوة وقد يحصل لهم في بعض الأحيان غلبٌ على الدول المستضعفة كما في المغرب لهذا العهد فلا يكون مآله وغايته إلاَّ تخريب ما يستوْلون عليه من العمران.))(3
ثمَّ، إنَّهم لم يكونوا أهل علم وصناعة وتناقلوا الشريعة بلا علم ولا تدوين، ولم يلتفتوا إلى التقعيد إلاَّ بعد امتزاجهم ببقية الأمم فكان النحو والحديث وعلم الكلام وأصول الفقه والتفسير. والأعاجم هم الذين برعوا في مختلف المجالات بخلاف العرب.
((
من الغريب الواقع أنَّ حملة العلم في الملَّة الإسلامية أكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر،وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرْباه ومَشْيخته مع أنَّ الملَّة عربية وصاحب شريعتها عربي والسبب في ذلك أنَّ الملَّة في أوَّلها لم يكن فيها علمٌ ولا صناعة))(4)
تعقيب:
عندما يرى (ابن خلدون) أنَّ العرب، إنَّما عادوا إلى بداوتهم لأنَّهم نسوا الدين، فذلك يعني أنَّه من أولئك الذين يؤمنون بصواب نموذج الخلافة الراشدية.فهو يسكت عن الصراع الذي جرى حول السلطة منذ سقيفة بني ساعدة إلى حروب الردَّة فصفِّين فالجمل وغيرها من التصفيات التي وقعت باسم الدين.إنَّه-ها هنا-يقفز من الواقعية إلى المثالية.
وحين يذهب إلى أنَّ خراب بعض العمران كان بسبب العرب فيذكر الفرس والعراق والشام واليمن والسودان، فإنَّ المختصِّين في التاريخ قد يجدون أسباباً أخرى. حيث كانت هذه الأنظمة تتآكل من الداخل منذ ما قبل مجيء العرب. ولمَّا جاء العرب وجدوها لقمة جاهزة، لأنَّها كانت على حافَّة الانهيار. ولعلَّه أن يكون محقّاً عندما ربط الخراب في إفريقية والمغرب ببني هلال وبني سليم.
وهو يرى أيْضاً أنَّ العرب تركوا الدين ولم تَعُدْ لهم من صلة بالأوائل إلا بالاسم، لكنَّه يؤكِّد -في الوقت ذاته-أنَّ العباسيين قد استفادوا من الأمم الأخرى وشرعوا في تدوين كل ما يتعلَّق بلغتهم وشرائعهم. فلا يصحُّ القول في هذه الحال أنهم تركوا الدين، بل ابتدعوا له أدوات جديدة لترسيخه وتأويله وتوظيفه بما يزيدهم استحْكاماً ويكرِّس بقاءهم.وما أكثر الفقهاء الذين جُنِّدوا لهذا الغرض وألَّفوا تحت الطلب.
ممَّا يثبت أنَّه بقي مشدوداً إلى فكرة السَّلف الصالح، أنَّه يتعرَّض للفلسفة بكثير من الحذر والدعوة إلى إبطالها فيكتب فصلاً بعنوان: (( في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها)).فيقول:
• ((
هذا الفصل وما بعده مهمٌّ لأنَّ هذه العلوم عارضةٌ في العمران كثيرة في المدن وضَرَرُها في الدين كثير))(5).
وينصح في نهاية الفصل بأنَّ على المرء أنْ يكون متشبِّعاً بالشرعيات قبل أنْ يُقْدم عليها، وأن يطلِّع عليها بعدما يكون قد عرف التفسير والفقه. فهو يقول:
• ((
فليكُن الناظر فيها متحرِّزاُ جهدَه من معاطبها وليكنْ نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطِّلاع على التفسير والفقه ولا يُكِبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خُلْوٌ من علوم الملَّة))(6).
لذلك فإنَّ(ابن خلدون) وهو يرصد الوقائع والتحوُّلات التاريخية بعيْن ناقدة ويجعل العصبية مُحرِّكاً مركزياً غير متعصِّب لعِرْق بعيْنه، إلا أنَّه في الوقت نفسه بقي يستظلُّ بشيْء من العصبية الدينية.وأنَّ الملَّة التي تحدَّث عنها وكانت أساس العمران العربي، قد تولَّدت منها عصبيات دينية ممزوجة بالقبلية فكثرت الفِرقُ الدينية وتحاربت عبر التاريخ.ولا تزال ماثلة أمام أعْيُننا إلى الآن.
وفي كل الحالات ، فإنَّ (ابن خلدون)العظيم قد نعرفه أحسن، إذا فهِمنا موقفَه من الفلسفة ومن التصوُّف.

1)
مقدمة ابن خلدون، دار القلم، بيروت-لبنان،الطبعة السابعة، 1409 هـ -1989م،ص: 149
2=
نفسه،ص:150
3)
نفسه،ص:152
4)
نفسه،ص:543
5)
نفسه، ص:514 
6)
نفسه، ص:519

شوهد المقال 1119 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

 سعيد خطيبي   غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض
image

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

 الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة د. ناصر بن غيث المريكتب بتاريخ  2012-09-13   لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن
image

المغرب والكعكة الفقودة

 فريد بوكاس  منذ اندلاع حراك الريف شمال المغرب، والدولة تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية، باحثة عن مخرج بأقل الخسائر، لكن وللأسف لازال
image

مفدي زكريا..عندما تخونه الجزائر؟؟

د. وليد بوعديلة عندما يتجدد الاحتفال بلحظات هامة من الذاكرة الجزائرية على الجزائريين أن يتأملوا واقعهم وأحوالهم في جميع الميادين، لأجل قراءة واعية للمتغيرات التاريخية و
image

اسلام سلال ـ أمهات ساحة مايو والاختفاء القسري

اسلام سلال   في عام 1971 قام جنرال عسكري في الارجنتين يدعى خورخيه فيديلا بانقلاب عسكري وفي خلال ثلاثة اشهر اختفى الالاف من المواطنين
image

سعيد عبد القادر عبيكشي ـ الأفلام الوثائقية.. متعة التحيز المرغوب

د.سعيد عبد القادر عبيكشي يشاهد الكثير منا الأشرطة الوثائقية على اعتبار أنها جزء من منظومة تثقيفية ومعرفية، فهي تزيد من معارف الشخص وتطلعه على مجموعة
image

وفاة رمز الآهاليل الجزائري مولاي الصديق سليمان { مولاي تيمي }

  د. ميلود ولد الصديق  الواحة الحمراء تفقد ذاكرتها الحية وموسوعتها في الاهليل والتراث الشعبي. انتقل الى جوار خالقه أمس الثلاثاء السيد مولاي
image

وليد عبد الحي ـ من كتابي:إيران 2020(2)

 أ.د. وليد عبد الحي  الثقافة السياسية في المجتمع الإيراني:نقصد بالثقافة السياسية مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تشكل نظاما وتعطي معنى للعملية السياسية،وتقدم قواعد حاكمة لسلوك
image

عادل السرحان ـ رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ

  عادل السرحان             رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ وامْتازَ تَمْرٌ عَنْ حَشَفْ وَتَوَقَّدَتْ قِيَمُ العِراق ولاحَ يَوْمُ المُنعَطَفْ وازْدانَ صُبْحٌ بالْهِتافِ على الخِداعِ المؤتَلِفْ نحنُ العراقُ اذا
image

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

  د. عبد العزيز بوباكير في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats