الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - من سَفْك الدماء إلى امْتصاص الدماء

مخلوف عامر - من سَفْك الدماء إلى امْتصاص الدماء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. مخلوف عامر
 
يحق للمواطنين الجزائريين أنْ يقبلوا صفة"السوداء" لعشرية مضت، نظراً لما سُفك فيها من دماء.فقد كان من حقهم أن يطمحوا إلى حالة من الهدوء والاستقرار.ولقد تغيَّر الوضع فعلاً ولكن بفضل أولئكم الذين مدُّوا صدورهم للرصاص وحاربوا بالسلاح أو بالقلم.
ولا فضل لأولئكم الذين غابوا طويلاً وكانوا ينعمون بطيب العيْش، ثم جاءوا ليقطفوا الثمرة حين نضجت، ويلبسوا ثوب النصْر نِفاقاً وبُهتاناً، ولم يكنْ يهمُّهم غير الانتقام من خصومهم فانتقموا من شعب ووطن.

 
ألمْ نَعشْ أكثر من عشرية سوداء تـمَّ فيها تبذير المال العام بطرق غير مسبوقة؟وغرقنا في الجهوية المقيتة والفساد البغيض إلى درجة لا تُطاق؟ ثم تعود وجوه الأزمة لتدَّعي تخليصنا من الأزمة؟ !
فمن أعطاهم الحق ليمْسحوا ديون بلدان إفريقية ويمنحوا صندوق النقد الدولي قروضاً باهظة، ويوهمونا بإنجاز طريق سيار شوَّهتْه الحُفَر، وهو الأغلى في العالم حسب بعض التقديرات، وببناء مسجد بأياد أجنبية، يبدو أنَّه الأعلى والأعظم أيضاً؟؟؟والبلاد كلُّها عامرة بالمساجد، ليقولوا اليوم إنَّ الخزانة فارغة بعدما دخلها أكثر من ألف مليار دولار.
ليس هناك ما هو أقسى احتقاراً وإذلالاً لشعب الشهداء من تعديل الدستور لأغراض شخصية ونهب أمواله لشراء أفخم العقارات في الخارج، وإعادة مَنْ كانوا سبباً في هذه الكوارث ليُبشِّرونا اليوم بحل اقتصادي سحري،أيْ طبْع المزيد من الأوراق النقدية ليزداد الدينار هبوطاً، وربما سيهتدي صاحب هذا الحل السحري إلى الاقتطاع من أجور الموظَّفين كما فعل ذات عام، بدعوى الوطنية وما فرَّخه النظام الريعي البائس من شعارات فارغة ملأت ما يقرب من عشريتيْن ببُقع أكثر سواداً من العشرية السوداء.
ولشعب الشهداء أيْضاً مسؤوليتُه فيما يجري بما فيه من أحزاب تدَّعي المعارضة وتسبق إلى ما يتساقط من فتات مائدة السلطة. فالشعب هو الذي ظل ينساق وراء الشعارات البرَّاقة وبقي يُعلِّق آماله، بل آلامه على مجيء المهدي المنتظر، إلى أنْ جاء فخدع الناس بالخُطب الرنَّانة والأخلاق الزائفة التي لا أصل لها ولا فصل، في عصْر ليس عصْر الزعامات إلا لمن كان مريضاً بتضخُّم الأنا.
فماذا بعد عشرية سمَّيْناها سوداء لما سال فيها من دم بالسكين وبالرصاص، وأخرى لم نجد لها اسماً وقد أعقبتها واستغرقت مدَّة أطول ، تُرِك فيها الدم ينزف بالوعود الكاذبة والحرص على التشبُّث بالكُرْسي على حساب الوطن.
للأسف أنَّ الشعب اقتنع بالخديعة المعروفة: إمَّا نحن الذين سننجيكم، أو الإرهاب الذي سيلتهمكم.وكأن ليس في هذا البلد العريق من خيار ثالث.
فقال الناس: إنَّما نُفضِّلكم أنتم،ولو كنتم تكذبون، ولو كنتم تعتمدون لغة"الشكارة" مقياساً لتأسيس مجالس الزيف والتصفيق، ولو كنتم الوجْه الآخر للإرهاب.
فالفرْق كلُّه،أنَّ الإرهاب يقضي على مؤسسات الدولة على عجل ليعيدنا إلى كهوف القرون الوسطى، وأنتم تقتلونها بالتقسيط.الإرهاب يريد أنْ يلتهمها في وضح النهار، وأنتم تمتصُّون دماءها فيما يشبه غفلة من الليل.
فهل انقضت العشرية السوداء فعلاً، أم أنَّها لبِسَتْ ثوْياً آخر ليمتدَّ عمرُها عشريتيْن أو أكثر.وماذا يفعل هؤلاء الحُكَّام إذا ما اضطرب الوضع- لا قدَّر الله- سواء بفعل الدواعش وأشباههم أو بفعل غيرهم؟ 
الحل واضح بالنسبة لهم وقد حضَّروا له منذ اللحظة التي لم تبْقَ فيهم بذرة من الروح الوطنية. فإنَّهم، إمَّا أنْ يتحالفوا مع الشيطان، أو يغادروا إلى حيث احتاطوا لإقامتهم المفضَّلة هناك.
وحينئذ لا نحتاج لا إلى تحليل مُطوَّل ، ولا إلى تفلسف مُعمَّق، كيْ نتعرَّف على الخاسر.

 

 

شوهد المقال 376 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الحركة الاسلامية في السعودية2

 أ.د . وليد عبد الحي في أطروحة الدكتوراة التي تقدم بها الباحث الفرنسي Stephane Lacriox تحت عنوان " Le Islamistes Saoudiens;Une Insurrection Manquee والمنشورة
image

وليد عبد الحي ـ أزمة تركيا بين الاقتصاد والسياسة

 أ.د. وليد عبد الحي  شكل التراجع المتتالي والكبير لقيمة الليرة التركية والذي بلغ قرابة 80% من قيمتها طيلة هذا العام وقاربت على 7 ليرات
image

رضا بودراع ـ هل ستصمد تركيا أمام البنك المركزي الحربيد

  رضا بودراع ١- تركيا كنتونات اقتصادية وسياسية مؤدلجة، والحرب الضروس الآن على مفاتيح القوة الخمسة، والذي قبل أردوغان بسيادتها عند مجيئه إلى محاولة الانقلاب
image

محمد إلهامي ـ في مسألة الليرة التركية، بعض أمور غائبة

محمد إلهامي   1. بداية يجب علي أن أعترف بأن أمر الاقتصاد هذا مما أشعر أنه لم يُيَسَّر لي رغم بذلي المجهود في فهمه واستيعابه، وإني
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل لصنع القرار العقلاني (1)

 د.رياض حاوي   سلسلة محاضرات قدمها البروفيسور الاقتصادي رندال بارتلات وهو خريج جامعة ستانفورد ودرس بجامعة واشنطن وحاليا يدرس بمعهد سميث منذ اكثر من ثلاثين
image

وليد عبد الحي ـ عسكرة الصعود السلمي للصين

 أ.د. وليد عبد الحي  يغلب على أدبيات الدبلوماسية الدولية الصينية نزعة سلمية تتمثل في عدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية وتعزيز
image

ثامر رابح ناشف ـ حكومة الانتداب، نعم حكومة "انتَ-دَابْ"!

د.ثامر رابح ناشف  لم نزايد يوما لما أعتبرنا أن الجزائر خاصة من سنوات التسعينات تدار بحكومات انتداب لنصل في أخر المطاف لحكومة تدار
image

يسين بوغازي ـ الثقافي الجزائري والوزير الشاعر

  يسين بوغازي   كان مجيئه عند أواخر الألفين وخمسة عشر " وزيرا للثقافة " كان مجيئه مكررا ؟ وكانت يومها عاصمة
image

نبيل نايلي ـ لا أعذار بعد اليوم..أما آن لهذا العبث الدامي أن ينتهي؟!

  د. نبيل نايلي   "إنّ الاستهداف الذي تمّ اليوم في محافظة صعدة عمل عسكري مشروع لاستهداف العناصر التي خطّطت ونفّذت استهداف المدنيين ليلة البارحة في
image

فريد بوكاس ـ الإعلام المغربي والدعارة المخزنية ، جريدة الخبر بريس نموذجا

فريد بوكاس إن الإعلام قبل كل شيء هو وسيلة اتصال بين الجماهير والفئات الاجتماعية والعالم الخارجي، إذ يشكل هذا الاتصال بالأساس قاعدة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats