الرئيسية | الوطن الثقافي | مادونا عسكر- الإنسانيّة ومرحلة العبوديّة الخاضعة

مادونا عسكر- الإنسانيّة ومرحلة العبوديّة الخاضعة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

مادونا عسكر- لبنان



تأصّلت العبوديّة في الشّعوب القديمة وامتُلك الإنسان من قبل الإنسان، وسُخّر لأجل غايات عديدة كالأشغال الشّاقة، والحروب، والزّراعة وسواها. والعبد مسلوب الحرّيّة شكّل ملكيّة خاصّة لسيّده ضمن ممتلكات عديدة. ولا ريب في أنّ السّعي للقضاء على الرّقّ مرّ بمراحل عديدة حتّى وصلت الإنسانيّة إلى مرحلة التّخلص من هذه الخطيئة الشّنيعة ضدّ الإنسانيّة، أي العبوديّة، الّتي تجرّد الإنسان من إنسانيّته ومن قيمته المقدّسة الّتي منحه إيّاها الله. إلّا أنّ العصر الحديث يشهد عبوديّة من نوع آخر،اتّخذت شكلاً مغايراً لمفهوم العبوديّة كما عرفته الشّعوب.

في بحثه عن الحرّيّة، لم يتنبّه الإنسان بشكل عامّ إلى شكل الحرّيّة الّتي يسعى إليها. فالتمس حرّيّة مرادفة للفعل الإراديّ الحرّ، الّذي قد يكون غالباً مقيّداً بالظّروف الاجتماعيّة، والسّياسيّة. وبالتّالي فهو فعل حرّ ظاهريّاً، إلّا أنّه في العمق يخضع لظروف عدّة تؤسّس لخبرات عديدة تؤكّد للإنسان لاحقاً أنّ هذا الفعل الإراديّ خلا من التّجربة. فالثّورات الّتي اندلعت على مرّ التّاريخ حتّى يومنا هذا لم تحقّق الحرّيّة للإنسان كما يُظنّ. ولم تؤدِّ إلى نتائج يستطيع من خلالها الإنسان الاعتراف بأنّه حصل على حرّيّته وتخلّص من العبوديّة. لقد انتقلت العبوديّة من مرحلة إلى مرحلة وتطوّرت إن جاز التّعبير. فمن عبوديّة الإنسان للإنسان، وشراء حرّيّته بالمال، إلى عبوديّة أشدّ فتكاً في الإنسانيّة، وأخطر من تلك الّتي يذكرها التّاريخ على أنّها منتهى الانحطاط الإنسانيّ.

في زمن الحرّيّات المختلفة الأشكال، كحرّيّة الفكر والتعبير، والحرّيّة الشّخصيّة وما إلى ذلك، يخضع الإنسان إراديّاً إلى عبوديّة مرَضيّة. وبقدر ما يسعى إلى حرّيّته المزيّفة يتوغّل في العبوديّة.

إنّه زمن العبوديّة بامتياز.

لقد اختار الإنسان عن وعي أو غير وعي أن يقيّد ذاته بسلاسل من ذهب ظنّاً منه أنّه تحرّر من قيود عدّة. في حين أنّه سجن نفسه بنفسه وكبّل شخصه في ثلاثة عناصر أساسيّة: الأنا، والوقت والآلة.

- عبوديّة الأنا:

من المهمّ أن نفهم أنّ الإنسان كائن يولد حرّاً بمعنى أنّه يولد متفلّتاً من مجتمعه وتأثيراته، وتقاليده ومميّزاته الخاصّة. لكنّه ما يلبث أن يلبسها وتلبسه ويتأثّر بها، وإمّا ينغمس فيها أو يسعى إلى التّحرّر منها. ومع الاختبارات الشّخصيّة تتكوّن أناه منطبعة بالمحيط والاكتساب المعرفيّ والتّجربة الشّخصيّة. بيد أنّ إنسان اليوم مسجون بأناه حدّ الانعزال الضّمنيّ عن العالم حتّى وإن بدا لنا اجتماعيّاً. فالتّمحور حول الذّات والولع بها يسهم في بناء سجن عميق شئنا أم أبينا يدخله الإنسان إراديّاً حتّى يموت فيه.

تسيطر الأنا اليوم على الشّخص بما يفوق قدرته على تبيّن الصّواب من الخطأ. فيركّز على شكله الخارجيّ، وتحقيق رغباته بغضّ النّظر عمّا إذا ما كانت تساهم في بناء إنسانيّته أم لا. فينحصر تركيزه على تحسين شكله الخارجيّ مستعيناً بكلّ ما أمكن للظّهور بصورة أفضل. في حين أنّ الدّاخل يهترئ ويتلاشى. وتحت شعار الحرّيّة الشّخصيّة الملتبس، ينتهك قيمة إنسانيّته ليكون حرّاً. تحتاج ممارسة الحرّيّة الشّخصيّة إلى عقل اختزن ما يكفي من المعرفة حتّى يتبيّن الصّواب من الخطأ، كما يعوزها روح حرّة تفلّتت من الأغلال الدّنيويّة بمعنى أنّها تأخذ منها كفايتها دون أن تتحوّل الحاجة إلى سيّد مستبدّ. والرّوح الحرّة تميّز بين الرّغبة والانحلال، وبين الحاجة والفوضى الغرائزيّة. وتتبيّن أنّ الحرّيّة الشّخصيّة تمتاز أوّلاً وآخراً باحترام الأنا كقيمة مقدّسة غاية وجودها البحث عن الجمال واكتشافه.

يمارس إنسان اليوم حرّيّته الشّخصيّة بجهل مقيت. وكلّما أراد أحدهم أن يظهر ذاته حرّاً يجنح إلى تبرير السّلوكيّات الإنسانيّة الّذاتيّة على أنّها حرّيّة شخصيّة. فيدافع عن الإجهاض والمثليّة الجنسيّة ومحاربة الآخر وغيرها من السّلوكيّات الّتي لا تمتّ إلى الحرّيّة بأيّ صلة. فتبقى حرّيّته الفكريّة مجرّد نظريّة يتباهى بها أمام المجتمع العارف بواقعه التّعيس. ومن ناحية أخرى، تشكّل هذه الأنا عبئاً على الإنسان لأنّ متطلّباتها الظّاهريّة إلى ازدياد، كعمليّات التّجميل ومتابعة الموضة بشغف وامتلاك ما يمتلك الآخر، إلى ما هنالك من منافسات على المستوى الظّاهريّ تبني الأنا الخارجيّة بمعزل عن العمق الشّخصيّ. لقد ضيّع الإنسان بوصلته وغرق في مستنقع الأنا الجائعة إلى الظّاهر فاهترأ العمق كي لا نقول مات.

- عبوديّة الوقت:

لا ريب في أنّ الوقت عنصر مهمّ في التّنظيم الحياتيّ، ولكنّه قاتل لا محالة؛ لأنّه مهدور في الأمور التّافهة والسّطحيّة . يهدر إنسان اليوم الكثير من الوقت في متباعة الوسائل الإعلاميّة الممنهجة في تعزيز الجهل من جهة، وفي الانغلاق على الأنا من جهة أخرى. ولو تأمّلنا بدقّة وعلى مدى أربع وعشرين ساعة من البث المتواصل وقيّمنا ما يعرض علينا من هذه الوسائل، لاحظنا مدى عبوديّتنا للوقت المهدور وتلمّسنا فراغنا المعرفيّ والثّقافيّ.

بالمقابل، تحوّل الوقت إلى عدوّ شرس، يسجننا في دقائق نجري خلفها لتحصيل الأموال من أجل إشباع رغباتنا الّتي لا تنتهي. يقال إنّ متطلّبات الحياة زادت وكثرت، ولا شكّ في ذلك. لكنّ مقياس الحرّيّة يكمن في كيفيّة فرز المهمّ من الحاجات والسّعي لتلبيتها وإقصاء الذّات عمّا لا تحتاج إليه. وإلّا فنحن عبيد للوقت الّذي يجرّنا من أعناقنا إلى موتنا الرّوحيّ.

- عبوديّة الآلة:

تحوّلت الآلة الّتي اخترعها الإنسان إلى نقمة سلبته حرّيّته لأنّه ما عاد بإمكانه العيش دونها. هذه الآلة الجماد تستغلّ الإنسان في كلّ لحظة حتّى بات مماثلاً لها أي ما يشبه الجماد. وقد أخذ الإنسان على تطوير الآلة الّتي كانت هي كذلك تعيد تشكيله ليصبح عبداً لما خلقه بيديه، ففقد قدرته على تلمّس الجمال، وضلّ طريقه نحو الخلق والإبداع. كما فقد إرادته على  وضع أهداف وتحقيقها. لقد سرقت الآلة من الإنسان الحلم، والخيال، والرّغبة في الإنتاج الشّخصيّ. وإذا اندثر الحلم والخيال، فكيف يمكن للإنسان بعدُ أن يتحدّث عن الحريّة وهو مستعبد للجماد؟

لعلّ الإنسان يعيش كذبته الكبرى ومعبودته الوثنيّة العليا تلك المسمّاة "الحرّيّة"، فكيف يكون حرّاً وهو رازح تحت أغلال صنعها بحكمته الضّالّة، وأجاد تسويقها على نفسه ليكون عبداً؟ إنّه يمارس عبوديّته، وهو يغنّي ولكنّه في الحقيقة يندب روحه برثاء لا ينتهي.

 

شوهد المقال 350 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد بوعديلة ـ عن الدكتور يوسف وغليسي ووفاء الرجال..للمعلم الأنيق عبد الملك مرتاض

د.وليد بوعديلة عن الدكتور يوسف وغليسي...أو وفاء الرجال...للمعلم الانيق عبد الملك مرتاضجمع الأعمال السردية الكاملة لعبد الملك مرتاض بجامعة قسنطينة عندما تلتقي
image

ايمان بدري ـ مقتطع من الوقت

  ايمان بدري سلاما على نفس اندثرت بين غبار الماضي و اعماق الضلام, حيث لا يوجد غير تلك الذكريات المنكسرة..... ذكريات امست اشلاء منتشلة من اللحضات
image

فريد بوشن ـ ما وراء منع المقاهي الأدبية بعاصمة الحماديين "بجاية"؟؟

 فريد بوشنتتعرض الجمعيات الثقافية الناشطة بولاية بجاية, منذ سنوات, وبوجه الخصوص تلك الجمعيات المنضوية تحت لواء الدفاع عن الكلمة المكتوبة " دواوين شعرية, روايات, ونصوص
image

أحمد حمادة ـ الإجتماع الرباعي في تركيا هل هو استئناف لعملية السلام من خلال جنيف ؟

 العقيد أحمد حمادة * أعلنت الرئاسة التركية عن قمة رباعية تعقد في 27 تشرين الحالي بعدصدور بيان مشترك من 8 من دول الاتحاد الأوروبي حول
image

حمزة حداد ـ اويحي وولد عباس هل تحدثا باسم الرئاسة أم سطا على صلاحيتها

 حمزة حداد    اليوم تحدث ولد عباس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني في ندوة صحفية عن أنه لا حل للمجلس الشعبي الوطني قائلا :" حل
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بلاد الروح

محمد محمد علي جنيدي – مصر         في بلاد الروح ادور واجري فيها أمشي بين الناس وروحي مش لاقيها كل لحظه تعدي طيفها يمر بيه مر
image

للتاريخ! مع تحيات المادة 102 من الدستورالجزائري المغتصب

 للتاريخ!مع تحيات المادة 102 من الدستور المغتصب.  المادة 102:" إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا،
image

جمال الدين طالب ـ الإسرائيلي يوفال هرري.. يفقد عقلانيته عند سؤاله عن فلسطين .. ملحد لكنه يؤمن أن الله وعد اليهود بفلسطين

جمال الدين طالب يُقدّم الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوا هراري على أنه "أهم مفكر في العالم حاليا"، كما وصفته مجلة "لوبوان" الفرنسية. كتبه تحقق مبيعات
image

يسين بوغازي ـ بوحجة ــــ اويحيـي ـــــ ولد عباس حواش من صراع في البرلمان ؟

يسين بوغازي     بدأ مند ما يقل عن شهرا ، صراع سياسي  في البرلمان الجزائري ، ففتحت  بوابات هذه الأزمة في
image

عزالدّين عناية ـ نهضة الزيتونة.. أو كيف نخرج الحيّ من الميّت

  د. عزالدّين عناية*   بموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats