الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر ـ هو التراث: فلا تقديس ، ولا تدنيس 2/9

مخلوف عامر ـ هو التراث: فلا تقديس ، ولا تدنيس 2/9

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د . مخلوف عامر 


يحتوي التراث على أصناف من المؤلفات وألوان من المواقف ،فيه نقاط مضيئة وبُقَعٌ أخرى مظلمة.نلتقي فيه مثقَّفين وفقهاء لم يكونوا إلا امتداداً لنفوذ الحُكَّام، وآخرين جهروا بالرأي وتصدّوا للحاكم الجائر.فما أكثر الذين سُجنوا وعُذِّبوا وقُتلوا بدعوى الكُفر والزندقة.والفوارق موجودة حتى لدى الأئمة الكبار مؤسِّسي المذاهب الأربعة.
وقد يظهر التناقض لدى الإمام الواحد: فـ (مالك بن أنس) الذي لم يعترف بصيام الأيام الستَّة من شوال،لأنها تصبح زيادة في رمضان، وقال:((من يبني جداراً في ملكه ليمنع الشمس مُعْتدٍ آثم وإنْ زعم أنه يحمي أهل بيْته من أعْيُن الجيران))، هو نفسه الذي رأى أنَّ حمْل المرأة قد يستمرُّ ثلاث سنوات فسخروا منه.
والإمام(زيد بن علي زين العابدين) هو الذي ردَّ على الخليفة المنصور حين تساءل الخليفة:
((
لماذا خلق الله الذباب؟)) فأجابه قائلاً:((ليُذلَّ به الجبابرة)).والإمام الشهيد (أبو حنيفة النعمان)،دعا إلى المساواة بيْن الرجل والمرأة،وأفتى بأنَّ الوزير لا تصحُّ شهادتُه لأنَّه يقول للخليفة أنا عبْدُك)).(1)
وكذلك (جمال الدين الأفغاني)الذي مرَّ به السلطان العثماني وهو يلهو بسبحته فاغتظ لكونه لم يقف لحضرته مُقدِّراً ومُعظِّماً، فلمَّا نبَّهوه إلى تصرُّفه غير المقبول علَّق قائلاً: ((يا سبحان الله إن جلالة السلطان يلعب بمقدرات الملايين من الأمة على هواه،وليس من يعترض منهم،أفلا يكون لجمال الدين حق أن يلعب في سبحته كيف يشاء؟!))(2)
عندما نُقلِّب الكتب القديمة، سنجد فيها ما يُرضي وما لا يُرضي. لكنَّ القضية ليست فيما ترتاح إليه الذات القارئة أو تنزعج منه،بل في مقاربة النصوص–قدْر الإمكان- في ضوْء عصرها.
فمن يطالع رحلة (ابن بطوطة1304-1377)مثلا، سيصادف وقائع عاشها هذا الرحالة وأخرى سمعها،بحيث يمتزج الواقعي بالخرافي. فميزان العقل لا يصدِّق ذِكْره((النساء ذوات الثدْي الواحد)) ، ويصعب أن يقبل بأنَّ جماعة من السودان أهداهم السلطان خادمة فذبحوها وأكلوا لحمها وأنهم من قوم يستلذُّون من لحم الآدميين الكفَّ والثدْي.(3) كما يصعب على المرء أنْ يُصدِّقه ولو أكَّد ً رؤيته الحدث بعيْنه كأنْ يقول مثلاً: ((ولما كنت بصين كلان سمعت أنَّ بها شيْخاً كبيراً قد أناف على مائتيْ سنة، وأنَّه لا يأكل ولا يشرب،ولا يحدِّث، ولا يباشر النساء،مع قوَّته التامة،وأنَّه ساكنٌ بغار في خارجها يتعبَّد فيه، فتوجَّهْت ُ إلى الغار فرأيْتُه ببابه،وهو نحيف شديد الحمرة،عليه أثر العبادة وله لحية، فسلَّمتُ عليه..الخ))(4
فالحكاية تنطوي على مغزى وتنبني على أُسس، وإليك هذا النموذج:
((
حدثني الثقات من أهلها كالفقيه عيسى اليمني، والفقيه المعلِّم عليّ،والقاضي عبد الله،وجماعة سواهم،أنَّ أهل هذه الجزائر كانوا كُفَّاراً،وكان يظهر لهم في كل شهر عفريت،من الجنِّ يأتي من ناحية البحر،كأنَّه مركب مملوء بالقناديل،وكانت عادتُهم إذا رأوْه أخذوا جارية بكْراً فزيَّنوها وأدخلوها إلى بدخانة وهي بيت الأصنام،كان مبنيّاً على ضفَّة البحر،وله طاق يُنظر إليه منه،ويتركونها هناك ليلة،ثم يأتون عند الصباح،فيجدونها مُفْتضَّة ميِّتة،ولا يزالون يقترعون بينهم فمن أصابتْه القُرْعة أعطى بنْتَه)).(5
ويواصل(ابن بطوطة) حديثه عن مغربي يُدْعى(أبو البركات البربري)، حضر إلى هذه الجزيرة وتطوَّع أن يُعوِّض البنت التي كان من المفروض أنْ يُضحُّوا بها للعفريت في إحدى الليالي، فلم يمسسْه العفريت بسوء، لأنَّه وجده مستغرقاً في قراءة القرآن. وطلب إليه السلطان أن يكرِّر ذلك، فلمَّا علم السلطان بفضله وبركته أكرمه وأسلم ثم أسلم معه جميع أهل الجزيرة.
إذا ما تأمَّلنا هذه الحكاية، فإنَّنا نراها تنبني على مرتكزات كيْ يحمل المتلقِّي على التصديق، وهي:
 
ينسب الحكاية إلى رجال ثقات(فقيه وفقيه معلِّم وقاض وآخرين سواهم).v
 
أهل المنطقة كُفَّار يعبدون الأصنام، لذلك يأتيهم العفريت.v
 
يأتيهم مغربي بربري من بعيد وهو صاحب بركات، لأنَّه يحفظ القرآن.v
 
السلطان اعتنق الإسلام وتبعه القومُ جميعاً، فاتَّقوا شرَّ العفريت.v
 
الخلاصة الضِّمْنية: "من أراد النجاة، عليْه أنْ يتسلَّح بحفظ القرآن"تماماً ما يعادل شعار اليوم: ((الإسلام هو الحل)).v 
إنَّه-وإن كان هذا الرحَّالة قد سمع هذا فعلاً- إلا أنَّ الواضح أنَّه لا يشكّ
ولا يُمحِّص وهو ما أدَّى ببعضهم إلى أنْ يصفوه بالرحالة الأمين.لكنَّ الواقع أنَّه إذا استحضرنا ذلك الزمن، فإنَّ الجغرافيا كانت مجهولة، والرحالة نفسه قد لا يُحدِّد بالضبط موْقعه من الكرة الأرضية التي لم يكن الناس يدركون أنها كروية.بل ربما كان كثيرون لا يزالون يتصوَّرونها فوق قرن ثوْر حتى إذا ما تعب ونقل الأرض إلى القرن الآخر حدثت الزلازل.
ثمَّ، إنَّه زمن انتشر فيه الإسلام في المشرق والمغرب واكتسح مساحات شاسعة، فضلاً عمَّا ابتكره العرب المسلمون في مختلف مجالات العلم والمعرفة بعد امتزاجهم بغيرهم من الأمم وأصبح التراث مشتركاً بينهم. بحيث لا يمكن أن يُنسب إلى جنس بعيْنه أو دين ولو كانت العربية حاضنته.
فانتصار الحكاية للإسلام -ولو على أساس خرافي- يكون له أثرُه في العقول والنفوس ويلعب دور الدِّعاية للدِّين.
فإذا ما انتقلنا إلى زمن آخر ورحْلة أخرى، هي رحلة:(شهاب الدين أحمد بن قاسم الحَجْرِي أو الحَجَرِي ولد بالأندلس سنة1569)(6) وتُسمَّى(رحلة أفوقاي الأندلسي، مختصر الشهاب للقاء الأحباب) فهو مختصر لكتابه السابق المفقود:(رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب). ويُعد من المصادر التاريخية بعد صدور القرار بطرد العرب المسلمين من الأندلس. كما يحمل التحقيقُ عنواناً آخر هو:(كتاب ناصر الدين على القوم الكافرين، وهو السيف الأشهر على كل مَنْ كفر).
الفكرة المركزية في الكتاب هي المناظرات حول المسيحية والإسلام، ومحاورة اليهود بفرنسا وهولندة ومحاورة المنجمين.وفيها يتفوَّق المسلمُ عليهم جميعاً.
فاللافت في هذه الرحلة، أنّهَ بالرغم من هزيمة المسلمين وإخراجهم من الأندلس إلا أنَّ الحوار قد أخذ يحلُّ محل الخرافة،ويظهر (أفوقاي)واثقاً من نفسه مُعْتدّاً بحُجَجه. وإنَّه- ولو انهزم المسلمون- إلا أنَّ الإسلام يبقى أقوى من السلاح باستناد أهله إلى الأدلَّة العقلية
هكذا يمتدُّ التراث ببُعْده الخرافي كما في حكاية (ابن بطوطة)،إلى واقعنا اليوم، فنرى كثيرين ممَّن حفظوا بعض السُّوَر القرآنية يسترزقون بها في ممارسة الرقية، وقد شاع في فترة مضت أن بعض حفظة القرآن من المغاربة كانوا يختطفون الأطفال ويذبحونهم لطرد العفاريت التي تحرس الكنوز الدفينة ليتمكَّنوا من استخراجها، ناهيك عن تعليق الحروز وغيرها من مظاهر الشعوَذة القاتلة .كما نرى في الوقت نفسه سياسيين لا مشروع لهم غير أنْ يُدجِّنوا العامة بشواهد من القرآن والسنَّة وغرضهُم دُنْيوي محض.
لكنَّ الحالة القُصْوى تتمثَّل في الإسلام السياسي الذي أطل بوجْهه العنيف المتوحِّش، وهذا كتاب: ((إدارة التوحُّش))، يُنظِّر لاعتماد القواعد العسكرية المجرَّبة واعتماد الشدَّة وتحقيق الشوكة من أجل التمكين للخلافة، فيقول صاحبُه:
((
إدارة التوحش هي المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة،وتُعدُّ أخطر مرحلة فإذا نجحنا في إدارة التوحش ستكون تلك المرحل-بإذن الله-هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة،وإذا أخفقنا –أعاذنا الله من ذلك-لا يعني ذلك انتهاء الأمر ولكن هذا الإخفاق سيؤدِّي إلى مزيد من التوحُّش)).(7
هكذا من الخرافي/الأسطوري، إلى الحوار العقلاني، يستمر الإسلام يتأرجح بيْن أنصار التدرُّج للوصول إلى السلطة، وبين جناح متصلِّب يُعجِّل بالانقضاض عليها
فالفريق الأوَّل، يمارس انتهازية مفضوحة ويؤجِّل تطبيق الشريعة، في الوقت الذي يتحوَّل فيه المجتمع بوسائل أخرى غير الشريعة، والفريق الثاني الذي يطمح إلى استرجاع خلافة وهْمِية، عادة ما يصطدم بأنظمة ومؤسَّسات- وإنْ هي تراخت في القضاء عليه بقصد استعماله- إلا أنها تحرص دوْماً على أنْ ترسم له حدوداً لا يتخطَّاها.
وما لم تتحقَّق لديْنا دولة مؤسَّسات يتولاَّها نظام يتبنَّى مشروعاً للمستقبل محدد المعالم ويقطع مع الفكر الظلامي، فسنظلُّ فريسة يتنازعها المعقول واللامعقول، منشطرين بيْن أحلام وأوْهام، بين وعود كاذبة ومساعٍ خائبة.



1)
راجع : عبد الرحمن الشرقاوي،شخصيات إسلامية، أئمَّة الفقه التسعة، دار اقرأ بيروت –لبنان.
2)
مجموعة من الباحثين، دراسات في الإسلام، دار الفارابي،ص:169.
3)
رحلة ابن بطوطة،PDF-Nitro PRO(7.5.0.29) ،392.
4)
نفسه: 635 
5) ):
نفسه،ص:577
6)
رحلة أفوقاي الأندلسي، أحمد بن قاسم الحَجْرِي، دار السويدي للنشر والتوزيع،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى،2004[وقد استوْحى منها الكاتب التونسي(براهم، عبد الواحد (( روايته: تغريبة أحمد الحجري)).
7)
إدارة التوحش، أخطر مرحلة ستمرُّ بها الأمَّة، تأليف أبي بكر الناجي، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية،ص:5

شوهد المقال 678 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي - في رحيل آخر مفجري ثورة القيام النوفمبري الجزائرية . عمار بن عودة لمن لا تنساه الزغاريد

  يسين بوغازي أماسي القرى والمداشر والمشاتي مند النصف الثاني من عقد خمسينيات القرن العشرين  إلى عام الغياب الحزين ، ما تزال
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

نوميديا جرّوفي - أقراطٌ طويلةٌ

نوميديا جرّوفي -  شاعرة ، كاتبة،باحثة و ناقدة.              حملتُ معي أقراطي الطّويلة تلك التي يهواها
image

أطباء الجزائر المقيمين الذين أجبروا الدولة البوليسية على كشف وجهها الذميم.

 ربما هي اكبر مسيرة سلمية تشهدها العاصمة منذ سنوات و لكن لا توجد اي تغطية اعلامية لا في التلفاز و لا في الصفحات الكبرى الموالية
image

عزالدين عناية - أومبرتو إيكو والدين

  عزالدين عناية* نادرة المؤلفات التي باح فيها الكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو بما يختلج في صدره بشأن تجربته الدينية وتصوراته الوجودية -مع أنه
image

محمد مصطفى حابس - منتدى دافوس:"لعبة الأمم ومستقبل نظرية (القوة الذكية) للتعايش في عالم متصدع"

محمد مصطفى حابس : دافوس/ سويسرا   اسدلت في مديمة دافوس السويسرية فعاليات الدورة الـ48 للمنتدى الاقتصادي العالمي ستارها مساء الجمعة بحصيلة متباينة حول نتائج
image

عادل السرحان - كبير ياعراقيين

 عادل السرحان            كبير ياعراقيينأن طالت مآسيناوصارالليل حاديناونور الصبح قالينابه ضاءت خواليناونحن النور مذ كناكبير ياعراقيينوهم من قبل قد كانوا وهذي الناس واغلة ضباع في بوادينافوق
image

شكري الهزَّيل - غُل وأغلال وغلال : لَقَّموة الهزيمة وهضموا حقوقة وقالوا لة هذه سنة الحياة يا عربي؟!

د.شكري الهزَّيل بادئ ذي بدء لا بد من القول ان الكثيرون في العالم العربي لا يدركون مدى الضرر الهائل اللذي لحق ويلحق بالشعوب
image

عدي العبادي - قراءة في مجموعة اشيائي الاخرى للشاعر الدكتور عماد العبيدي

        عدي العبادي                          يقول الناقد الايطالي الكبير امبرتو
image

محمد بونيل - الساورة: صور ورسائل

محمد بونيل الساورة: صور ورسائلThe Saoura: Pictures And Messagesالصور: محمد بونيل/ فنان وكاتبPhotography: By Mohamed BOUNIL/Artist And Writer موسيقى: الأستاذ علا - عبد العزيز عبد الله

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats