الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر ـ هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 1/9

مخلوف عامر ـ هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 1/9

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د . مخلوف عامر  

 

بعدما تساءلتُ في مقال سابق:((هل كل ما درسْناه كان مغلوطاً؟ !))قرأتُ بعض التعليقات التي أشكر أصحابها. ولكني وجدتُ بيْنها ما يحتاج مني إلى تعقيب من باب الاختلاف والتقدير معاً.خاصة ما قاله صديقي الدكتور(حبيب مونسي)،ليس لأنَّه صديق أحترم جهوده وحسب، وإنما، لأنَّه أكاديمي أصدر أكثر من عشرين كتاباً، فقد علَّق قائلاً:
((عندما نكشف مصادرهم تتساقط الدعاوى تباعا أنها مصادر شيعية وأخرى مسيحية أرثودوكسية وقبطية... وأهدافهم واضحة ومن تابعهم من يساريين وعلمانيين من العرب والمسلمين)).

فيا صاحبي،كل هذا الخليط من البشر على اختلاف مشاربهم يوضعون في سلَّة واحدة هدفها التآمر على الإسلام.فلم تبْقَ إلا الفرقة الناجية، فهي وحدها تملك الحقيقة المطلقة، فلا يأتيها الباطل من بيْن يديْها ولا من خلفها.
إنَّه لغريب أنْ نتصوَّر وكأنَّ سهام الدنيا كلَّها موجَّهة صوْبنا، بينما نحن لسنا في هذا العالَم سوى مستهلكين ضعاف، نقبع اليوم في آخر درجات السلَّم الحضاري ولم ندرك أنَّ مثل هذه الكليشهات الجاهزة أصبحت تفقد تأثيرها تدريجيا ولن تكون كافية ولا كفيلة بالدفاع عن الإسلام.فهل فينا-حقّاً- ما نُحْسد عليْه؟
ثم يضيف د. حبيب مونسي:
(( تكفي جولة مع الطبري أو ابن الأثير أو غيره ليسقط قناع هؤلاء المتباكين على المخبوء))

لكنَّ القضية-فيما أرى- ليست تباكياً على المخبوء، بل لماذا يبقى المخبوء مخبوءاً طول الدهر؟ولماذا يعمد كثيرون إلى إخفائه؟ أم أنَّ الصورة المثالية الموروثة يريدونها ناصعة البياض لا شية فيها؟
طيب يا سادتي، فلْنَذْهب في جولة لزيارة الأوائل الذين لم يتركوا شيْئاً للأواخر، أو لم يغادروا من مُتَردَّم كما قال (عنترة)،وفي حدود ما يسمح به هذا الحيِّز الذي وفَّرَه لنا "الكُفَّار".
ومادمتُ جئت بمثال من الطبري في مقال سابق حول معركة صفين ومقتل(علي بن أبي طالب)، ولأنَّ (ابن الأثير) يكرر القصة نفسها، سأتجاوزه إلى مثال آخر من كتابه:((الكامل في التاريخ)). وهو كتابٌ بقدر ما يسرد وقائع،بقدْر ما يطير بنا أحياناً عبر خيال عجيب.
عاش ابن الأثير في الفترة بيْن(555هـ - هـ630 وهو في كتابه المعروف:" (( الكامل في التاريخ)) يبدأ منذ ابتداء الخلْق إلى سنة 628 هـ، أيْ حتى قبل وفاته بعاميْن.
فهذا الكتاب الذي يمتدُّ على آلاف الصفحات لتغطية مدَّة زمنية مماثلة لَيَدلُّ –حقّاً- على قدرة هائلة في تجميع المعلومات. غير أنَّ هذه القدرة الموسوعية يخبو بريقها حين نعلم أنها تستند إلى الشفوي أكثر من المكتوب ولا تخضع لمنهج علمي مضبوط كما تقتضي شروط الكتابة التاريخية في عصْرنا.لذلك يقابلنا ابن الأثير بوجْهيْن: أحدهما واقعي والآخر خيالي.
أولاً: ابن الأثير والوقائع
يتعرَّض في أحد الفصول إلى ما جرى في سقيفة بني ساعدة، فينقل جوانب من الصراع الذي دار بيْن المهاجرين والأنصار حول الخلافة بعد وفاة النبي.ولمَّا احتدَّ الخلاف بينهم،تقدَّم الأنصار،((فقالوا منا أمير ومنكم أمير ،فقال أبو بكر : منا الأمراء ومنك الوزراء))[المجلد الثاني،ص: 189]
((فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودُفن يوم الثلاثاء، وقيل بقي ثلاثة أيام لم يُدْفن، والأول أصح))المجلد الثاني، ص:195

عندما يقول "والأول أصح" فهو يعني أنَّ الدفن كان يوم الثلاثاء، لكنَّه لا يفصِّل القول في بقائه ثلاثة أيام.لأنَّ الصحابة كانوا منشغلين في السقيفة بضرورة الحسْم في قضية السلطة إذْ لم يكن الدين لحظتها حاضراً إلا بوصفه مطيَّة للوصول إليها.
هنا كان المؤرِّخ واقعياً، لأنه خبرٌ تناقلتْه الألسنة ويتعلَّق بحدث جلل،وسبق أن كتبوا عنه قبْله فلا يستطيع أنْ يتغافل عنه ولو أنَّه يورده بلا نقد ولا تعليق.
لو جاء هذا الكلام على لسان شخص عادي لوُجِّهت إليه شتَّى التهم.لأنَّ كثيرين يريدون له أنْ يبقى مخبوءاً، ربَّما كيْ لا تُثار الفتنة لأنَّ((الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها)).
وإذا ما صادفْنا متديِّناً متعصِّباً-وهنا لا أقصد شخصاً بعيْنه-وتأمَّلْنا سلوكه في عمقه وحقيقته فهو لا يخاف على دين لا خوف عليْه، بل يخاف على مسلَّمات تسكنه ويخشى عليها أنْ تتزعزع.
فهل حدَّثونا عن هذه القضايا ونحن على مقاعد الدراسة؟ وهل يوجد منهاج تعليمي في البلدان الإسلامية يتضمَّنها؟أمْ أنَّ الصورة المثالية الجميلة التي ارتسمت في أذهاننا عن هذه الحقبة لا يجوز النبْش فيها؟حتى إذا ما بادر الآخر بنشرها نثور نحن ونسارع إلى القول إنها موْجودة لديْنا منذ زمان.
ثانياً: ابن الأثير والخيال:
من المعروف أنَّ أطول آية تشرح ظاهرة الخلق هي: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))سورة ، المؤمنون[12-14 ].
لكنَّ (ابن الأثير) يبتعد عن هذه الآية لينسج حكاية غريبة فيقول:
((فلما أراد الله أن يخلق آدم أمر جبريل أن يأتيه بطين من الأرض،فقالت الأرض:أعوذ بالله منك أن تنقص مني وتشينني.فرجع ولم يأخذ منها شيْئاً وقال:يا رب إنها أعاذت منك فأعذتها،فبعث ميكائيل فاستعاذت منه، فأعاذها فرجع،وقال مثل جبريل، فبعث إليها مَلَك الموت فاستعاذت منه فقال:أنا أعوذ بالله أن أعوذ ولم أنفِّذ أمر ربي فأخذ من وجه الأرض فخلطه ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء، وبيضاء ، وسوداء، وطيناً لازباً فلذلك خرج بنو آدم مختلفين)).[المجلد الأول، ص:26]

هكذا يُنْهي مؤرِّخُنا قضية بدء الخليقة،فلا داعي للبحث في الحفريات والنقوش والسؤال عن أصل الإنسان.وقد أدخلنا بمخيِّلته في دائرة صار فيها الخالق ومخلوقاته يمارسون ضرْباً من المساومة التجارية، ما من شأنه أنْ يستخفَّ بالعقل ويسيء إلى الدين نفسه.
- الله أمر جبريل أن يأتيه بطين من الأرض ليخلق آدم

-الأرض ترفض أن يُنتقص منها شيء فيشينها

- فبعث ميكائيل، لكنها رفضت أيْضاً

- بعث إليها مَلَك الموت فنفَّذ أمر ربِّه

-أخذ من أماكن مختلفة وبألوان مختلفة فجاء البشر مختلفين.

وبالنظر إلى السائد في مجتمعاتنا، يظهر أنَّنا نختار الوجه الخرافي ونُروِّج له، بيْنما نرمي الوجه الواقعي في كهوف المسكوت عنه.تماما كما قيل عن رجال الكنيسة الذين كانوا يتعمَّدون تعقيد القواعد اللغوية لتبقى المعرفة حكْراً عليهم فلا تنتشر بيْن الناس.
فالمشكلة ليست لدى القدامى الذين نعترف كما يعترف (أحمد أمين) بمزاياهم ويُنبِّه إلى ضرورة قراءتهم في ضوْء ظروفهم وفي حدود ما أتيح لهم من مُعطيات،ولكنَّه لا يُخْفي–في ذات الوقت- عيوبهم، إذْ يقول:
((قد يكون في عمل هؤلاء المؤرخين بعض مآخذ، كتلوين التاريخ ببعض العقائد أحياناً، وتعصبهم لقبائلهم أحياناً أخرى، وللخلفاء الذين يتصلون بهم أحياناً أخرى، وكبنائهم التاريخ حول الخلفاء لا حول الشعوب، وإهمالهم كثيراً من وصف النواحي الاجتماعية،وغلبة النزعة الدينية فيما يعرضون له من أحداث وضعف النقد..))[أحمد أمين، ضحى الإسلام،دار الكتاب العربي ، بيروت-لبنان، الجزء الثاني ، الطبعة العاشرة،ص: 359-360]

لم أشأْ أنْ أستشهد بمُفكرين بحثوا التراث بعقلية تنويرية جديدة مع ما بينهم من تفاوت أمثال: ( محمد أركون وطيب تيزيني وحسين مروة وهشام جعيط ومالك شبل ومحمد عابد الجابري وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد يوسف الصدِّيق وغيرهم.. لأنَّ هؤلاء كانوا ضحايا نعوت تشويهية وأحكام مسبقة تُقصيهم من دائرة المقروئية. فاكتفيْتُ بمن يُعَدُّون نماذج يُحْتذى بها أمثال: (مسلم والبخاري والطبري والقزويني وابن الأثير) فهؤلاء بالتأكيد لا علاقة لهم بالمسيحية الأرثودوكسية والقبطية... وليسوا يساريين ولا علمانيين .
يبدو أن بعض الآراء لم ترْقَ بعد إلى ما جرى بين المعتزلة وخصومهم قديماً، ولا إلى ما جرى منذ قرن بيْن المصريين،لمَّا أصدر (علي عبد الرازق) :(( الإسلام وأصول الحكم))وما أثاره (طه حسين) عن الشعر الجاهلي.أو أنَّنا ننخدع ببريق العناوين ولا نتعدَّاها مثل: ((الكامل في التاريخ)) و((صحيح مسلم)) و((صحيح البخاري))، وكأنَّ الكامل لا نقْص فيه وأن الصحيح لا خطأ فيه.


===============
المصدر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، المجلد الأول ، الطبعة الأولى،1407هـ-1987 م

 

شوهد المقال 472 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي - في رحيل آخر مفجري ثورة القيام النوفمبري الجزائرية . عمار بن عودة لمن لا تنساه الزغاريد

  يسين بوغازي أماسي القرى والمداشر والمشاتي مند النصف الثاني من عقد خمسينيات القرن العشرين  إلى عام الغياب الحزين ، ما تزال
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

نوميديا جرّوفي - أقراطٌ طويلةٌ

نوميديا جرّوفي -  شاعرة ، كاتبة،باحثة و ناقدة.              حملتُ معي أقراطي الطّويلة تلك التي يهواها
image

أطباء الجزائر المقيمين الذين أجبروا الدولة البوليسية على كشف وجهها الذميم.

 ربما هي اكبر مسيرة سلمية تشهدها العاصمة منذ سنوات و لكن لا توجد اي تغطية اعلامية لا في التلفاز و لا في الصفحات الكبرى الموالية
image

عزالدين عناية - أومبرتو إيكو والدين

  عزالدين عناية* نادرة المؤلفات التي باح فيها الكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو بما يختلج في صدره بشأن تجربته الدينية وتصوراته الوجودية -مع أنه
image

محمد مصطفى حابس - منتدى دافوس:"لعبة الأمم ومستقبل نظرية (القوة الذكية) للتعايش في عالم متصدع"

محمد مصطفى حابس : دافوس/ سويسرا   اسدلت في مديمة دافوس السويسرية فعاليات الدورة الـ48 للمنتدى الاقتصادي العالمي ستارها مساء الجمعة بحصيلة متباينة حول نتائج
image

عادل السرحان - كبير ياعراقيين

 عادل السرحان            كبير ياعراقيينأن طالت مآسيناوصارالليل حاديناونور الصبح قالينابه ضاءت خواليناونحن النور مذ كناكبير ياعراقيينوهم من قبل قد كانوا وهذي الناس واغلة ضباع في بوادينافوق
image

شكري الهزَّيل - غُل وأغلال وغلال : لَقَّموة الهزيمة وهضموا حقوقة وقالوا لة هذه سنة الحياة يا عربي؟!

د.شكري الهزَّيل بادئ ذي بدء لا بد من القول ان الكثيرون في العالم العربي لا يدركون مدى الضرر الهائل اللذي لحق ويلحق بالشعوب
image

عدي العبادي - قراءة في مجموعة اشيائي الاخرى للشاعر الدكتور عماد العبيدي

        عدي العبادي                          يقول الناقد الايطالي الكبير امبرتو
image

محمد بونيل - الساورة: صور ورسائل

محمد بونيل الساورة: صور ورسائلThe Saoura: Pictures And Messagesالصور: محمد بونيل/ فنان وكاتبPhotography: By Mohamed BOUNIL/Artist And Writer موسيقى: الأستاذ علا - عبد العزيز عبد الله

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats