الرئيسية | الوطن الثقافي | رائد جبار كاظم ـ نقرأ لننام..أو نوم الأمم

رائد جبار كاظم ـ نقرأ لننام..أو نوم الأمم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. رائد جبار كاظم

 

 لقد أيقضني كلام وجواب احد الأصدقاء، حين رأيته يشتري الكثير من الكتب الثقافية والأدبية والفكرية، من المكتبات ومعارض الكتب التي تقام بين الفينة والأخرى، داخل العراق وخارجه،، فسألته حينها : ومتى تقرأ كل هذه الكتب ومن أين تأتي بالوقت، وأنت كثير الانشغال في حياتك اليومية والعملية والاجتماعية ؟! فأجابني بصدق وعفوية جميلة، أقرأ هذه الكتب قبل النوم، وكثيراً ما أقرأها لكي أنام. فصدمتني تلك الإجابة وأيقظتني، وأدركت معنى وحقيقة هذا القول، نعم الكثير منا يفعل ذلك (نقرأ لننام)، ولذلك تجد احدنا يضع بعض كتبه بقرب سريره، فهي أنيس وجليس في الوقت ذاته، تجذب لنا النعاس والنوم والاسترخاء، وهي شبيهة بحكايا وقصص الأمهات والجدات للأطفال قبل النوم، يقصن علينا من الكلام أجمله وأعذبه لننام، وعندما كبرنا استبدلنا تلك القصص والحكايا بكتب أدبية وثقافية، قصصية وروائية وبوليسية ورومانسية، تجعلنا نغط بنوم عميق، مليء بالأحلام السعيدة وخيالات الفرسان والعاشقين.

نعم، إننا نقرأ لننام، ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل وعلى مستوى الجماعات والمجتمعات، بعكس الأمم والمجتمعات الحية الفاعلة، التي تقرأ لتغير وتعمل وتصحو من نومتها، وتتقدم وتنجح في حياتها، وهذا ما يذكرني بالفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه (الجمهورية) حين رفض في برنامجه التربوي ضمن مدينته الفاضلة سرد القصص والحكايا الخرافية التي تضعف من عزيمة الأفراد، وتقلل من حماستهم وشجاعتهم، وتجعلهم لا يقبلون على الحياة بصورة حسنة، ويذكرني بأفلاطون أيضاً حين رفض البقاء في الكهف وظلمته، عندما سطعت عليه شمس الحقيقة ونور المعرفة، حين أدرك إن الحقيقة تقع خارج أسوار الذات، وقد يأتي من يأخذ بيدك نحو النور والحياة.  وهذا ما تسير عليه الأمم والشعوب الناجحة والمتقدمة اليوم، تنشر الأفكار والعلوم العملية والنافعة لخدمة الناس والمجتمعات، والتي تزيد في تقدمهم ونموهم الفردي والجماعي، بخلاف المجتمعات والدول المتخلفة التي تنشر الأفكار والعلوم التي تخدر الناس، وتجعلهم سكارى ومخدرين لا يفقهون شيئاً من الحياة ومنافعها، وهذا ما يؤدي إلى نوم الأمم والجماعات وضياعها، وعدم الاكتراث بما يجري في الحياة، فهم في وادٍ غير ذي نفع، ينامون على عسل الكلام، ويستيقظون على واقع مليء بالأوهام. 

 

أمم تقرأ لترقى، لتحيا، لتعمل، لتنجح، لتتطور، وأمم أخرى تقرأ لتنحدر، لتنام، لتغفوا، لتسكر، وهذه ثقافة يشب وينشأ عليها الأفراد والمجتمعات معاً منذ الصغر، فهي ثقافة بيت، وثقافة مدرسة، وثقافة جامعة،

 وثقافة دولة، وثقافة مجتمع وحياة، تُعرف المجتمعات والشعوب من خلال تلك الثقافة، ويكتشف أمر تقدمها من تأخرها، لترسم خارطة وجودها، ومسيرة حياتها، سلباً أو إيجاباً من خلال ما تمتلكه من معارف وعلوم وطاقات.       

 لقد غادرت الأمم والشعوب الحرة والحية، الأفكار والآراء الجوفاء التي تطيل في سكرة الناس وتخديرهم، وحاربت تلك الدعوات والموجات الخطابية والوعظية التي تدفن الناس في الحياة، وتزيد من تخلفهم ورقدتهم، لتعلن الثورة على تلك الأوهام والأصنام البشرية والفكرية، التي صاغها وعاظ السلاطين، وفقهاء السوء، وعلماء المكر والكراهية، فالثورة المعرفية والثقافية اكبر من كل الثورات، وهي التي تشعل فتيل الثورات السياسية والاجتماعية والإصلاحية داخل المجتمعات، وكل ثورة لم تسبق بثورة معرفية، لا قيمة لها ولا تؤتي أُكلها، وأخوف ما يخافه الظالمون هو تلك الثورة، لأنها وقود الثورات الأخرى.

 إن حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات لا تقتصر على الجانب البايلوجي فحسب، بل وعلى الحياة العقلية والروحية والمعرفية، وهذه الحياة هي أرقى بكثير من كل حياة، وبها ننفتح على كل نوافذ العالم، وهي ما تميزنا بعضنا عن البعض الآخر، وعن باقي المخلوقات والكائنات. فشجرة المعرفة والحياة دائمة الأُكل والخضرة، لا تنقطع أبداً، ولا تُغلق بوجه أحد، إلا لمن لا تصل يديه إليها، أو من تم تقييده ومنعه عن تلك النعمة، ولا نصل لسن الرشد الثقافي والحياتي والفكري إلا بتحطيم تلك القيود، وكسر الأصنام، ليرتد كل منا بصيراً، نحو النور والحياة والوجود.   

   

شوهد المقال 2645 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ، سيكولوجية العالم الافتراضي،تقسيم المجتمع ، L'abcès

 د. عبد الجليل بن سليم عندما بدأ الحراك لم تكن دوائر السلطة مهتمتا بامر الشعب لكن اهتمامها كان كيف تجد مخرجا للمشكلة و أهم شيء
image

خديجة زتيلي ـ لا بديل عن الدولة المدنيّة لقيامة إنسان جزائري جديد ..مقال منع نشره في مجلة ثقافية جزائرية

د. خديجة زتيلي  في الأسبوع الأخير من شهر أفريل المنصرم اتّصل بي الدكتور اسماعيل مهنانة يستكتبني في مجلة ''انزياحات'' الصادرة عن وزارة الثقافة الجزائريّة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats