الرئيسية | الوطن الثقافي | رواية "ق . م سيرة سجين سيّاسي" للرّوائي "لؤي عمران".

رواية "ق . م سيرة سجين سيّاسي" للرّوائي "لؤي عمران".

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

  نوميديا جرّوفي
شاعرة، مترجمة، باحثة و ناقدة.


الروائي "لؤي عمران موسى" من مواليد 1961 بالسماوة، العراق. يحمل شهادة في علم الحاسوب، له ترجمات أدبية عديدة من العربية للإنكليزية و من الإنكليزية للعربية، يكتب مقالات في المجالات الاجتماعية و السياسية في عدّة مواقع و صحف.
"ق.م.. سيرة سجين سياسي" هي أوّل رواية له و هو بصدد إنجاز عمل جديد قريبا.

"سيرة سجين سيّاسي" هي مُذكّرات حيّة من زمن كابوسي، زمن لم تندمل جراحه ليومنا هذا، زمن رعب حقيقي، زمن مخابرات أمنيّة  و تقارير سريّة، زمن سجون، زمن التعذيب، زمن ذهب فيه شباب و شيوخ و عوائل كثيرة.
إنّه الزمن الذي ذاق فيه الشّيوعي،و المعارضة العراقية أبشع أنواع العذاب.
عندما نقرأ العنوان جيّدا و نتمعّن فيه، نرى الغلاف من سجن مازال محفورا في الذّاكرة لم يُنس و لن يُنس.
(ق.م) حرفان من عدد من العنابر في سجن أبي غريب أُطلقت عليها علامات لتمييزها عن بعضها فهناك (م1، م2...)                   و (ق1،ق2،...).
الرّوائي "لؤي عمران" عاد بنا لتاريخ قديم جدّا ، أخذنا معه في سرد (بسّام) قبل أربعين سنة عندما كان فتى مراهقا ذو التسعة عشرة عاما حينها يحكي ما جرى له بطريقة تجعلنا نشاهد وثائقي لا نقرأ سرد مكتوب.
بعد سنين طويلة مضت، استجمع بسّام شجاعته للحديث عن كلّ ما حصل له حينها، و ذاكرته مازالت تحفظ الأحداث كلّها، و لم ينس  و لا لحظة من تلك السّنين، قرابة الثلاث سنوات قضاها في السّجن بعد أن كان يحلم بالجامعة.
"سيرة سجين سيّاسي" هي وثيقة حيّة و إدانة أخرى لأعتى الدكتاتوريّات في الشّرق الأوسط.. كي لا يعود دكتاتور ثانيّة.
إنّها ذكريات صدى السّنين الحاكي.
هي سرد لوقائع السّجن، فترة الإعتقال من مديرية الأمن العامّة     و قبلها في سجن الخناق في المثنى، ثمّ الصعود إلى محكمة الثّورة.
صدق شاعرنا الكبير (يحيى السماوي) حين قال: " علينا أرشفة هذا التاريخ كي لا يضيع".
أجل كي يبقى بصمة تأريخيّة للأجيال القادمة و ليقرأه العالم كلّه.
بسّام يتذكّر تفاصيل سجنه بروح غفور سمحة، لكأنّما علّمته السّنين أنّ الحياة مفهوم واسع، و أنّ أولئك الجلاّدين كانوا بشكل  ما ضحايا، تروسا صغيرة في آلة القهر و الدكتاتوريّة.
إنّها مذكرة حيّة في فترة مهمّة جدّا من التأريخ العراقي في ذلك الزّمن الرّهيب.
بعد سقوط الصّنم... و بعد أكثر من ستة و ثلاثين سنة مضت يبدأ السّرد...

سرد بسّام 

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عمل البعثيّون على السيطرة على كلّ شيء، و عملوا بصفة خاصّة للقضاء على الحزب الشيوعي و على كلّ شيوعيّ وكل معارض لنظامهم أيضا. فبثّوا شبكاتهم السريّة المسمومة لتعثر على كلّ من ينتمي للحزب الشيوعي لتسوقه للسجن و هناك العذاب الذي لا يمكن تصوّره من طرف وحوش همجيّون الحيوانات أشدّ رأفة منهم.
ففي ذلك العام الذي تمّت فيه مهاجمة مقرّات الحزب الشيوعي     و اعتقال عناصره فقد غادر من غادر العراق ، و قد أعدم من أعدم،   و اعتقل من اعتقل.
يومها كان بطل روايتنا و صاحب السّرد هنا بسّام يبلغ تسعة عشرة سنة و هو شاب من مدينة السماوة العريقة، كان قد أنهى الإمتحانات الوزارية و حلمه لا يتعدّى إكمال دراسته الجامعيّة ككلّ شابّ.
يتذكّر بسّام الساعة التي اقتحم فيها البعثيون بيته العائلي لأخذه للمديرية في قوله:

" الساعة حوالي الحادية عشرة صباحا كنتُ أراقب التلفزيون منتظرا نتائج الإمتحانات الوزارية و صوت أخي الصغير ينادي " جماعتك بالباب يردوك" رجلان لهما من الوجوه ما لا يبعث في النفس التفاؤل، كانا بارعين بعكس وجوه مخيفة ".

من هنا بدأ المسير نحو المجهول بالتحرك إلى المديرية فيبدأ القلق و الترهيب للاعتراف.

التعذيب:

في المديرية بدأ الكابوس و السير نحو المصير المجهول.
عندما قيل له (اعترف) لم يكن له ما يعترف به فأخذوه للمسلخ معصوب العينين مُقيّد اليدين و نفوسهم عطشى لسماع أصوات التعذيب و صرخات الموت.
فكيف لشاب صغير أن يتعامل مع نوع من الوحوش البشرية؟
هناك قيّدوه و علّقوه و تركوه فغاب عن الوعي و أيقظوه بعدها بركلة، ثمّ عادوا و علّقوه بطريقة أخرى و بدأوا في التناوب على تعذيبه، منهم من يضع قدمه على وجهه و آخر يبصق عليه و الجميع يضحك بقوّة و برغبة عالية مستمتعين بكلّ ما يجري حتى فقد وعيه.
و أخذوا يكرّرون معه حفلهم البغيض يوميّا و لعدّة أيّام . و بعدها قرّروا إرساله إلى النّظارة ليكون مع الآخرين.
بعد بدأ الحرب قرّروا إرسالهم ( بسّام و معه جبار سالم و محمّد) لسجن آخر من السماوة إلى سجن الخناق. في زنزانة صغيرة جدّا، رطبة، و رائحة العفونة فيه لا تُطاق.
و هناك أمضوا أكثر من تسعة أشهر، حيث لا حياة و لا موت و لا شمس و لا قمر و لا حاضر و لا مستقبل.
في تلك الغرفة الصغيرة كانت الأفرشة بالية، الرطوبة شديدة، البرد قارس ، الخنافس لا تُحصى و القمل يملأ الرؤوس.
يقول بسام:

" تسعة أشهر أو أكثر قليلا مضت، و نحن ننتظر الموت الذي قد تكون فيه نهاية للعذاب الذي نحن فيه، لا أحد يتصوّر ماذا و كيف و إلى أين تسير الأمور؟ حيث التعذيب متواصل جسديّا كان أم نفسيّا، فانتظار المجهول وحده يمنعنا من النوم كثيرا. ننام ليلا و الكوابيس تُرافقنا   و نستيقظ صباحا على أصوات الذين يُعذّبون تارة، و أخرى على أصوات أفراد الأمن و الشّرطة".
أدوات التعذيب في المسلخ:

غرفة المسلخ أرضها مغطات بقطرات الدم، و الجدران مطلية باللون الأسود، من السقف تتدلى سلاسل حديدية و من حمالة المروحة تتدلى قيود فولاذية. و عدد من الأنابيب البلاستيكية و الهراوات الخشبية منتشرة هنا و هناك في أرجاء الغرفة. مقاعد مدرسية،    و عمود خشبي مربوط ببعض الحبال، يشكلان الآلة التي تستخدم بما يسمى الفلقة. عدد من الشبابيك الصغيرة في وسط الجدران، تظهر منها واجهات لأجهزة كهربائية.

محكمة الثورة:

يقول بسام:

" صباح مثل كلّ صباح، ألم و خوف و انتظار. فُتحت باب الزنزانة، نادوا أسماءنا، عصّبوا أعيننا، قيّدوا أيدينا، و ضعونا في سيّارة. و تحرّكت السيّارة لتجوب شوارع بغداد، توقّفت أمرونا بالترجّل. رفعوا العصابة عن عيوننا، و إذا بنا في بناية مليئة بالرجال و النساء. الحزن           و الخوف، السّمة التي تعكسها وجوههم المتعبة، و نظرتهم الحائرة. عرفنا فيما بعد أنّها قاعة انتظار محكمة الثورة و هي أعلى محكمة عسكريّة في العراق".

هناك في محكمة الثورة حُكم على (بسام عمار موسى، جبار خضير عباس، محمد عبد الأمير مشل، فاضل هاني طاهر)  بالسّجن خمسة عشر عاما مع مصادرة أموالهم المنقولة و غير المنقولة.
أخرجوهم من قاعة المحكمة، قيّدوا أيديهم و عصّبوا أعينهم،          و سارت بهم السيارة إلى قسم الأحكام الخاصّة في سجن أبو غريب.
هناك مضى عليهم أكثر من خمسة عشر شهرا لا أحد يعرف عنهم شيئا و لا يعرفون عن أحد شيئا.

زيارة الأهل:

بعد عام و نصف أمروهم أن يُرسلوا البرقيات لأهاليهم في السماوة.
و من هناك بدأت زيارات الأهل لهم في اليوم الأول من كلّ شهر      و الجمعة التي تليه و كذلك اليوم الخامس عشر من كلّ شهر        و الجمعة الذي تليه.
أوّل زيارة لبسّام كانت من طرف عمّه الأصغر من والده سنّا و والدته، حيث رفض والده الزيارة خوفا من أن يفاجئه الجلادون بجثّته، و هكذا توالت الزيارات.

خارج الأسوار:

بعد ما يُقارب السنتين سجنا صدر عفو عام شمل بسّام و بعض الرفاق فغادروا السّجن و هم لا يصدقون أنّهم نجوا من الإعدام        و الموت المحتوم على يد جلاوزة البعث .

كلمة أخيرة:

"سيرة سجين سيّاسي" هي سرد وثائقي و أنا أسمّيها "مذكّرات سجين سيّاسي" لأنّها مذكّرات حقيقيّة أخذتنا لزمن كابوسي من تأريخ العراق، يبقى وثيقة إدانة للدكتاتور و ما عاناه كلّ شيوعيّ في تلك الحقبة الزّمنيّة من تعذيب جسدي و نفسي و التي لا تُنسى   و لن تُنسى أبدا فجروحها لا و لن تندمل بمرور الأعوام ليومنا هذا لتبقى وصمة للأجيال القادمة.
التقدير للروائي "لؤي عمران موسى" الذي أجاد في توصيل السّرد للقارئ بطريقته الأدبية و أسلوبه في الكتابة الراقية فجعلنا نشاهد وثائقي و نحن نقرأ إبداعه الفنّي.
تمنيّاتي له بالتألّق في إنجازه القادم و مزيدا من الإبداع و النّجاح.  

شوهد المقال 5035 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الخطاط العراقي علي البغدادي وبرنامج الخط الجديد سومر ..... ترقبوه

 علي البغدادي   رداً على جشع بعض الشركات التي تستخدم الفن الاسلامي الاصيل (واقصد هنا الخط )وبعد تطاول شركة winsoft المتأثرة اشد التأثير بالعقلية الفرنسية المتحجرة على
image

عادل السرحان ـ على ضفة النهر

 عادل السرحان             على ضفة النهر جلس القروي يراقب صورته في الماء المخضر واشعة الشمس الربيعية تعوم في الموجات الهادئة ملامحه تتحول
image

وهيب نديم وهبة ـ لَا الْبَحْرُ سَجَّادَةٌ وَلَا عَيْنَاكِ يَمَامَةٌ

 وهيب نديم وهبة   لَا الْبَحْرُ سَجَّادَةٌوَلَا عَيْنَاكِ يَمَامَةٌوهيب نديم وهبةلَا الْبَحْرُ سَجَّادَةٌوَلَا عَيْنَاكِ يَمَامَةٌوَيعودُ  لِي كَمَا كَانَ.لَا الْبَحْر سَجَّادَةْ..وَلَا عَيْنَاكِ يَمَامَةْ..هِي الْأرْضُ، وَخَفَقَهُ قلْب،وَجناحُ طَائِرٍ، وَسَمَاء
image

مسک سعید ـ دراسة إجتماعیة في قصیدة «حتی أنتَ...» لـــشاعر صادق حسن

   الدکتورة مسک سعید/ الأهواز  نص القصیدة: «بعیداً من جسدکِ...ألهثُ خلفَ تلکَ النخلة .... لأضیعَ مرّةً أُخری ینحرني جسدکِ ویحرقني خلفَ مِرآة
image

مسک سعید الموسوی ـ عندَ الألم

  مسک سعید الموسوی            أخشی أن أکونَ تلک الأنوثة التي أحرقت جسدها عند الفِراغ  وغرابٌ یحملُ صخرةً لِیُدفنَ عَورَتي أو یطمِسُها ...
image

محمد مصطفى حابس ـ التعليم قضية مجتمع ومستقبل أمة كلمة في وداع "ملكة الرياضيات"

 محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا  كتبت الاسبوع الماضي كلمة بعنوان، "التعليم، مسيرة مشوار استثماري واعد في البشر وللبشر" ، مذيلا إياها بحوار مقتضب بمناسبة الذكرى
image

الحكومة المغربية تتهرب من رسالة مجلس حقوق الإنسان بجنيف حول قضية شقيق البلال ـ مصير المختفي البلال مصطفى لايزال مجهولا ـ

من اخوكم محمد البلال اخو المختفي  عضو المكتب التنفيدي للمركز الصحراوي لحفط الداكرة الجماعية وعضو بالشبكة الاعلامية الصحراوية ميزيرات  بالعيون  الصحراء  الهاتف 212674662046+مصير المختفي  البلال مصطفى  لايزال مجهولا وعائلته تدعوكم
image

سيندي ابو طايع ـ ولأنّ الرّجال تُعرف من أَسمائِها

سيندي ابو طايعأرسل إليّ صديقٌ شخصيّ "بوست فيسبوكي" ب "الواتس آب" هو الآتي:  "هالنادي العريق بدو رئيس فخري يكون أقوى و"أكرم" من هيك.. يعني رئيس
image

اليزيد ڨنيفي ـ ماتت الأم وجنينها ..أين الضمائر.. أين القلوب الحية ..‼

 اليزيد ڨنيفي  في الجلفة نزفت الأم الحامل من الدم داخل السيارة وغابت عن الحياة ومات وليدها.. يا للألم والغبن والحسرة والأسف ..طُردت من مستشفى الجمهورية الجزائرية
image

محمد مصطفى حابس ـ قراءة عابرة في أفكار واعدة .. آفاق في الوعي السنني ـ سلسلة نفيسة لبناء ثقافة النهضة الحضارية

     محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا    أثريت المكتبة العربية هذه الأيام بإصدارات جديدة نفيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats