الرئيسية | الوطن الثقافي | لندة واضح - السينما الايرانية نموذجا في العالم الإسلامي

لندة واضح - السينما الايرانية نموذجا في العالم الإسلامي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 لندة واضح.

 

 بمناسبة الأسبوع الثقافي الجزائري الذي تستضيفه العاصمة الإيرانية طهران ، أبدى وزير الثقـافة الجزائري عز الدين ميهوبي ، إعجابــا بالسينما الإيرانية وما وصلت إليه من إبداعات في مستوى عالمي ، حصلت على إثره على عدة جوائز عالمية ، حيث دعى في كلمته بمناسبة إفتتاح هذا الأسبوع ، أن تستفيد الجزائر من خبرة الطرف الإيراني تقنيا وتكوينيا ، لا يسعنا الى طرح هذا السؤال :

 ما سر تألق الإيرانيين على العالم العربي ؟

 

 

في الوقت الذي نجد فيه الدول العربية ولاسيما الخليجية منها والتي تطل على سواحل إيران تستنسخ المركبات الرياضية العملاقة وناطحات السحاب الشاهقة وتتباهى بها, نجد إيران تستثمر في الثقافة والفكر والفن الذي يرفع من شأن شعبها. فالاسمنت لا روح له سيما إذا بنته أيادي أجنبية بينما الثقافة تحمل تعريفا للمجتمع. وفي الوقت الذي نجد فيه المخرج المبدع العربي يقف لوحده في عراك مستميت لإنتاج فيلم واحد, وربما الانسحاب بعد ذلك من الساحة الفنية إلى الأبد, نجد إيران تتخذ إستراتيجية تلقي بكل ثقلها المادي والمعنوي وراء مخرجيها وتجعل من السينما نافذة يطل عبرها الشعب الإيراني على العالم قصد التواصل مع الثقافات والحضارات الأخرى. وتتخذ إيران أهم خطوة مسؤولة فتعين مفكرا وفيلسوفا على رأس وزارة الثقافة من سنة 1982 إلى سنة 1992, أي عشر سنوات. وتضم وزارة الثقافة مؤسسة الفارابي السينمائية, وتعهد هذا المفكر بالنهوض بالمشروع السينمائي الإيراني وتهيئ الأرضية اللازمة وإعادة الثقة والاعتبار إليها خلال السنوات العشر. فكان هذا الرجل بمثابة الأب الروحي للسينما الإيرانية.
ولإيران عمق حضاري قديم وجذور متأصلة في الفلسفة وفي مجال الأدب والقصص والحكايات والإنجازات الفنية كافة، ما مكنها من نقل هذا السر إلى أفلامها في أبهى إبداعاتها. فالرصيد الإيراني الثقافي ضخم وذو قوة تأثيرية هائلة تصل إلى حدود الدهشة. ولم يبق لهذا المفكر إلا أن يوظف السينما بطريقة ذكية لاستغلال هذا الإرث الثقافي لإشعاع الثقافة الراقية والفنون الهادفة. فالسينما مرآة عاكسة للمجتمع والحياة تزداد قيمتها بازدياد ما تعكس. وأنجح الأفلام هو ما عبر عن حقيقة أو هوية مع احترام مفاهيم التراث من تقاليد وأصالة وعادات حتى يسمو لأعلى المراتب.
فأول ما قام به هذا الفيلسوف هو إعادة الثقة إلى نفوس المخرجين الإيرانيين الذين حرموا أن ينهضوا بوطنهم على عهد الشاه. وكوّن جيلا جديدا وعددا كبيرا من الجنسين يتعامل مع الإخراج السينمائي من منطق الثقة والقدرة. نشير هنا أن في إيران أكثر من 500 مخرج ويتخرج من معاهدها 20 امرأة مخرجة سنويا وبذلك تتفوق حتى على الدول الغربية. إلا أن رؤى هذا المفكر وزخمه الثقافي أظهر ثماره في غضون ثلاث سنوات فقط. ففي سنة 1985 فاز أول فيلم إيراني "العداء" لمخرجه أمير نادري بأول جائزة دولية كبرى لأفضل فيلم في مهرجان القارات الثلاث في نانت بفرنسا.
هذا المفكر هو محمد خاتمي, الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية الإسلامية سنة 1997. كان خاتمي على قناعة, وارثه الثقافي يشهد بذلك, أن حرية التعبير هي الطريق الوحيد للنهوض بالمهمة الثقافية السينمائية. وهذه الحرية تتمثل في استقلالية الإنتاج السينمائي. فأنشأت وزارة الثقافة الإيرانية "مدينة سينمائية" جندت لها كل الطاقات ورؤوس الأموال وآخر المكتشفات التقنية والتكنولوجية المتطورة كما هي الحال في استوديوهات هوليود. بذلك تكون وزارة الثقافة أعدت الأرضية اللازمة للسينما الإيرانية خلال السنوات التالية كما أنها أتاحت الجو اللائق للمخرجين حتى يبدعوا في انتاجاتهم. وفتحت وزارة الثقافة هذه المدينة لكل المخرجين الإيرانييندون استثناء وبأرخص الأثمنة في العالم. ويقوم بالإنتاج السينمائي المخرجون بصفتهم منتجين منفذين ويحصلون على الدعم لأول ثلاثة أفلام ويتم شراؤها وتقوم شركة توزيع كبيرة أنشأتها الدولة بتوزيع الأفلام داخليا وخارجيا. وبنت أرقى واكبر عدد ممكن من دور السينما (في الوقت الذي تغلق فيه السينما أبوابها في المغرب-آخرها سينما الحرية بالدارالبيضاء أغلقت وتعرض للبيع- وسينما بالاص ( (Palaceوالرجن (Regent)بمراكش أصبحتا مكان استقطاب للتبول على حيطانها) ونجد أن في طهران لوحدها أكثر من 100 قاعة سينمائية كما أن هناك مركبات قيد البناء تتسع ل1200 متفرج. كما دشنت وزارة الثقافة مهرجان الفجر السينمائي الذي لا يكتفي في نشاطه بدعوة ضيوف أجانب، ويقيم لهم الحفلات الصاخبة, وتهدر الأموال الباهظة بدون فائدة, بل الغرض أن يكون وسيلة لإنجاز إنتاجات مشتركة ودفع عملية تعاون أوثق مع المهرجانات الأخرى وتبادل الآراء على المستوى العالمي. وأصبح يعد تظاهرة فنية عالمية تستقبل أكثر من 45 دولة من بينها أمريكا, فرنسا, اليابان, بريطانيا, ايطاليا, الصين, ألمانيا, هولندا, ودول أمريكا الجنوبية وغيرها. وتوافد على المهرجان في السنة الماضية أكثر من 200 وكيل من 47 بلد و123 موزع ومنتج عالمي بما فيهم الولايات المتحدة, كما حضر 91 موفدا من المهرجانات العالمية (لوكا رنوا, كان, البندقية, برلين, تورنتو) هذا بالإضافة إلى 141 وكيل من 39 شركة إنتاج إيرانية حيث تم تبادل الأفلام الهامة المنتجة.
بقي أن نشير أن إيران تنتج 130 فيلما سنويا والإقبال عليها داخل إيران ضخم. ففي سنة 1992 حج إلى السينما 54 مليون متفرج وفي سنة 1994 صعد الرقم إلى 56 مليون ومنذ ذلك الحين وهو في تزايد. صحيح أن إيران دولة غنية وكذلك الدول الخليجية المحيطة بها ومع ذلك لم تنتج السعودية في تاريخها الحديث إلا فيلما واحدا "كيف الحال" وكان خسارة كبيرة!
هكذا وضع محمد خاتمي الحجر الأساس للمشروع السينمائي الإيراني الذي بات يرقى سنة بعد أخرى إلى المستوى العالمي وأصبح نموذجا يمكن أن يحتدى به حقا على مستوى الإنتاج. واقتنع أن الارتقاء بالموهبة السينمائية رهين باستقلاليتها وحريتها. هذه الاستقلالية وحرية القرار سبب مباشر في ظهور عدد من الروائع السينمائية وتكوين رؤية خاصة لكل مخرج دفعت بالفيلم الإيراني أن يرقى وبفترة قصيرة ونموذجية إلى مكانة عالمية. وبسبب هذه الاستقلالية شهدت السينما الإيرانيةمخاضا ثقافيا وفكريا وسياسيا مهد لظهور الفيلم الإيراني الرائد خلال الثمانينيات حققت خلالها انجازات هامة تجسدت من خلال أفلام استطاعت أن تفرض وجودها في المشهد السينمائي العالمي وتحقق نجاحات طليعية. ويمكن القول إن السينما الإيرانية قد حصلت على اعتراف عالمي بمميزاتها الخاصة انطلاقا من إمكانيات مادية محدودة عوضتها بجمالية الصورة وبساطة الخطاب الذي استطاع أن يلمس جوهر القضايا الإنسانية وينفذ إلى اكبر عدد ممكن من الجمهور.
وفي عام 1997 جاء محمد خاتمي إلى السلطة وأكمل مشواره الثقافي. وكان من أهم برامجه الحوار بين الحضارات ومن بينها الحوار الثقافي والفني، وأصبحت السينما الإيرانية حديث المهرجانات الدولية كافة.
خصائص السينما الإيرانية:
تمكن السينمائيون الإيرانيون بفضل كفاءتهم وجرأتهم وحبهم للفن السابع من العمل و تقديم أفلام واقعية تحمل رسائل إنسانية ومسحة جمالية وتحترم القيم ولا تشتم في ثوابت التراث, ولا تتاجر بجسد المرأة ومن دون أن تكشف حتى غطاء رأسها، ولا تغطي بالضجيج والعنف الغير الواقعي والنماذج البطولية المزيفة تفاهة المضمون ولا تعتمد على ميزانية الديكورات الضخمة. إنها سينما بالغة البساطة, ملتزمة وهادفة, وبذلك تكون قدمت مجموعة من روائع الأفلام ونماذج عظيمة للفن الإنساني الراقي. وأبرع ما في ذلك أنها تعتمد في تصوير الكثير من الأفلام على كاميرا الفيديو الرقمية المحمولة على الكتف (أغلب الأفلام الإيرانية تنتج بأقل من200 ألف دولار أي حوالي 160 مليون سنتيم مغربي وتحصد الأرباح الكثيرة مثل فيلم "أطفال الجنة" الذي حقق أرباحا تتمثل في المليون دولار من أمريكا وحدها!). والاهم من ذلك أنها ليست سينما نجوم, فمعظم أبطالها ليسوا ممثلين محترفين. أما السيناريو فهو يحمل عمقا مدهشا ولغة ثرية متنوعة ومكتوب بنكهة الإبداعات القصصية الراسخة في الثقافة الإيرانية الشعبية وتشم من خلاله رائحة حافظ الشيرازي وعمر الخيام وجلال الدين الرومي. ونظرا لطبيعته التأملية والفلسفية وقيمة مادته الجمالية ولغته التعبيرية يصبح السيناريو واحدا من أهم خصوصيات وميزات السينما الإيرانية. فالطابع الشرقي المحلي حاضر, والهوية الثقافية مستمدة من الواقع الاجتماعي وقمة التمثيل تدهش المشاهد ومهارة الكاميرا وتحكمها في المشاهد ودقة اختيار مواضيعها والتركيز على الحس الجمالي في أرقى مستجدياته حتى تحس أنك أمام السجاد الإيراني المفعم بروعة الفن وجمال النقوش والألوان التي تعبر بدورها عن شاعرية الإنسان الإيراني ودفئه العاطفي وحبه للفن.
والسينما الإيرانية مختلفة من خلال تأكيدها على هويتها وخصوصياتها وتفردها وعدم تشبهها بأي سينما أخرى. ومعروف أن أهم ما يميز السينما الإيرانية يتمثل في بساطتها العميقة في مضامينها ورمزيتها مما جعلها تنافس المستويات العالمية. وشكل الرهان على المحلية الذي اعتمدت عليه الأفلام الإيرانية أهم خطواتها نحو العالمية إذ اهتمت بتوثيق مشاغل مجتمعها وهمومه وتخلت في المقابل على الإكسسوارات الزاهية واهتمت بالمواطن الإيراني وآلامه وهواجسه. وبذلك تكون السينما الإيرانية قدمت استعراضاً راقياً يصل إلى الجمهور المحلي والعالمي يستحق كل الإعجاب والتقدير. والسينما الإيرانية, كما اشرنا سابقا, مثل السجاد الإيراني: لوحة بديعة تنبض بالجمال وبشاعرية فياضة. وكان لزاما على المتفرج أن يدقق بعين ثاقبة لان السينما الإيرانية بها غموض غريب وإثارة لا يستطيع معها المتفرج الإمساك بالمعنى الذي يريد المخرج التعبير عنه. فالتفاصيل فيها مهمة لأنها تحمل الكثير من ألوان الطبيعة الشعرية والقصصية التي تزخر بها الثقافة الفارسية المليئة أيضا بالرموز الروحية والتعبيرات والإيحاءات الخفية. فهم يحكون قصة لكنهم لا يكشفون كل جوانبها ويتركون هذه المهمة للمتفرج ليتفاعل معها. فيكون الفيلم بديعا في تفاصيله وألوانه, مليئا بالفلسفة والعمق والتناغم الشعري، غنيا بالمشاعر الإنسانية المستلهمة من الهوية والكرامة والحضارة الإيرانية.
 
الباحثة في الفكر العربي الإسلامي
ماجستير فلسفة عربية اسلامية جامعة الجزائر
باحثة دكتوراه علوم من جامعة بــــاتنة 

 

شوهد المقال 472 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مسابقة بموضوع نصرة فلسطين

"عاشت فلسطين من الفاء إلى النون ومن النهر إلى البحر" تحت شعار "سامحيني يا قدس " : *لا يلزمك أن تكون فلسطينيا لتحب فلسطين
image

التَلقيم والتَطيين: القانون والدستور لا يصنع ثقافة الديموقراطية والعدل والمساواة!؟

د.شكري الهزَيل اسمع كلامكك يعجبني ..اشوف افعالك اتعجب, فعندما تشاهد او تستمع لنشرات اخبار وسائل الاعلام العربي وخاصة الرسمي منه, فتستمع كثيرا ويوميا لحدوثة "
image

خاطرة بعنوان .......الحمد الله ........

فوضت أمري للخالق وولجت غرفة العمليات دعــــــــــــوته أن يرزقـــــني حسن الخاتمـــة إن لم تكـــــــتـب لي ثانـــية الحـــــــــــــــــياة تمددت على سريري فداهمتني كل الذكريات تمنيت
image

البحث عن عرشي وذاتي

خرج المارد من فانوسه السحري فنشر على راحتيه خريطة الكون بأنهارها و أوكارها ،بشمسها و نجومها ،بجنتها و نارها ،فتصفحتها شبرا
image

الترامبية: العالم يحتج وحكام العرب و"جامعتهُم"صامتون صمت الجُبناء !!

د.شكري الهزَيل كذب المنجمون لو صدقوا او صدقوا لو كذبوا فعلى اي حال واي مضمون سار هذا المثال, فهو ينطبق على حال حكام
image

هَـذِهِ حَلَبُ

هَــذِي بِلاَدِي .هَـذِهِ حَلَبُ ** فِي الْأَرْضِ نَارٌ وَالسَّماَ لَهَبُ رَوَائِــحُ الْأَمْــوَاتِ فَائِحَةٌ ** غَطَّتْ شَذَى التَّارٍيخِ يـاَ عَرَبُ قَتْلٌ وَمْوٌت وَالْحِمَى حِمَمُ ** حَـــرْقٌ
image

إيناس ثابت - شمسٌ والعنقاء

إيناس ثابتإلى كل من جمعهما الهوى.. ورسما في دنيا الخواطر والأحلامسقفا مزينا بالفسيفساء.. وجدراناً مزدانة برسوم الملائكة والأطفالوحديقة من البنفسج والخزامىونافذة تطل على الكون.. زيناها
image

هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 1/3

هاتف بشبوش  قطراتُ الشّعر المُطرية التي تنزلُ من سماء عبد الفتاح المطلبي ، تنزلُ على أنساغ الأعشاب لا على القفار والرمال ، إنّه يكتبُ كي يزلزل
image

محمد مصطفى حابس - لأول مرة في تاريخ كندا، لاجئ من أصل عربي وزيرا في حكومتها

محمد مصطفى حابس: جنيف - سويسرا كتبت منذ أزيد من سنة مقالا مطولا حول استقرار المسلمين في كندا و ليس "اندماج أو إدماج" مقارنة بفرنسا وبعض
image

كاظم مرشد السلوم - فلم محبس اللبناني: عن عمق الأثر الذي تتركه الحروب والنزاعات على العلاقة بين الشعوب

  كاظم مرشد السلوم    الحديث عن الخلاف بين بعض الشعوب المتجاورة ، حديث دائم ، قد ينفيه البعض ، فيما يؤكده البعض الآخر ، كواقع حال

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats