الرئيسية | الوطن الثقافي | رائد جبار كاظم - الذات الدينية المنحرفة تضخم الانا والغاء الآخر وشرخ الانسنة

رائد جبار كاظم - الذات الدينية المنحرفة تضخم الانا والغاء الآخر وشرخ الانسنة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


د. رائد جبار كاظم
ليس لدي الرغبة لتعرية الذات الدينية، لعموم المتدينين أو رجال الدين واقامة شيء من التحليل النفسي تجاهها، بأختلاف الاديان وتنوعاتها، لأن اقامة مثل تلك المحاولة التعسفية قد تطيح ببعض أصحاب التدين الايجابي وأصحاب الخلق الحسن وطهارة الضمير وممن يوجههم الدين وجهة روحية عامرة وطاهرة نحو الحياة والآخرين، ولا نود أن ننشىء خصومة مع الآخرين لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكننا نريد تسليط الضوء على الذات الدينية المنحرفة، والتي تعاني من تشوهات نفسية وأجتماعية وتربوية وثقافية وفكرية، تلك الذات التي تتضخم فيها الأنا لتصل الى حد الانفجار من الشعور بالغرور والتكبر والافتخار، لتخرق الارض وتبلغ الجبال طولا. تلك الذات التي لا ترى الا نفسها ولا تنظر الى غيرها أبدا، وتلك الذات سواء بصورتها الفردية (الفرد) أو بصورتها الجماعية (الجماعة). ومن المؤكد أن ما يصدر من الفرد  المنحرف من أفكار ومعتقدات وسلوك وأقوال، هي التي تحرك الجماعة التي تنساق ورائه دون نقد أو تمحيص، وعندها تفقد تلك الجماعة عقلها وروحها وفكرها، لأنها ذابت في الفرد ذوباناً مطلقاً، وأنصهرت في تلك الذات الفردية وفنت فيها وأتحدت أتحاداً مطلقاً، حتى وكأنها هي هو، ولكن بحجم أكبر وأكثر تضخماً وتورماً وسرطاناً، وعندها تحل الكارثة العظمى بالحياة وبالانسان والمجتمع، لأن أفكار أحد الاشخاص المنحرفين هي التي تقود جماعة ما بعينها، وعنديذٍ تكون أفكار تلك الجماعة المنحرفة وتفردها هي االتي تريد تحريك العالم وتغييره وتسييره وفق ما تريد وبشكل أعمى وجنوني، وعندها تحل الكارثة بالبشر والعالم والحياة، ويتهدد الوجود الانساني والكوني برمته، حين تتفرد وتنفرد وتندفع جماعة منحرفة ما بعينها لقيادة مجتمع أو دولة أو أنسان، دون الايمان بقيمة ومقام وقيمومة الآخرين في هذه الحياة، وأن الله يأبى أن تنقاد جماعة لجماعة أو فرد لفرد، او فرد لجماعة أو جماعة لفرد، دون نقد أو تمحيص أو رؤية وتحليل، ولابد من اعمال وتحريك العقل في كل شيء. لأن التقليد الاعمى للاشخاص والجماعات انما يعد نوع من الغباء والحماقة والالغاء الكامل لوجود الانسان على هذه الارض. 
أن ما تفعله الذات الدينية المنحرفة ـ على مستوى الفرد أو الجماعة ـ في كل زمان ومكان، هو ايمانها المفرط بذاتها فقط ايماناً مطلقاً ليس له مثيل، ولا تُعر أية أهمية أو أحترام وتقدير للآخرين، وكأنه لا وجود لأفراد وجماعات بشرية آخرى في هذه الحياة والعالم، وهم بذلك يعادون سنن الله والكون والطبيعة في الاختلاف والتنوع والتعددية، لتعلن حالة من الغطرسة المطلقة والتفرعن والجبروت نحو "ما أريكم الا ما أرى" و "أنا ربكم الاعلى" وبذلك تعلن البشرية موتها وفنائها، لأكتفائها بنوع بشري محدد وبنمط فكري موجه دون غيره، وبجماعة معينة دون غيرها لتكون "شعب الله المختار" او "الفرقة الناجية" أو "الامة المنصورة"، وتهميش وأقصاء النوع البشري بشتى أختلافاته وتنوعاته في اللون والطبع والفكر واللسان، والتي هي سنة الله منذ خلق الانسان على هذه الارض الى ما شاء الله.
أن ما نشهده اليوم من أصولية مفرطة، وتطرف أعمى، وعنف ودموية، في العالم أجمع، انما هو بفضل تلك الافكار الجوفاء الحمقاء الرعناء، التي أحالت حياتنا الجميلة الى قبح مدقع والى جحيم لا يطاق، وأصبحت أرواحنا خراب بلقع، ووهم وسراب يقود الناس الى نهايات مجهولة ومستقبل عقيم.
أن محاولة فرض الارادات، وتجنيد الافكار المنحرفة، وفرض المركزية أو التمركز حول الذات، بشتى صورها السياسية او الدينية او الثقافية او الفكرية، دون منطق وحوار وانسانية لهو أمر سيء ومكروه لا يحتمل، ونذير سوء بضحالة تلك الافكار والمعتقدات وتفاهتها، ويباعد بين الافراد والجماعات البشرية، التي ترغب بتحقيق نوع من الهدوء والاستقرار والاطمئنان والامان فيما بينها، لديمومة التواصل وبقاء الوجود الانساني وادامة الحياة الانسانية في هذا العالم المحتقن، والذي تقوده جماعات ومؤسسات وأفراد نحو الهلاك والهاوية.
ان الذات الدينية المنحرفة انما هي ذات مرضية جنونية، ينبغي التعامل معها وفق هذا الاساس، وبالتالي ينبغي الحذر منها ومعالجتها ومواجهتها بشتى الطرق والاساليب، وهي بحالها هذا تهدد الوجود الانساني والحياة برمتها، وهذا ما نلمسه في أفكار وسلوك ومعتقدات الحركات والتجمعات الارهابية المتطرفة في العالم أجمع، لأنها تتغذى على أفكار عنفية وأصولية منحرفة، وبالتالي سيكون وجه العالم نتيجة تلك الافكار، نهاية مأسوية تهدد الوجود الانساني على هذه الارض.
وان ما ينطبق على الذات الدينية المنحرفة، ( بصورة الفرد او الجماعة او المؤسسة او الطائفة او الحزب او القومية ) ينطبق على جميع الذوات الاخرى، من ثقافية وفكرية وسياسية، لأن محاولة أشاعة نمط فكري أو ثقافي أو سياسي محدد بعينه على جماعة ما، وبالقسر والاكراه، أنما يعد نوع من التطرف والغطرسة والتفرد في أشاعة العنف والكراهية بشتى صورها، وهو أمر عدواني لا يحتمل، ومنطق دكتاتوري لا يطاق، وهذا ما يغزوا العالم اليوم، وما نراه من أحداث ومحن وحروب، أنما هو نتيجة ذلك المنطق المنحرف والمعتقدات الجائرة التي تفرض على الافراد والمجتمعات من قبل جماعات متغرطسة تحاول فرض سيطرتها وهيمنتها بما أوتيت من قوة ومال وسلاح، دون الايمان بالانسان والآخر بشتى صوره وأختلافاته. وهذا ما يؤدي الى شرخ الانسنة ومسخ انسانية الانسان، والاطاحة بالوجود البشري في هذا العالم، الذي لا يحتمل التشويه الى هذا الحد المقيت والمزري، في حياتنا المعاصرة، والتي تحول كل شيء فيها الى عدوانية ووحشية بهيمية ليس لها مثيل.                  
وان ما نحتاج اليه اليوم هو تخليص الافراد والمجتمعات من تلك الذات المريضة التي تريد فرض سيطرتها على أكبر قدر ممكن من المجتمعات البشرية، والتي على أيديها تشوهت صورة العالم والاديان والانسان، ولابد من عودة صحيحة وصالحة للتدين الايجابي وللذات الدينية الصالحة التي قدمت من الخير والصلاح والنجاح للشعوب والمجتمعات من قبل اناس طاهرين وجهوا الناس وجهة صحيحة، وكانوا في زمنهم ثورة صادقة وعادلة ضد الظلم والفساد والانحراف.  

شوهد المقال 929 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رياض بن وادن ـ ربما حلنا في لعبة الليغو!!

رياض بن وادن   تَأكّد بأنه لو تطلب من طفل في أوروبا أن يختار هدية لتشتريها له لاختار -في غالب الأحيان- دون شك ودون تردد لعبة
image

نجيب بلحيمر ـ حملة الاعتقالات.. تحضيرات "العرس" بدأت

نجيب بلحيمر   الاعتقالات تتوالى, وهي الآن تستهدف من تعتبرهم السلطة, بسذاجتها, قادة الثورة السلمية رغم أن هؤلاء المعتقلين( ورفاقهم الذين سيلحقون بهم قريبا) لم
image

زهور شنوف ـ "لا شيء حقيقي هنا سوى البناية"

زهور شنوف   ظلمة كثيفة في الرواق الطويل للطابق الخامس من بناية كولونيالية محشورة في شارع يعج بباعة العملة الصعبة.. باعة يحملون في أيديهم كل أنواع
image

محمد حاجي ـ انتخابات على الطريقة الجزائرية

محمد حاجي  من زاوية أخرى  لعلَّ مُحاولة فهم ما يحدث اليوم من فرضٍ لانتخابات "على الطريقة الجزائرية"، وما يُرافقه من اعتقالاتٍ لوجوهٍ معارِضة، لا
image

فوزي سعد الله ـ باب عَزُّونْ... الجزائر المحروسة

فوزي سعد الله   هكذا كان شارع باب عزون، الشارع الذي يحمل اسم أحد الأبواب الخمسة لمدينة الجزائر التاريخية وأهمها اقتصاديا واجتماعيا، في العهد العثماني قبل
image

العائد من الآخرة اصدار للشاعر العراقي حيدر البرهان ...قصيدة نحنُ الزَّوارق ..

  البرهان حيدر            نحن الزَّوارقتلهو بنا الأمواج يَلهُو بنا النّهر، والبحر، والمحيط... وهذا الدهرُ الغريبْ. وُلِدنا من رحمِ حجرٍ، نَهِيم على جسدهِ العاري بغير نقط.
image

وليد عبد الحي ـ تونس بين مترشح بلا هوية آيديولوجية وسجين ينتظر القرار

 أ.د. وليد عبد الحي  تقف تونس في المقاييس الدولية الاقرب للموضوعية على رأس الدول العربية في مجال الديمقراطية ، ففي عام 2018 احتلت المرتبة الأولى
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats