الرئيسية | الوطن الثقافي | على سراجٍ شفيفٍ أُناغي دَمْوَزَةَ عَشتار! رسالة ناصر عطالله إلى آمال عوّاد رضوان

على سراجٍ شفيفٍ أُناغي دَمْوَزَةَ عَشتار! رسالة ناصر عطالله إلى آمال عوّاد رضوان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


في البدءِ، كانتْ رغبةٌ نحيفةٌ بارتواءِ العروقِ مِن مَناهلِ اللّغةِ وإطفاء العطش، علّ المَفاصلَ ترتوي ويزولُ عطشُها، فتعتدلُ وتشتدُّ، ليتمَّ ارتداءُ الحُروفِ الشّعريّةِ الشفيفةِ، والاقتداءُ بحُسْنِ الحديثِ مِن مَسالِكِ اللّغةِ، والتّحزُّمِ النّاعمِ في فَواصلِ آمال عوّاد رضوان، المُسيّجةِ في "أُدَمـْـــوِزُكِ وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن"، ذاكَ البزوغُ الأخيرُ لوِلادتِها الشّعريّةِ، والمُكتظُّ بالهواءِ المَغسولِ طلحًا نقيًّا، والمُعتّقُ الراقي لذائقةٍ باتتْ مَدروسةً في اصطفافاتِ الأدبِ الرّائدِ. 
تلكَ شهادةٌ خجولةُ التّسويقِ والتصدير، في مَجرى حَديثٍ حسَنِ الذّوقِ، مَطبوعٍ على الشّعرِ وَسَرْدِ فِكْرِهِ، معَ كبرياءِ هذا العطاءِ المُعزّزِ في نفسِ الشّاعرة العربيّةِ آمال عوّاد رضوان، الهائمةِ بدليلِها الإبداعيِّ في تَجوالِ مُريديها وتَطوافِ مُناصِريها، كسُيّاحٍ مُتصوّفينَ يَتفسّحونَ بينَ أرجاءِ نصوصِها وآثارِها، فأحسنتْ حينما أيقظتِ الكلمةَ، وأبدعتْ حينما حَفرَتْ بأظافرِها الرّحيمةِ جسدَ المَعاني، لتُفجّرَ سروةَ المشاهدِ الرمزيّةِ في لوحاتِها الإبداعيّةِ الطازجة.
بحثٌ فيّاضٌ جَرى للكشفِ عن "أُدَمـْـــوِزُكِ"، للوقوفِ على تلّةٍ تُطِلُّ على معناها، وفيها للكسرةُ على الكافِ "كِ" دليلٌ وصهيلٌ، ولكن ما أوجعَ هذا التّتويجَ، عندما تنعطِفُ عليهِ قسوةُ الاستدلالِ بالأماني المُستدْرَكةِ، لفهمِ الصّياغةِ في مَباني النّصِّ عند آمال عوّاد رضوان، فالتّعشتُرُ المُذَكَّرُ هرَبَ إلى الياءِ المُؤنّثةِ، ووقعَ في النّونِ المَحفوفةِ بالدّفءِ، لتُلقيَ الشّاعرةُ سلّتَها القشّيّة مِن شرفتِها العاليةِ، لبائعٍ مُتجوِّلٍ يَبحثُ عن زيدٍ لعَمْرٍو؛ (السّارقُ الّذي ضرَبَهُ زيْدٌ لأنّهُ سَرَقَ الواوَ مِن داود)، فيعودُ البائعُ المُتَجَوِّلُ إلى كوخِهِ سالمًا آمِنًا مِن "عشقيّاتٍ" مُتمرّدةٍ، هاجمتْ ساقيةَ المُعّذبةِ بنارِ الحُبِّ، بكلّ جرأةٍ وتجَنٍّ وظُلمٍ. 
وها الصّحراءُ الطائرةُ المَزحومةُ بالغمامِ، تَحرُسُ سماءً يابسةً أمامَ اشتياقِها وشهوتَها: 
يَابِسَةٌ سَمَاوَاتِي/ أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي/ أَأَظَلُّ.. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟/ أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ.. بَــ ~~ يــْـ ~~نَ .. وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ .. بَــ ~~ يــْـ ~~نَ.. جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!/ عَلَى خَدِّ شُعَاعٍ.. مُضَمَّخٍ/ بِــــالْـــــ~~دَّ~هْـــ~شَــ~ةِ / ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي .. صَدًى/ لِأَرْسُمَ .. بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!
أيُّ بعثٍ مُشتهًى يأتي مِن رُخامٍ يَنزُّ حنينًا، على أطرافِ النّصِّ المُكتنِزِ بالظّمأ؟    
أيُّ بعثٍ مُشتهًى ذا الّذي يأتي من شفتيْنِ تتّقِدانِ عبثًا لعزفِ ابتسامةٍ، في مدًى يُحاولُ أنْ يتّسِعَ، مِن أجلِ العزفِ على أوتارِ العاشقةِ البَحريّةِ؟ 
أيُّ بعثٍ مُشتهًى ذا الّذي يأتي، والقلقُ المُقلِقُ عندَ الشاعرةِ، تارةً في حنايا الإفصاحِ يتبدّى، وتارةً في خبايا الصّفحِ يَتبدّدُ، عندما تُعْتِقُ العاشقَ مِن حِبالِ الضّياع، فيُلامسُ الأرضَ، ويَسكَرُ مِن نزْفِ أنفاسِ العاشقة؟
في غاباتِ الشاعرةِ الّتي تعجُّ بالنّمورِ، يَترقّبُ المُحِبُّ المُعَزِّزَ لشوْقِهِ في امتطاءِ مُحاولتِهِ، فيُسحِرُ التّسبيحُ سُكونَهُ، ويُدبِّبُ جغرافيا الذاكرةِ بتعشيبةٍ مُقدّسةٍ حادّةٍ على مرايا المُستحيلِ، لتنضُجَ الذّاكرةُ أكثرَ، ولتتمرّدَ على النّسيانِ، ولتثورَ على الغفلةِ وتفويتِ المُنتحرةِ أشياؤُهم، فالمَكنونُ النّفسيُّ للعاشقِ مُلتهِبٌ جدًّا، وإيقادُهُ يَتجذّرُ حنينًا وشوْقًا لمَعشوقتِهِ، تلكَ العاشقةُ الّتي امتدّتْ سيرةُ حُبِّها في خلجاتِ العاشقِ وخلجانِهِ قرونًا، فيُقسِمُ عبْرَ نافذةِ رِقّتِها، أنّ سُحُبَهُ احترقتْ لهفةً عليْها، وكأنَّ الحريقَ نِعمةُ المُحِبِّ في حبيبتِهِ، وأنَّ سُحُبَهُ تتكئُ على بكائيّةِ غيمةٍ بعدَ غيمةٍ، لتتَشَبّعَ حواضِرُهُ جُنونًا، ويَتحوّلَ خضوعُهُ حُلمًا في انتظارِها.
يا إلهي، كيفَ تتوهُ الصّنّارةُ والشِّباكُ في لجّةِ بَحرٍ، طافتْ قيعانُه بالعطايا؟        
أيُّ دُرَرٍ يَصطادُ مثلي هذا الصّيّادُ المُغامرُ، واستكمالُ الرّحلةِ المائيّةِ المُلوّنةِ معَ الشاعرةِ آمال عوّاد رضوان، زوّادتُهُ طولُ نَفَسٍ!؟ 
وأيُّ نفسٍ ذاك الذي لا يَنقطعُ، وهو يَغرقُ مِن عُلوِّ موْجةٍ، إلى قاعِ العطايا المَنثورةِ على أصدافِ اللغة؟
نهَمٌ صَريحٌ في عشتاريّةِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، عندَ عاشقٍ لا تَنحسِرُ لمَشاعرِهِ الجيّاشةِ وديانٌ ولا أنهارٌ، فتَخرجُ الشاعرةُ عن حَدِّ الكلامِ إلى الصّدوح فتَقولُ: أُدَمْــــــوِزُكِ.. وتَـــتَـــعَـــشْـــتَـــرِيـــن/ أُلْقِي عَلَيْكِ.. مَلَاءَاتِي الْخَضْرَاءَ/ فَتَسْتَعِيدُ أَعْشَاشِي/ تَـرْتِـيـبَ عَـصَـافِـيـرِهَا/ وَتَتَسَرْبَلينَ.. أَنْهَارَ خُصُوبَتِكِ!
أيُّ خلودِ لذّةٍ تلك الّتي أشهرَتْها ربوعُ الشاعرةِ آمال عوّاد رضوان، في حنايا صدرِ الدّنيا الضيّقِ، المُنغَمِسِ بالاقتتالِ والفِتنِ والكراهيّةِ، لتُغطّيه بكلِّ هذا الحبِّ الأسطوريِّ الراقي، وتُخفي قُبْحَ الواقعِ الموْجود، بعفّة الجودِ في قلبِها الأوسَع والأشسع؟    
الدّورانُ العاطفيُّ عندَ الشاعرةِ لا يَتعبُ مِن تنغيمِ الولَهِ الإبداعيِّ، على مقامِ مَجازٍ صوفيٍّ مُزركشٍ بخيطِ حريرٍ، يَطوفُ ويلفُّ على حوافِّ كلِّ نصٍّ، ليَتوبَ كلُّ كارِهٍ عن كراهيّتِهِ، وكلُّ حاقدٍ عن حقدّه، ويُعزّزَ كلُّ مُحِبٍّ حُبَّهُ.
شاعرةٌ مِن طرازِ آمال عوّاد رضوان، بلا شكٍّ، يَغرسُها الأدبُ العربيُّ في مكتبتِهِ مسيرةَ مسَرّةٍ، ليستنبتَ يراعَها، ويُقشّرَ لحافَ غيْمِها إبداعًا.



شوهد المقال 1272 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats