الرئيسية | الوطن الثقافي | مادونا عسكر - من يحاسب الإله إذا قتل؟

مادونا عسكر - من يحاسب الإله إذا قتل؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

مادونا عسكر - لبنان

 

رصاصة واحدة تكفي ليسكن غضب الإله وينعم  براحة مؤقّتة، ليعود وينظر من عليائه باحثاً عن مناهض لفكرة أو عقيدة أو حتّى فلسفة وجود، فيبيده ويكون عبرة لمن سمحوا لعقلهم أن ينتصر. رصاصة واحدة تشبع نهم فكرة الإله المنزّه المعقّد والمُستعبَد. فالإله المنغلق على نفسه والمحاط بعصابات تكرّس حياتها للدّفاع عنه، إله استعبده شرّه وتراكمت في جوهره عقد أمعنت في تشويه صورته، وولّدت  في ذاته عطشاً للعنف والكره. إله لا يحترم القلق المعرفي كائن جاهل لمخلوقاته، بعيد عنهم حدّ الخوف منهم. يجنّد أشباه أنام تستلّ سيفه، وفي لحظة خاطفة تضع حدّاً للحياة ثمّ ما تلبث أن تعيده إلى غمده ملطّخاً بالدّماء. ونسأل عن ذاك الإله المتكبّر الّذي لا يغفو إلّا على أضرحة النّفوس الباحثة عن الحقيقة، فنجده في ركن ما  يغسل يديه من دماء الصّديقين. 

كيف لإله أن لا يحترم براءة أطفال تزهر بكائر عقولها، وينتفض فكرها محاولاً فهم ما لا يُفهم من تناقضات جمّة تثير القلق في الّذات، وتبعث في الكيان الإنسانيّ تساؤلات لا تعدّ ولا تحصى عن فكرة إله لا يثبت نفسه إلّا بالقتل!

كيف لإله أن يرذل المثقّفين والأدباء والشّعراء الّذين يزرعون الجمال والبهاء في العالم، ويهتمّ لإعلاء شأن من منحوا لأنفسهم حقّ تحقيق العدالة الإلهيّة؟ أتراه إله خائف من الإنسان، يتنافس معه على الحكمة والمعرفة؟ أم تراه حرفاً سقط سهواً في أيدي من لا يقرأون ولا يفهمون؟ 

رصاصة واحدة تكفي لتهيّج  في نفوسنا النّقمة على إله محتجب في صدور مريضة شرّيرة، تستبيح العنف والاضّطهاد والقتل. وتعيد إلى الحاضر مرارة عصور مظلمة تركت في الإنسانيّة جرحاً ما زال ينزف حتّى الآن. رصاصة واحدة تختصر تاريخ المتديّنين الجهّال، المستعبدين لإله وهميّ والمأسورين في سجون مرضه وجنونه. إله فكرة، تجذّرت في عقول تعفّنت من الجهل،وتأصّلت في نفوس ممسوسة قابعة في نتانة الحروف. جثث تتحرّك في هذا العالم تحقّق عدالة الغابات، وتشرّع الحقّ المضلِّل، فتستبيح كرامة الإنسان، وتسلب حياته باسم الإله. أموات همُ كما إلههم، يتصدّون للحياة ولا يقوون إلّا على قتل الجسد. 

لكنّ النّقمة لا تجدي نفعاً ولا تعيد إلى الحياة من أشعلت المحبّة قلوبهم فانقلبوا على الإله الميت. والاستنكار والاستهجان لا يحرّكان ساكناً في التّاريخ الإنسانيّ ولا يغيّران مساره. وحدها العقول المستنيرة والنّفوس المشرّعة على المحبّة وإن كانت قلّة قليلة، تقاوم دياميس الظّلام، وتبدّل وجه الأرض وتحارب أيديولوجيّة الإله المجرم. فبصيص نور ينبعث من سراج صغير قادر على اقتحام ظلمة دامسة بل جبّار يقوى على دحرها.

شوهد المقال 1220 مرة

التعليقات (4 تعليقات سابقة):

محمد الشريف الجزائر / في 10:51 09.05.2016
avatar
أكيد لايستطيع أحدا محاسبته ، لكن الإله المتجلي في عاطفة الرحمة ، ومشاعر الحب ، وسكينة السلام ، وفي ألوان أجنحة فراشات الربيع ، وفي إبتسامة الطفل الرضيع ، وفي قطرة ماء المطر ، وفي دفء ضوء الشمس ، لايمكنه أن يكون قاتلا ولا سفاحا .
كما أنه لم يوكل أحدا للقتل بإسمه ، وهو الذي عاقب هابيل عقابا أبديا على ابتداع سنة القتل ، بل عاقب من حبس هرة بالعذاب الأبدي ، وتوعد بالقصاص ممن وأد البنات ، وحتى من روع آمنا ولو مازحا
إن نوازع الشر في النفس البشرية هي التي تحاول أن تجد مبررا لها بإسم الإله ، كما يبرر الحاكم لنفسه القتل بإسم السياسة ، واللص بإسم الحاجة والعوز ، والمعتدي بإسم الدفاع عن النفس ، وهكذا تتحول نوازع الشر ، وثقافة الكراهية للمختلف إلى إيديولوجيا تقتل وتستعبد وتقمع بإسم الإله البريء .
مادونا عسكر/ لبنان في 01:59 11.05.2016
avatar
الأستاذ الفاضل محمد الشريف
أشكرك جزيل الشكر على متابعتك، وليمنحك إله المحبة كلّ الخير والسّلام
محبتي وتقديري
أمين في 12:40 20.05.2016
avatar
لم أفهم الحروف أو النص او حكايتك مع الكلمات لم افهم ديانتك لم أفهم مالا تفهمين ..

هل كان لابد من إله في الدنيا يفصل بين الناس .. هل كان لابد ان يخلق الإلاه مجتمع بلا رصاص مجتمع آلي مبرمج يحب بعضه البعض ...

تستطيعين الكتابة و نستطيع الكتابة عن اي شيء في الدنيا لكننا لا نصل او لا يحق لنا أو مهما تفكرت و فكرت لا تكتبي عن الله عز وجل بين فتافيت الحروف ...

مشكورة على الحروف لو كانت تغيرت و أصبح شكلها قصيدة او عز أو نقد أو نسكت و لك ما تكتبين و لنا ما نقرأ و السلام ..
مادونا عسكر/ لبنان في 08:29 24.05.2016
avatar
أمين-
مشكور على حضورك وحسن القراءة أستاذي الفاضل، ولرأيك كلّ الاحترام والتقدير.
لكن لي رأي مخالف لما تفضّلت به، أو توضيح بسيط أرجو من حضرتك تقبّله.
لو لاحظت أستاذ أمين أنني لم أمسّ قطّ العزّة الإلهيّة، لقد تحدّثت عن إله ميت ولم أتحدّث عن الله. واللّبيب من الإشارة يفهم.
الكتابة فعل حرّ والكاتب الّذي يضع قيوداً لفكره أو يسمح بأن يضع له أحدهم قيوداً ليس بكاتبٍ.
لك أن تعبّر عن رأيك بحرّيّة، وتنتقد وتعترض وسأحترم، ولي أن أكتب وأعبّر عن نفسي وعن شريحة ضاق صدرها من عصابات تحتكر الإله لنفسها وتسلّط سيفها على أعناق البشر.
خالص شكري ومحبتي.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats