الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - سيدي منصور ... وَليُّ باب عَزُونْ "المَحْقُورْ"

فوزي سعد الله - سيدي منصور ... وَليُّ باب عَزُونْ "المَحْقُورْ"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

ما يزال تاريخ الجزائر العاصمة، مثلها مثل العديد من المدن الجزائرية، حافلا بالألغاز والأسرار التي أُلِّفت حولها حكايات و أساطير تملأ أغوار الذاكرة الشعبية حتى وإن بدأ يهددها النسيان. ولعل أحد أجملها تلك الأسطورة المستوحاة من الواقع لتي نُسجت حول شخصية طيِّبة في غاية الوداعة هي شخصية سيدي منصور...

 

يقول البعض إن سنة 1645م كانت سنة ميلاده، في الوقت الذي يرى فيها آخرون سنة وفاته شنقا من طرف السلطة العثمانية. لقد بقي شخصية عجيبة في حياته ومماته لكثرة ما أحيط به من اهتمام شعبي فيه الكثير من الغرابة والعجائبية والإجلال حتى إن ميلاده و وفاته بقيا إلى اليوم طلسما يحتاج لخبرات تفوق خبرات المنجمين والعرافين.

تقول الرواية الشعبية إن سيدي منصور، الولي الصالح صاحب البركات و"المعجزات"، تمتع بقدرات غيبية سمحت له حتى بالحديث مع الأشجار. فأحاجي عجائز قصبة الجزائر تؤكد، والعهدة على الراوي، أن أفضل صديق ورفيق له طوال حياته هو شجرة دلْب (Platane) عتيقة قُدِّر عمرها بمئات السنين... لذلك كانت من الضخامة والارتفاع الشامخ في السماء أن أغصانها وأوراقها الشديدة الخضرة والكثافة كانت تتدلى من فوق سور باب عزون، وتطل منه إلى خارج المدينة، حيث يقع اليوم مدخل هذا الشارع من جهة ساحة بور سعيد...

 Le Platane de sidi mansour à Bab azzoune au sud est de la vieille médina dite de nos jours la casbah d'Alger....

En arrière plan, on voit le minaret de la mosquée Mezzo Morto, et Haoumat SOUSTARA u peu plus haut à gauche

شجرة الدلب المضللة لضريح الولي سيدي منصور عند الباب المعروفة بـ: باب عزون في مدينة الجزائر العتيقة المعروفة اليوم بـ: قصبة الجزائر... في الخلف نرى صومعة جامع ميزو مورتو.. وحومة سوسطارة قليلا إلى أعلى من جهة اليسار

 

ظللت شجرة الدلب صديقها الحميم منصور الإسكافي البائس، الذي كان قابعا طيلة سنين طويلة في محله الصغير عند الباب الجنوبي لمدينة سيدي عبد الرحمن من الجهة الداخلية... كان منصور مطلعا على كل كواليس "البهجة" و دقائق شؤونها بفضل هذه الشجرة العجيبة التي كانت تَحكي له بعناية في خلوة الليل و قيلولة النهار تحت ظلالها الوافرة تاريخ "المحروسة" و أسرارها منذ بلكين بن زيري و الثعالبة حتى خير الدين و عروج و من أتوا بعدهما... لكن صفو الحياة و متعة صداقته مع شجرة الدلب لن يطول بهما الزمن بسبب حقد الحاقدين وحسد الحاسدين. فَقَدْ تَعرَّض منصور إلى وشاية، حسب ما كان يُشاع، من طرف بعض الأعيان لدى السلطان في قصر الجنينة (ساحة الشهداء) و أتت الوشاية ثمارها الخبيثة، بحيث أرسل السلطان رجاله ليأتونه بالشيخ الهرم. ولسوء حظ هذا الأخير فإنه تَلَعْثَمَ من الخوف أمام غضب الباشا المتطاير شررا و لم يحسن الدفاع عن نفسه و لا الإقناع ببراءته من التهم الملفقة له. النتيجة..؟ كان مصيره الحكم بالإعدام دون أن يشفع له سِنًّه المتقدم ولا تعاطف الناس و شفقتهم عليه..، لكن ليس في يوم عيد الأضحى... فمات شنقا، حسب هُنْرِي كْلاَيْنْ(Henri Klein)، في الساحة العمومية بـ: "السوق الكبير" قرب "دار عزيزة بنت الباي" التي ماتزال ببياضها وفخامتها تقابل إلى اليوم بخيلاء جامع كتشاوة...

في أجواء من الحزن العميق، عُلقت جثة منصور من طرف الجلاد على الأنياب الحديدية المغروسة في صدر باب عزون خصيصا لمثل هذه الإعدامات ذات الطابع السياسي أو الجنائي العام. لكن حادثة عجيبة، تقول العجائز، سوف تحدث في تلك الليلة لتسمو بمنصور إلى الأبد إلى مصاف الأولياء والصالحين.

 

"ما بْقَى فوق السُّورْ...غيرْ سيدي مَنْصُور"!

 

تعوَّد سكان المحروسة عند غروب الشمس على نداء البراح للإعلان عن موعد إغلاق أبواب المدينة الخمسة: باب عزون، الباب الجديد، باب الوادي باب الجزيرة، وباب السَّرْدين... مفاتيحها كان ينقلها "قايَدْ" الباب إلى الداي شخصيا لتبقى عنده حتى طلوع الفجر. وعندما تنام مدينة سيدي عبد الرحمن لا يبقى سوى "النُّوباجِية" الأغواطيين عند الأبواب والعسكر فوق القلاع والحصون يحرسون ويسهرون على أمن سكانها.

في ظلام الليل الدامس، سمع سكان المدينة صوت منصور يردد في تأوّه حزين: "مايبقى فوق السور غير المسكين.. منصور"... وكانت هذه "المعجزة"، التي أنَّبَتْ ضمائر الجميع، كافية لِتُحَوِّلَ هذا الإسكافي المظلوم إلى حديث العام والخاص في السوق الكبير وحي القيسرية (ملتقى المثقفين) بساحة الشهداء، وفي الحمامات، والأزقة والمقاهي، وحتى في البيوت. ومنذ هذه الحادثة سوف يدخل منصور من الباب الواسع في الفلكلور العاصمي، و"يُبايَع" وليًّا صالحا ذا كرامات وبركات وقدرات خارقة للطبيعة، ويحوز عن جدارة لقب: سيدي منصور ذي الدلالة شديدة الروحية.

Le Platane de sidi mansour à Bab azzoune au sud est de la vieille médina dite de nos jours la casbah d'Alger...

شجرة الدلب المضللة لضريح الولي سيدي منصور عند الباب المعروفة بـ: باب عزون في مدينة الجزائر العتيقة: قصبة الجزائر...

 

بعد كل الذي حدث ، دفن الشيخ في دكانه تحت شجرة الدلب، رفيقة العمر، التي بقيت وفية له تُظلّله بوفاء وتُظلّل زوار الضريح والأتباع الذين دُفنوا في أوقات لاحقة إلى جانبه.

شيئا فشيئا، تَحَوَّل هذا الضريح إلى مُصَلَّى وقبة تستقطب الناس في الأعياد والمواسم الدينية أين يغتنم الزوار عادة الفرصة لتقديم طلباتهم للولي، رغم إرادته، بتحريك السَّعْد الخامل أو حتى النائم، والشفاء من الأمراض، وتزويج من استعصى عليه الزواج، وحتى على تجاوز الصعوبات الاقتصادية. وفي يوم من الأيام، حتى استئناس شجرة الدلب الضخمة بصديقها سيدي منصور وضعت له السلطات الاستعمارية حدا بعد صداقة دامت أكثر من مائتي سنة.

نهايــة صـداقــة

في 1846م، قررت هذه الأخيرة نقل رفات الولي الصالح، لأسباب عمرانية تقتضي تهديم سور باب عزون و ما يحيط به من بنايات، إلى مقبرة ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي في مرتفعات المدينة قرب باب الوادي. تمت إعادة دفن الرفاة بمرافقة فرقة عسكرية رسمية للموكب الجنائزي بالموسيقى الحربية متبوعةً بسكان المدينة الذين بقوا يُكِنّون له احتراما بليغا و تقديسا كبيرا. أما شجرة الدلب التي شهدت بحزن عميق دخول الكتائب الاستعمارية الأولى في 1830م فإنها لم تصمد في هذه المرة لفراق سيدي منصور، إذ بعد أن ظَلَّلَتْ بائعي الصابون الأسْوَد التقليدي، الآتين من جبال عمَّـال (البويرة) الذين اتخذوا من محيطها سوقا لهم، و مقرَّ البريد العثماني و حتى الفرنسي في بدايات الاحتلال، انهارت قواها من الكمد، فذبلت و تَعَرَّتْ تدريجيا من أوراقها التي اشتهرت بكثافتها في عهد الإسكافي منصور حتى علَّق الناس على ذلك "العجب" بأن "من الحبّ ما قتل". وبالفعل ماتت الشجرة في 1853م بعد سبع سنوات فقط من رحيل رفاته عنها، فاقتلعتها سلطات المدينة نهائيا لتُوقِّع نهاية أسطورة جميلة بقيت حية طوال أكثر من قرنين و ذلك في يوم 11 أكتوبر من نفس السنة.

إثر هذه النهاية الحزينة ازداد سكان "البهجة" اقتناعا بفعالية وليِّهم منصور و داوموا على الحج إلى ضريحه حتى بدايات القرن العشرين. لكن الاستعمار في يوم من الأيام فضَّل الواقعية والفعالية الاقتصادية على الغيبية والعجائبية فحوَّل جذع وأغصان هذه الشجرة العملاقة التي كتبت عنها جريدة Lakhbar ( لََخْـبَـارْ) الفرنسية في 1853م "أنها شهدت تداول 95 باشا وأكثر من 25 حاكما عَامًّا (فرنسيا)" على حُكم البهجة..، منذ حملة شارلكان في 1541م ، إلى "105 قنطار من الحطب بيعت ب: 120 فرنكا".

بعض ما تبقى من حطب هذه الشجرة الأسطورية، هو اليوم عبارة عن سلالم (Escaliers) العمارة رقم 3 ساحة بور سعيد، بمدينة الجزائر طبعاً. وأجمل ما بقي للخَلَف من صُوَرِهاَ وهي تنثر أوراقها بسخاء على أرضية باب المدينة وتظلل ضريح سيدي منصور، قبل سنة 1846م، وباعة الصابون القبائل، ومؤسسة البريد، هي اللوحة المائية الرائعة التي رسمتها الفنانة التشكيلية السيدة السويدية شولتز(Madame Schultz) في 1832م.

أما الذين لم يسمعوا من قبل بسيدي منصور، فما تزال أمامهم فرصة لزيارته وتحيته وذلك بمقبرة وضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي بالقصبة مع تبليغه سلام كاتب هذه السطور.. والرجاء عدم نسيان الهدايا: العنبر والجاوي وبضعة شموع وقليلا من البخور... وشكرا.

 


Le Platane de sidi mansour à Bab azzoune à la casbah d'Alger....

شجرة الدلب المضللة لضريح الولي سيدي منصور عند باب عزون في مدينة الجزائر العتيقة

شوهد المقال 2785 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

سهيل بن طالب في 10:47 26.01.2020
avatar
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ماشاء الله تبارك الله عليه نعم انها قصة مثيرة حقآ الله يرحمك يا سيدي منصور برحمته الواسعه ويرحم جميع أولياء الله الصالحين امين والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

عادل اورابح ـ السكتمبري يمكن أن يكون فرانكوفونيًا أيضًا ! حكيم لعلام نموذج

 عادل اورابح المنشور الذي كتبه حكيم لعلام(كاتب عمود في جريدة Le Soir d’Algerie) اليوم حول موقفه من سجن كريم طابو هو باختصار ذروة اللاشرف. أولاً: التضامن الإنتقائي
image

وليد عبد الحي ـ هوس التنبؤات بالكورونا

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ الفترة القصيرة على بدء " حرب الكورنا" ، توالت الكتابة عن تنبؤات قديمة نبهت لهذا الفيروس، وبدأت الكتابات المتعجلة والمتبنية
image

حميد بوحبيب ـ الشعب الزوالي رآه تلف له الحساب ، وما جبر راس الخيط

 د. حميد بوحبيب  صح يبان مستهتر شوية بالوباء هذا ديال الكورونا، وفي الحق رآه خايف ...خايف ، رآه يحس باللي رآه يتيم...تخلات عليه آلهة السماء ...وآلهة
image

العربي فرحاتي ـ الشعب الجزائري ..يستحق التكريم لا القزول ..

 د. العربي فرحاتي  هذا الشعب الذي أعطى مثالا لشعوب العالم في التضحية من أجل الحرية ..هذا الشعب الذي أعطى أروع الأمثلة في الصبر على أخطاء أبنائه
image

عبد الجليل بن سليم ـ العلاج له علاقة مع ثقافة الشعوب

 د. عبد الجليل بن سليم  أعود إلى أهم كتاب كان لازم بل هو مفروض على الطلبة المختصين في الطب و الإحصاء البيولوجي و علم النفس
image

أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

 أحمد سعداوي  في الأشهر الأولى ما بعد الاحتلال وسقوط نظام صدام في نيسان 2003 كنت مثل غيري شاهداً على اختفاء الدولة، فلا شرطة ولا جيش
image

سعيد لوصيف ـ تسيير الآني مؤشر على الفشل المستدام..

د. سعيد لوصيف   من المخاطر المحدقة بدول الازمات المستدامة ( واقصد هنا الجزائر على وجه الخصوص ) في الاشهر المقبلة في التعامل مع الاشياء
image

مخلوف عامر ـ كورونا وتداعيات الصَّدْمة الحضارية

د. مخلوف عامر  منذ عصر النهضة أحسَّ الإنسان المسلم بهوْل الصَّدْمة الحضارية، لأنَّه، وهو يلتفت إلى كل مناحي الحياة ، إلى لباسه وأكْله وشربه
image

نجيب بلحيمر ـ لكريم السلامة قبل الحرية ... ماذا يراد بكريم طابو؟

نجيب بلحيمر  كريم طابو يجب أن يبقى في السجن.. هذا هو القرار ولا تهم كيفية إخراجه. قبل يومين من استنفاذه عقوبة ستة أشهر حبس التي قضت بها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats