الرئيسية | الوطن الثقافي | سامية بن عكوش - تأمّلات 5: سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 (1)

سامية بن عكوش - تأمّلات 5: سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 (1)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

سامية بن عكوش  

     

  إنّ طبيعة الأسئلة التي يطرحها أيّ مجتمع أمام مشكل ما، ليكن مشكل البطالة مثلا، تحدّد أوّلا طبيعة فهم هذا المجتمع  للمشكل، أي البنية العقلية للمجتمع. وثانيا مدى إمكانية هذا المجتمع في إيجاد الحلول لمشاكله. فإذا أخطأ المجتمع طرح الأسئلة المنوطة به في أيّ مرحلة تاريخية، زاغ عن طريق التنمية المستقيم، وتخبّط في دائرة الأجوبة الخاطئة لأسئلة في الأصل خاطئة. وإنّ الأسئلة الصحيحة  التي تواجهنا في جزائر 2015: لماذا لم نحقّق التنمية الكافية في فترة البحبوحة المالية في سنوات خلت؟ كيف نحوّل مشاكلنا الاقتصادية إلى فرص تنمية؟ أما الأسئلة الخاطئة التي تزيدنا تيها وضلالا: من فعل بنا ذلك؟

    إنّ السّؤال الحضاريّ الذي يجب أن يشغل مفكّرينا وساستنا وعمالنا: لماذا لم نحقّق التنمية في الجوهر واكتفينا بها في العرض؟ ونقصد بالجوهر تغيير الذهنيات والأفكار وطريقة العمل في كلّ المجالات، أما العرض فهو تمظهرات إضافية وليست أساسية للجوهر، مثل الطريق السيّار شرق-غرب ومشروع مليوني مسكن ...إلخ.

        إنّ استقراءا للخطاب السياسيّ الجزائريّ هذه الأيام، يتوقف عند خطابين متعارضين. أولّهما خطاب تطمينيّ من الحكومة؛ وثانيهما خطاب انتقاديّ من المعارضة للحكومة. لازالت الحكومة مستمرة في خطاب تبريريّ، يتّخذ حلولا ظرفية كالتقشف وزيادة الضرائب وتقليص الغلاف الماليّ للتجهيز. بينما لاتزال المعارضة مصرّة على إثبات فشل الحكومة في كلّ مناسبة إعلامية. وبين خطاب تبريريّ وآخر هجوميّ، غابت الاستراتيجيات الواضحة و الأهداف المحدّدة والمدة الزمنية. وبدل اندماج الكلّ في وضعية تسمى وضعية الخطر، علّها تسمح بتفجّر عبقرية الجزائريين لمجاوزة الوضعية الخطرة، لأنّ الخطر وحده الكفيل بإحياء غريزة الصراع من أجل البقاء في الإنسان كما في الأمم؛ فإنّ الرّأي العام الجزائريّ ومعه المعارضة وأحزاب الموالاة انشغلوا باليوميّ والعرضيّ، مثلما حدث هذه الأيام من لغط إعلاميّ كبير حول إقالة الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة لرئيس المخابرات الجزائريّ، محمد مدين المدعو توفيق. فسقط الأغلبية عن وضعية الخطر المنوطة بوضعنا الوجوديّ الحرج، إلى سرديات ألف وليلة وليلة من حكاية بوتفليقة وتوفيق. وأسهم الإعلام في سقوط المجتمع في القيل والقال والروايات ونقيضها، ومعهم العشرات من الخبراء السّاردين، من مبشّرين بمجتمع مدنيّ يلوح في الأفق برحيل الجنرال توفيق، ومن متوجّسين مما يحصل في قصر المرادية. وإنّ صورة الجزائر هذه الأيام، وهي تغرق في السّرد الأسطوريّ أشبه بسفينة توشك على الغرق، والركاب على متن السّفينة ينصرفون إلى حكاية القبطان الذي يضاجع زوجة صديقه كلّ ليلة. والجامع بين الصورتين تركيز الاهتمام على الأشخاص لا الأفكار. إنّ العقول الصغيرة تركّز اهتمامها على الأشخاص، بينما ترتقي العقول الكبيرة إلى التركيز على الأفكار.

     إنّ خطابا سياسيا يركّز على الأشخاص لتبرير أحداث داخلية، نابع من عقلية ترسّخت منذ الاستقلال، فمنذ الاستقلال ركّز النّظام الجزائريّ على صناعة شخصيات كاريزمية لرئاسة البلاد، لهذا اتّسمت العلاقة بين فترات الحكم المتوالية بالقطائع على مستوى المشاريع؛ فبمجرد نهاية الفترة الرّئاسية لرئيس ما تذهب معها الأفكار والمشاريع التي قيد التطبيق. وقد تمظهر التركيز على الأشخاص لا الأفكار في طبيعة الأسئلة التي واجهت بها الجزائر مشاكلها. فوحدها الأسئلة تكشف نمط التفكير السّائد في مجتمع ما. وغالبا ما ركّز الخطاب السياسيّ الجزائريّ على سؤال: من فعل بنا ذلك؟ أمام أيّ مشكل واجه الجزائر. وغالبا ما حمّل مسؤولونا فرنسا تبعات كلّ تعلاتنا وإخفاقاتنا. ومع الانفتاح الدّيمقراطي الذي حملته فترة التسعينات، أصبحت المعارضة تجيد سؤالا واحدا أمام أيّ انسداد سياسيّ تمرّ به البلاد، من فعل بنا ذلك؟ وإجابتها واحدة: السّلطة وبالضبط شخصية الرّئيس هي المسؤولة عن هذا الوضع الحرج أو ذاك. وشهدنا في فترة التحضير لرئاسيات 2014 تراشقا للتّهم بين المعارضة والموالاة، سؤاله: من سبّب الأزمة؟ وجوابه: الرّئيس هو السّبب من وجهة نظر المعارضة، والمعارضة الضعيفة هي السبّب من وجهة نظر أحزاب الموالاة. ومع الحملة الانتخابية لرئاسيات 2014 بلغ تركيز الخطاب السياسيّ للمعارضة والموالاة على أحوال الرّئيس مبلغا عظيما. وانقضت الحملة الانتخابية لرئاسيات 2014 بالحديث عن الأيدي والأرجل بدل الحديث عن الأفكار والتصوّرات والمشاريع. 

      إنّ السّؤال: " من فعل بي ذلك؟ " نرجسيّ يرفض به المجتمع أو الإنسان مجابهة ذاته ومعاينة قصورها واعتلالها، وهو ما يسمى في علم النّفس الإنكار. ويستبدل المجتمع النّرجسيّ أو الإنسان النّرجسيّ موضوع مشاكله الحقيقية بموضوع بديل، يعزّز انكفاءه وإنكاره لواقعه، مثلما أضحى الخطر الخارجيّ موضوعا بديلا  لاكه سياسيونا في الماضي ولازالوا يلوكونه هذه الأيام، والبلد في مرحلة تاريخية حاسمة.

      إنّ سؤال: من فعل بنا ذلك؟ أضحى سلوكا متداولا في تعامل المسؤولين مع جلّ مشاكل الجزائر، فغالبا ما يجابهون خلّلا في شركة أو أيّ موقع اجتماعيّ بإقالة المدير أو المسؤول عن المشروع. لماذا؟ لأنّهم يبحثون دائما عن فرد يحمّلونه مسؤولية فشل ما، ولا يدرسون بعمق وموضوعية أسباب الفشل. والأدهى أنّ هذه العقلية أصبحت تسيّر حتى الرياضة عندنا. فبعد فشلنا في كأس العالم 2010، تساءل المسؤولون عن الرياضة: من المسؤول عن فشلنا؟ فوجدوا الإجابة في شخص سعدان، الذي أضحى سببا لكلّ مآسينا الكروية، بينما كان بالأمس القريب بطلا وطنيا، يحمل على الأكتاف وتعلّق صوره على الجدران وفي المحلّات. إنّ مجتمعا يصنع زعماء ظرفيين، يحمّلهم مزّية نجاح ما، ثمّ يهوي بهم أرضا لما يجابه فشلا ما، إنّما هو مجتمع يتصوّر التنمية صنيعة شخصيات كاريزمية واحدية، ومثل هذه العقلية الواحدية تسأل السّؤال ذاته: من فعل بي ذلك؟ في كلّ وضعية فشل تتعرّض لها. ويشكّل هذا السّؤال النّرجسيّ خطرا على المجتمع الجزائريّ، إن مضى قدما في ترسيخه تفكيرا وقولا وسلوكا، لأنّه سيتسبّب في تضخيم ذاته وزرع الاتّكالية والاستسلامية في سلوكاته، ويعزله عن مواجهة صريحة مع ذاته. وهذا ما يزيده تيها وتخبّطا، على كلّ المستويات. ( يتبع) 

شوهد المقال 1268 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فتيحة بوروينة ـ في التفوق الوردي !! لماذا تصر الفتاة على التفوق والنجاح؟

فتيحة بوروينة   لماذا تظل نسبة نجاح الإناث في امتحانات شهادة الباكالوريا تحديدا، وبغض النظر عن كونهن إحصائيا الاكثر عددا، اكبر من
image

ثامر ناشف ـ بين تبون و Tebboul هناك "عشق ممنوع"

د. ثامر ناشف  ان جزائر الاستقلال لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون فرنسية الهوى ماسونية التوجه مهما كان؛ وانه لا يمكن بأي حال من
image

نجيب بلحيمر ـ وهم التفاوض

نجيب بلحيمر  تابعت جزءا من النقاش الذي دار حول مشاركة وجوه معروفة في الحراك في ندوة نظمها ما يسمى تكتل المسار الجديد بقصر المعارض وهي الثانية
image

ميثم العيبي ـ قفازات الكاظمي "البيضاء"

د. ميثم العيبي  اول ما يمكن مناقشته في ورقة الاصلاح بعد قراءة سريعة لها، هو لماذا "الورقة البيضاء"؟وعند الرجوع للمصادر نجد ان هذا المصطلح يشير الى
image

زهور شنوف ـ محمد تاجديت القادم من غياهب الظلام!

زهور شنوف  اليوم الجمعة أيها الشاعر.. ولم تعد الجمعة مثل جمعات العام الذي تعرفت فيه عليك وعلى كثير من حرائر وأحرار الجزائر.. لقد عادت الجمعة منذ
image

العربي فرحاتي ـ الوثوقية التامة ..وسقوط الشك ..

د. العربي فرحاتي ---------قد أكون مخالفا في هذا المقال للنسبية والمنهج النقدي ..من حيث أنني نفيت الشك عن ما سيأتي من المشهد الانتخابي..ووضعته ضمن الحقيقة المطلقة..إلا
image

نورا الواصل ـ لا للتطبيع

 نورا الواصل        حرفي تعثر باكيا مستنجدا
image

علاء الأديب ـ جلجامش وكورونا

علاء الأديب  أحزنه كثيرا ان يرى جثة صديقه العظيم أنكيدو متعفنة يأكل منها الدود وعزت عليه نفسه ان يكون كصاحبه يوما فطلب جلجامش النصح من جده
image

جمال الدين طالب ـ جائزة.. أم "جائرة" نوبل؟

جمال الدين طالب  قفز هذا السؤال مرة أخرى مع إعلان فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك (77 عاما) بجائزة نوبل للآداب هذا العام 2020، الذي جدد
image

جلال خَشّيبْ ـ ستيفن والت في كتابه الأخير "جحيم النوايا الحسنة: نُخب السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الريادة الأمريكية"

إعداد وترجمة: جلال خَشّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية  هل "القوقعة" (مُؤسّسة الخارجية) غيرُ مَلَومةٍ حقّا؟ كيفيةُ عدمِ تقييمِ الاستراتيجية الأمريكية الكبرى ستيفن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats