الرئيسية | الوطن الثقافي | سامية بن عكوش - المقال: واقع العمل الجماعيّ في الجامعة الجزائرية

سامية بن عكوش - المقال: واقع العمل الجماعيّ في الجامعة الجزائرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سامية بن عكوش 

          

    يقول سادتنا الصوفية أنّ الإنسان تتنازعه ثلاث شهوات: شهوة النّكاح وشهوة الطعام وشهوة السّطوة. وإنّ شهوة السّطوة من أقوى شّهوات الإنسان. فالإنسان جبل على حب السّيطرة، على الآخر وأفكاره والجغرافيا التي يتحرّك فيها. وإنّ لقاء الإنسان بأخيه الإنسان في أيّ مكان، ليكن مكان العمل مثلا، هو فرصة لتسابق الشّهوات لأجل التحقيق. وإذا كانت الإنسانية قد وفقت إلى حدّ ما في ضبط  شهوتي الأكل والنّكاح، عبر سياسة صارمة لتدبير شؤون الجسد منذ العصور القديمة؛ فإنّ شهوة السّطوة بقيت مستعصية على كلّ القوانين والضوابط التي اجتهد فيها العقل البشريّ. فغالبا ما يكون التقاء البشر في نفس الحيّز الجغرافيّ فرصة لتسابق شهوات السّطوة كحمر مستنفرة، فرّت من عقول نائمة أو معطّلة. وقد برع ميشال فوكو  في إبراز التشابكات بين الجغرافيا والسّلطة والمعرفة كما أبرزنا ذلك في مقالنا " المثقف العربيّ وشبكة العنكبوت السّلطوية". يكاد المتأمّل- إذن- لجنون الأهواء وسطوتها على العلاقات الإنسانية، أن يجزم بأنّ الهوى جوهر في الإنسان أما العقل فعرض.

          يقترح سادتنا الصوفية مجاهدة نفسية عظيمة لتغليب حكومة العقل على قراصنة الأهواء. وهو ما ضمّنوه في أدبياتهم عن " الفناء والبقاء". وقد يستغرق المجاهد - بالمعنى الصوفيّ - عمره كاملا، لتحقيق المجاهدة النّفسية المرجوة، وبلوغ مرتبة " الإنسان الكامل". وقد يستنفد المجاهد عمره كاملا، ولا يحقّق سوى درجة أولى في طريق المجاهدة. وإنّ أدبيات المتصوفة هامة في استلهام تدابير تسيير مملكة النّفس، وتحقيق التوازن داخل مملكة النّفس أوّلا، ثمّ سهولة إنجاح العلاقة مع الآخر ثانيا. " من عرف نفسه عرف ربه" كما يقول المتصوفة. ومن عرف نفسه عرف غيره؛ بل " من ضعفت علاقته بنفسه ضعفت علاقته بغيره " فالعلاقة متعدّية في الاتّجاهين. واستلهم المختصون في تدريب المؤسّسات والأشخاص الكثير من أدبيات المتصوفة، في معرفة الذات ومجاهدة أهوائها وتفعيل علاقتها بالآخر. فنحت بذلك علاقات العمل لدى الغرب نحو العمل الجماعيّ والتفاعل الإيجابيّ والتكامل.   

       هناك ثلاثة أنماط من العلاقة الممكنة بين الذات والآخر. النّمط الأوّل: علاقة أنانية ترى نجاح الذات معادلا لخسارة الآخر " أن أنجح ويخسر الآخر "، والنّمط الثاني علاقة تدميرية " لا أنجح ولا تنجح"، أما النّمط الأخير فهي علاقة تفاعلية " أنجح وتنجح "؛ بل " ننجح معا". وقد استثمر الغرب في النّمط الأخير من العلاقة، خاصة في جانب العمل الجماعيّ. و ينبني هذا النّمط على عقل تواصليّ وتفاعليّ يسود العلاقات الأسرّية والسّياسية والاقتصادية. فالمرآوية واجبة بين البنى الثلاثة حسب ما وضّحه ميكيافيلي في كتابه " الأمير" . ففي السّياسة صار العمل وفق برلمان تشاركيّ بين مختلف الفاعلين السّياسيين وغدا الرّئيس فخريا. وفي مجال الأسرة أصبحت العلاقة بين الرجل والمرأة تشاركية مبنية على المعية لا التبعية. وفي المجال الاقتصاديّ أصبح الحديث عن فريق العمل، وما يعنيه من تطبيق استراتيجية للعمل الجماعيّ، قوامها التعاون والتفاعل والتكامل. وإذا تأملنا تاريخ الفكر الغربيّ وجدناه ورشات عمل جماعية، تشكّلت من خلالها مدارس ومذاهب ونظريات. وعبر هذا التاريخ الطويل برزت أفكار ومدارس متعارضة في نفس الرّقعة الجغرافية وبنفس القوة، كفكر دريدا التفكيكيّ وهابرماز التواصليّ مثلا. فلم يلغ أيّ طرف الطرف الآخر؛ لأنّ كلّ واحد متميّز على طريقته. لهذا لا يتحرّج أحد من محاورة ندّه الفكريّ، مادام العالم أوجه نرد مختلفة، وكلّ فكرة تحقيق لإمكانية من إمكانيات النّرد المختلفة. 

          تقوم استراتيجية العمل الجماعيّ على التفاعل الإيجابيّ وتقسيم المهام وإبداع الحلول. فيسمح التفاعل الإيجابيّ بتحقيق الفهم والإفهام بين أعضاء الفريق الواحد، وبالتالي تحقيق نكاح الأفكار كلّ مرة وتكون ثمرة النّكاح: منتوجات جديدة. وإنّ تقسيم المهام يسمح بتحديد المسؤوليات وتقييم النّجاح فيها بالإنجاز لا بالعاطفة. والأهمّ من ذلك إبداع الحلول أمام أيّ مشكلة يواجهها الفريق. فكلّ مشكلة هي فرصة لخلق حلول جديدة، والأهمّ من خلق الحلول فسح المجال للمبادرات، بل وتثمينها معنويا وماديا. الأمر الذي يسمح لعضو بسيط في فريق العمل أن يرتقي إلى مستوى مدير مشروع أو مسيّر مؤسّسات. وليس غريبا أن نسمع عند الغرب عن مدير مؤسّسة مادون سنّ الثلاثين. ولعل ال "و.م.أ " أكثر البلدان التي تتيح الفرص لترقية الفرد وإنجاح مشروعه، لذلك شاع ما يعرف بالحلم الأمريكي le rêve américain  .   

       إنّ علاقات العمل المبنية على التفاعل والتعاون وتقاسم المهام والإبداع، كفيلة بتطوير النّشاط الإنتاجيّ للفريق، وكفيلة بتطوير فعّالية وعبقرية الفرد في ظلّ جو تنافسيّ منظم. وقد سعت الحكومات الغربية إلى الحفاظ على ديناميكية التطوّر والإنتاجية بسنّ جملة قوانين، تحمي حقوق مختلف الفاعلين الاجتماعيين داخل الفريق الواحد والدولة الواحدة. فلا مجال لسّطوة الأنانية الفردية لعضو على حساب آخر ولا لحجب مبادرة إبداعية لحساب أخرى رديئة، مادامت القوانين صارمة وواضحة ولجان الاحتكام نزيهة والقضاء عادلا. وإنّ الغرب ما ينفكّ يعدّل قوانينه ويرقّيها بما يضمن علاقات عمل سليمة، يسودها التنافس والإبداع والتطوّر. وهو ما نعاينه في كلّ القطاعات الإنتاجية لدى الغرب. فلم تعد شهوة السّطوة ممكنة لدى الغرب في ظلّ صرامة القانون وعدالة القضاء واستقلالية اللّجان المتابعة للأعمال.  

        وفي مثل هذه الأجواء المريحة أصبح العمل لدى الغرب فرصة لتنافس الأفكار والتقاء الكفاءات وتكامل الخبرات. فإلى أيّ حد يمكن إنجاح العمل الجماعيّ في الجزائر، في ظلّ الانفتاح الاقتصاديّ الذي تعرفه الدولة؟ ما واقع العمل الجماعيّ في الجامعة الجزائرية باعتبارها المسؤولة عن تكوين كفاءات علمية ذات أداء عالي؟

      إذا كان الترشيد  في القطاع الخاص يخضع لرقابة صارمة من لدن ربّ العمل. ويتمّ فيه التفاضل بين العمال على أساس النّدية والكفاءة والإنتاجية؛ فإنّ القطاع العام الذي تسيّره الدولة، يسوده التسابق لأجل اقتسام مداخيل القطاع، فتظهر الصراعات والتكتلات على أساس المصالح المشتركة. وتنتصر في مثل هذه الأجواء الولاءات على حساب الكفاءات. وفي ظلّ غياب رأس مسيّرة صارمة، تحرس على تحسين أجواء العمل والعلاقات بين العمال؛ فإنّ الرّتابة والنّمطية وبطء الإنتاج هو مصير القطاع العموميّ. وإنّ القطاع العام في الجزائر ليس بمنأى عن الصراعات، خاصة أنّ ثقافة الرّيع ودولة البايلك قد سادتا وسطتا على أجواء العمل في الجزائر منذ الاستقلال، ذلك ما وضّحناه في مقالنا " أزمتا الإنسان والأفكار في جزائر ما بعد الاستقلال".  

        إذا كان الغرب قد نجح ولا يزال ينجح في أعماله الجماعية؛ فإنّ الاقتداء بهؤلاء عبر استيراد النّموذج الغربيّ شكلا دون تهيئة مسبّقة لأجواء عمل مناسبة وتحضير لذهنيات ونفوس جديدة تطبّق مقتضيات العمل الجماعيّ، لن يكون سوى تقليدا أعمى، أو لنقل: حداثة شكلية. وقد يتحوّل العمل الجماعيّ إلى موضة أو فرصة لتوزيع الرّيع. ففي مجال البحث العلميّ صرنا نتحدث عن فرق بحث في مختلف مخابر الجامعات الجزائرية. وفي مجال التأليف صرنا نقرأ مؤلفات جماعية بالمئات. وإنّ الخطوة إيجابية في جانب تكريس تقاليد الكتابة، للخروج من ثقافة الشّفهيّ التي تطبع عقلية الجزائريّ. وإنّ الخطوة ضرورية في مراكمة الأعمال الكتابية كخطوة أولى، وقد تفرز هذه الخطوة تجارب كتابية وتوجهات فكرية في الخطوة الثانية، إن صحّ عزم الجامعة الجزائرية على الخروج من النّمطية والرّتابة والتكرار. وإنّ مشاريع البحث المختلفة تحتاج إلى دراسة جادة وغربلة ومتابعة وزارية أثناء الإنجاز. فالمشاريع التي تطلقها معظم المخابر في الجامعات الجزائرية، وأتحدث عن مشاريع العلوم الإنسانية التي أنتمي إليها، تعاني من قصور الرّؤية وعدم وضوح الأهداف وتكرار المواضيع وقدم مناهج الدّراسة. ونتساءل عن دور لجان الدّراسة في الوزارة المسؤولة عن قبول المواضيع؟ ففي الجزائر يكفي أن يتحصّل الأستاذ الجامعيّ على درجة الدكتوراه ويكفي أن يجمع نصابا معيّنا من الأسماء المشاركة في العمل مع ورقة شرح مختصرة بأهداف ووسائل وخطوات العمل، ليقبل عمله. وقد يتأخّر إنجاز العمل لسنوات وقد يتبخّر. ومع ذلك يصرف الغلاف الماليّ للمشروع كلّ عام. وهنا المسؤولية ملقاة على لجان متابعة أعمال فرق البحث. 

           ثمّ إنّ اختيار أعضاء العمل الجماعيّ يتمّ في بعض الأحيان وفق الولاءات لا الكفاءات. فيتحوّل العمل إلى فرصة للربح الماليّ لا فرصة للتشارك المعرفيّ. وإذا تمّ الاختيار على أساس الكفاءات، فإنّ التحاور والتفاعل والتكامل غائب في معظم الأحيان، بين أعضاء الفريق الواحد، لأسباب تعود إلى انتفاخ ذوات الأعضاء المشاركين، وما يستتبعه من إنكار لآراء الزميل في الفريق وإلغاء لوجهات النّظر. ولأسباب تعود أيضا إلى عقبات النّشر. فغالبا ما يؤجّل نشر الأعمال الجماعية لأعوام، وإذا نشرت فإنّها تواجه عقبة سوء التسويق والتوزيع. فغالبا ما تبقى المنتوجات الجامعية داخل أسوار المكتبات الجامعية، يتداولها أيدي أعضاء الفريق، وفي أقصى تقدير تسوّق إلى مكتبات جامعية مجاورة.  وهذا ما يجعل العمل الجماعيّ في الجامعة الجزائرية معزولا عن القرّاء خارج الجامعة. 

        تحتاج تجربة العمل الجماعيّ في الجامعة الجزائرية إلى استراتيجية وطنية واضحة الأهداف والوسائل: ماذا نريد أن نحقّق من فرق العمل المنتشرة بكثرة في مخابر الجامعات الجزائرية؟ كيف نحقّق ذلك؟ وما لم تتّضح الرّؤية لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلميّ، ستظلّ هذه الأعمال فرصة لتقاسم ريع المخابر، وستؤول إلى كينونات ورقية فوق رفوف المكتبات، يصح عليها عبارة القرآن الكريم " نسّيا منسيا".

   

شوهد المقال 1457 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ مكانة في قلبي

خديجة الجمعة  حينما يغيب القمر وتظهر الشمس . وتذوب خطوط الليل ،يرحل حينها ذاك الذي كان يحادثني طوال الليل بكلام معسول ، ليغسل بعدها خاطري ،
image

فتيحة بوروينة ـ في التفوق الوردي !! لماذا تصر الفتاة على التفوق والنجاح؟

فتيحة بوروينة   لماذا تظل نسبة نجاح الإناث في امتحانات شهادة الباكالوريا تحديدا، وبغض النظر عن كونهن إحصائيا الاكثر عددا، اكبر من
image

ثامر ناشف ـ بين تبون و Tebboul هناك "عشق ممنوع"

د. ثامر ناشف  ان جزائر الاستقلال لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون فرنسية الهوى ماسونية التوجه مهما كان؛ وانه لا يمكن بأي حال من
image

نجيب بلحيمر ـ وهم التفاوض

نجيب بلحيمر  تابعت جزءا من النقاش الذي دار حول مشاركة وجوه معروفة في الحراك في ندوة نظمها ما يسمى تكتل المسار الجديد بقصر المعارض وهي الثانية
image

ميثم العيبي ـ قفازات الكاظمي "البيضاء"

د. ميثم العيبي  اول ما يمكن مناقشته في ورقة الاصلاح بعد قراءة سريعة لها، هو لماذا "الورقة البيضاء"؟وعند الرجوع للمصادر نجد ان هذا المصطلح يشير الى
image

زهور شنوف ـ محمد تاجديت القادم من غياهب الظلام!

زهور شنوف  اليوم الجمعة أيها الشاعر.. ولم تعد الجمعة مثل جمعات العام الذي تعرفت فيه عليك وعلى كثير من حرائر وأحرار الجزائر.. لقد عادت الجمعة منذ
image

العربي فرحاتي ـ الوثوقية التامة ..وسقوط الشك ..

د. العربي فرحاتي ---------قد أكون مخالفا في هذا المقال للنسبية والمنهج النقدي ..من حيث أنني نفيت الشك عن ما سيأتي من المشهد الانتخابي..ووضعته ضمن الحقيقة المطلقة..إلا
image

نورا الواصل ـ لا للتطبيع

 نورا الواصل        حرفي تعثر باكيا مستنجدا
image

علاء الأديب ـ جلجامش وكورونا

علاء الأديب  أحزنه كثيرا ان يرى جثة صديقه العظيم أنكيدو متعفنة يأكل منها الدود وعزت عليه نفسه ان يكون كصاحبه يوما فطلب جلجامش النصح من جده
image

جمال الدين طالب ـ جائزة.. أم "جائرة" نوبل؟

جمال الدين طالب  قفز هذا السؤال مرة أخرى مع إعلان فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك (77 عاما) بجائزة نوبل للآداب هذا العام 2020، الذي جدد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats