الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - زرياب...أو كيف تصنع فنانا يُغيِّر المجتمع

فوزي سعد الله - زرياب...أو كيف تصنع فنانا يُغيِّر المجتمع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

"....في قرطبة، أصبح لزرياب وأبنائه أجر شهري محترم، إضافة إلى مكافأة سنوية كبيرة نقدا وعينا، وأقطعه الحَكَم أراضٍ وبساتين ودُورا في قرطبة بشكل رسمي موثق ومُوقَّع من طرفه. وتُرَدِّدُ كتبُ التاريخ الأندلسي أن دَخْلَ زرياب في البلاط الأموي في قرطبة كان يتجاوز بكثير ما كان يتقاضاه كبار القضاة والفقهاء إلى الحدِّ الذي عرَّضه إلى شرور الغيرة والحسد.
لا شك أن راحة العيش التي وفرها أمير قرطبة، المعروف بشغفه بالآداب والشعر، لمطربه المفضل ساعدت زرياب على التفرغ للإبداع الفني في الموسيقى والغناء وفي نمط الحياة الاجتماعية الأندلسية. وأصبح هذا الفنان في ظرف سنوات معدودة موضوعا للعديد من قصائد المدح الأندلسية ولمؤلفاتٍ عن فنه وحياته مثلما هو شأن كتاب أَسْلَم بن أحمد الأندلسي "صاحب تأليف في طرائف غناء زرياب وأخباره، وهو ديوان عجيب" على حد قول ابن حزم الأندلسي...
 

 

# زرياب يُطوِّع العود ويبعثه سفيرا للحضارة الإسلامية في أوروبا #

 

وإن وُجد اليوم مَن يشكك في إنجازات زرياب الأندلسية، فإن الجماهير والفنانين حفظوا له أنه واضع الوتر الخامس لآلة العود الذي لم تكن له سوى أوتار أربعة قبل أن يحط بين يدي زرياب، وأصبحت أنغامه وقدراته أكثر ثراء. ويُنسب له اختراع مضرب العود من ريش النِّسْر ليحلَّ مَحَلَّ المضرب الخشبي الذي كان سائدا وقتذاك. ومن فضائل المضرب الجديد المتميز باللُّيونة إطالة عمر الأوتار وجعلها أكثر متانة والسماح بسلاسة أكبر في العزف على العود.
كما تؤكد مراجع فنية إسلامية أن زرياب طوَّر صناعة العود وجعل هذه الآلة أخف وزنا وترنيماتها أكثر صفاء وقوة وعزَّزها بأوتار من الحرير ومن أمعاء شبل الأسد تجعلها أكثر مقاومةً لتقلباتِ الجوّ.
 

 

 

أسس زرياب معهدا لتعليم الموسيقى في قرطبة سنة 825م وفق منهجية وبيداغوجية جديدتين بمساعدة أبنائه وبناته وجاريته الشهيرة باسمِ مُتعَة. واشتهر المعهد باسم "دار المَدَنِيَات"، أي المغنيات القادمات من المدينة المنورة اللواتي كُنَّ من بين طلبة الموسيقى تحت إشراف زرياب، ورعى زرياب في معهده القِينات على غرار قَلَم وعِلْم وفَضْل وأحسن تكوينهن. وكان من بين طلبة المعهد مسلمون وأوروبيون من فرنسا وألمانيا حسبما تؤكده الدراسات الحديثة.
من معهد زرياب والموسيقى التي روجها في الأندلس، انتقل العود ذو الأوتار الخمسة إلى باقي البلدان الأوروبية حيث بقي سيِّد الغناء والموسيقى إلى غاية القرن 18م عندما ظهر البْيَانُو وآلاتٌ أخرى حديثة. 
ويذهب الباحث سْتَارْكِي (W. Starkie) في سياق الحديث عن هذا الإشعاع الكبير لفن زرياب وأساليبه الموسيقية – الغنائية إلى حدِّ القول إن زرياب "يمكن اعتبارُه أحدَ واضعي أُسُسِ التقنيات الصوتية لغناء الفْلاَمِينْكُو وأن منهجَه مُهِمٌّ في دراسةِ غناءِ "الكانتي خوندو" (Cante Jondo) وحتى الغناء العميق لإقليم الأندلس الحديث".
 

 

https://www.youtube.com/watch…

# زرياب يُكوِّن الفنانين و....رجال الدولة في قرطبة #

 

وعمَّر معهد زرياب إلى غاية سقوط حُكم الأمويين في الأندلس سنة 1013م، وجَنَتْ الموسيقى العربية ثمارَه التي مازالت يانعة إلى اليوم تتغذى منها أجيال كاملة من الفنانين والفنانات.
على يدي زرياب تخرج عدد كبير من الموسيقيين في الأندلس، من بينهم الجواري والأحرار، على غرار الجارية الشهيرة مصابيح، ومجموعة من كبار رجال الدولة الذين أخذوا بقسطٍ وافرٍ من معارِفِ شيخِهم البغدادي الموسيقية.
كان زرياب جسرا ثقافيا ثمينا مرت عبْرَه الفنونُ الموسيقية الشرقية، بمكوِّناتها العربية والفارسية والرومية، من بغداد إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وترسختْ في ربوعها. وفي الوقت ذاته، أحدث ثورة في حياة الناس الاجتماعية وطوَّرها باستحداثه ألوانا من الأطعمة والحلويات وفنونا في اللباس والأناقة والتجميل وأنماطا جديدة في تصفيف الشعر وتنظيف الأسنان، بما يشبه المعجون المعروف في العصر الحديث، والاعتناء بالمظهر والهندام وتقاليد أرقَّ في آداب المجالسة. ولقيتْ إبداعاته قبولا واسعا في الأوساط المَلَكِية والشعبية الأندلسية وأصبحت موضة قائمة بذاتها.
 

 

# ...ويُعلِّم الناس فن العيش في المأكل والاعتناء بالذات واللباس #

 

ويقال إن أهم ما أخذه الأندلسيون عن زرياب في ميدان الحياة الاجتماعية ارتداءَ ملابس خاصة بِكُلِّ فصلٍ من فصولِ السّنة: الملابس البيضاء والقطنية الخفيفة في فصل الصيف، الذي حدده زرياب من 24 يونيو/حزيران إلى 1 أكتوبر/تشرين الأول، وارتداء الملابس الحريرية والدراريع والملابس زاهية الألوان في فصل الربيع، ثم الفراء والأردية الثقيلة في فصل الشتاء. وساهمت هذه الثورة الثقافية التي طرأتْ على فنون الأناقة في ازدهار صناعة الملابس في الأندلس.
كما يُنسب لزرياب إدخاله العديد من الخضر كالهندباء والكمأة إلى الأندلس التي لم تكن معروفة من قبل في هذه البقعة من الأرض، ودفع الأندلسيين إلى الانتقال من العصائد والثرائد العتيقة إلى أنواع جديدة ما زال عدد منها يتمتع إلى اليوم بكل الأبّهة التي تَمَتَّعَ بها قبل أكثر من 10 قرون في الأندلس. وإلى اليوم ما زال العديد من الباحثين يُصِرُّ على نسب الزَّلاَبِيَة لزرياب والتأكيد أن اسمَها الأصلي هو الزِّرْيَابِيَة.
 
وبدلا من الأكل باليد والأصابع، أشاع زرياب استعمال الملاعق والسكاكين والكؤوس الزجاجية بدلا من المعدنية الذهبية والفضية وغيرها، وكذلك السّمَاط المصنوع من الأديم والجلد الأملس الناعم على الموائد والطاولات بدلا من سِماط الكَتَّان لسهولة التخلص من البقع الدسمة التي قد تقع عليه.
وعلَّم زرياب أهل الأندلس طقوسا جديدة في الأكل حيث يُبدأ بأطباق الشُّوربة والسَّواخن، تليها أطباقُ اللّحم والطيور المُتَبَّلة بأطيب البهارات، وفي النهاية تُقدَّم أطباق الحلوى من الفطائر المصنوعة من اللوز والجوز والعسل، والعجائن المعقودة بالفواكه المعطرة والمحشوة بالفستق والبندق. وبالإضافة إلى ما ابتدعه شخصيا من الأطعمة فقد رسَّخ فنون الطعام البغدادية التي كانت تتضمن بصمات قوية أعجمية فارسية ورومية.
وبعد أن سادت موضة تصفيف الشعر مفروقا وسط الجبين ومغطيا للصدغين والحاجبين لفترة طويلة، روّج زرياب وأبناؤه الثمانية وابنتاه عُليّة وحمدونة، أسلوبا جديدا يقوم على تصفيف الشعر وتقصيره دون الجباه بشكل يسمح بإبراز الحاجبين والعنق والأذنين.
ولإزالة رائحة العرق، ابتكر زرياب استخدام مادة "المرتك" محل زهر الريحان، والملح لتبييض الثياب وتخليصها من المواد الدسمة.
 

 

إشعاع زرياب لم يتوقف على ما كان يقوم به هو وأفراد أسرته، بمن فيهم طروب أم ابنه عبد الله، بل ساهمت فيه جواريه اللواتي نشرن غناءه وموسيقاه وآدابه على غرار جاريته الشهيرة غُزْلاَن وهُنَيْدَة، وفُلَّة ومُتْعَة التي كانت أكثرَهم جمالا وأناقة، وقد أهداها سيدُها للأمير الأموي الحَكم لإعجابهما ببعضهما بعضًا... بالإضافة إلى طالبات أخريات تتلمذن على يديه، وأشهرهن: قمر البغدادية وقَلَم الأندلسية البَاسْكِيَّة الأصل التي استفادت من تكوينٍ طويلٍ وعميق في المشرِق، في المدينة المنوَّرة، حيث صقلتْ موهبتَها في الغناء والآداب وفنِّ الخَطّ. وتتلمذتْ أُخْرَيات إسبانيات أيضا على زرياب يقال إنهن كُنَّ الأكثرَ عددًا، على غرار الشِّفاء ومَنْفَعَة، وقد كانت الأولى أمَّ وَلَدٍٍ للأميرِ عبد الرحمن الأوسط، والثانية من بين فريقِِ مُغنِّيات هذا الأمير. وكذلك الجارية صُبْح البَشْكَنْجِيَّة المعروفة بـ: صَبِيحَة الأندلسية أو أُورُورَا (Aurora) (أي الشَّفَق) (930م أو 940م – 999م) البَاسْكِيَّة الأصل، من إقليم نَافَارْ، والتي أصبحتْ سلطانةَ الحَكَم المُسْتنصِر بالله وأمّ هشام المُؤَيَّد بالله....

توفي زرياب في قرطبة، التي احتضنته طيلة أكثر من 30 عاما، ما بين سنة 238 هـ/ 852م و243هـ/857م. وأصبح يُعدُّ اليوم، وبعد 11 قرنا من رحيله، أحدَ أبرز واضعي أُسُسِ الموسيقى الإسبانية لِمَا بعد العصور الوسطى، لا سيّما موسيقى الفلامينكو التي أصبح أبرز فنانيها وأفذادُها يُؤلِّفون المقطوعاتِ الموسيقيةَ تكريما له وتخليدا لذكراه واعترافًا بفضله على موسيقاهم الحالية مثلما فعل عازف القيثارة الشهير بَاكُو دِي لُوثِيَا الذي أطلق على ألبومٍ كامل أصدره نهاية التسعينيات اسمَ "زرياب"....".

 

مقطوعة موسيقية تخليدا لذكرى الفنان العالمي أبي الحسن علي بن نافع المدعو "زرياب" وتكريما له على ما قدّمه للموسيقى الإسبانية. المقطوعة من تأليف وعزف باكو دي لوثِيا الذي رحل قبل عامين:

 

 

شيء مما تبقَّى من الغناء الإشبيلي المعروف في قسنطينة وتونس وليبيا بـ: "المالوف" بصوت المغني اللامع وعازف العود الجزائري المبدع محمد الشريف بن الرّاشي:

 

المصدر: فوزي سعد الله: "صفحات مجهولة من الغناء الأندلسي...". دار قرطبة. الجزائر 2011م.

 

شوهد المقال 1723 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة المبدعة وإفلاس السلطة "المرضعة"

  د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 160   تدخل الثورة السلمية عامها الثاني، الأسبوع القادم، وهي باقية ومستمرة، واضحة في رؤيتها، وسلمية وذكية في أدواتها، ووطنية في جغرافيتها
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية.. مفاجأة الجزائر لنفسها

نجيب بلحيمر   بدهشة اللحظة الأولى يحيي الجزائريون سنوية الثورة السلمية التي كانت مفاجأة الجزائر لنفسها.. جمعة أخرى ترتسم فيها صورتان، الأولى لجزائر المستقبل التي
image

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والكيد لمحاولات اعتقال الحراك والسطو ...

 د. العربي فرحاتي  صحيح أن العصابات أرهقت الشعب طيلة حكمها منذ الاستقلال بكيدها ومكرها وبسياساتها التحكمية والاحتوائية .حيث أزاحوا الشعب ومقومات ثورته باسم الشعب
image

النظام الجزائري يرفض رسمياً ترخيص لإقامة ندوة جامعة في قاعة حسان حرشة لفتح نقاش جاد بين نشطاء وفعليات الحراك

بيان  تأجيل الندوة الجامعة لنشطاء وفعاليات من الحراك الشعبي والدعوة الى عقد ندوة صحفية غدا الخميس *نحن فعاليات ونشطاء من الحراك الشعبي، احتفالا بالذكرى الأولى
image

وليد عبد الحي ـ في مختبراتهم نحو المستقبل

 أ.د . وليد عبد الحي  ما الجديد في جعبة العلم القادم ؟ وما هي المشروعات التي يفكرون ويعملون على انجازها ؟  1- الوصول الى
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الفقر يصافح صانعه

عثمان لحياني  يحدث أن يلتقي الفقر بصانعه في قصر المؤتمرات في العاصمة الجزائرية، فعلى شاشة كبيرة شاهد الرئيس عبد المجيد تبون والوزراء في الحكومة
image

سعيد لوصيف ـ الموقف: ارادة التغيير لا تتأتى ببيانات.. المبادرات تشخيص مغلوط لواقع معلوم...

د. سعيد لوصيف  الواقع مستمر منذ سنة ويعبر عن صراع ارادات : ارادة التغيير في مواجهة ارادة اعادة انتاج النظام واستمراره... القول بندوة جامعة ينمي
image

فوزي سعد الله ـ عن إسهام الأندلسيين في نهضة بجاية وازدهارها والدِّفاع عنها...

فوزي سعد الله   "...في القرن 13م، أًصبح الأندلسيون، يقول ناصر الدين سعيدوني في "دراسات أندلسية" ، يحتكرون تقريبا المناصب العليا في الدولة في
image

نجيب بلحيمر ـ سلطان الظلام ..القانون غير المكتوب في الجزائر

نجيب بلحيمر  في ثلاثة ايام يظهر الحكم بالإعدام الذي صدر في حق جريدة النهار. لا يهم رأينا في الجريدة ومحتواها، لا نعرف كيف اتخذ قرار حرمانها من
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats