الرئيسية | الوطن الثقافي | سامية بن عكوش - تأمّلات2: الثقافة بصيغة الجمع

سامية بن عكوش - تأمّلات2: الثقافة بصيغة الجمع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سامية بن عكوش 

 

          تتعرض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلا مفهوم البلاغة الذي شمل عند اليونان كلّ أنواع الخطابات، السّياسية والقانونية والاقتصادية والأدبية، بينما قلّص في العصر الحديث إلى مجرد مجموعة من الصوّر الأسلوبية. وسيرا على هذا الهدي فإنّ مفهوم الثقافة لم يكن بمعزل عن الابتسار والتقليص. فإذا تلفظت بكلمة ثقافة، تراءى إلى أذهان عموم القرّاء: الأدب أو المسرح أو السّينما؛ أو أيّ فن من الفنون السّبعة. وإذا تحدثت عن وظيفة الثقافة في مجتمع ما؛ فإنّه يشار بالبنان إلى وزارة الثقافة، المؤسّسة الكفيلة برعاية وترقية الثقافة كما هو شائع في عرف جميع الدوّل. وإذا بحثت عن تجلّيات الثقافة في المجتمعات العربية، وجدتها غناءا ورقصا وفولكلورا امتاعيا، يعود بنفس الأسماء كلّ صيف. والقلّة من المؤسّسات الرّاعية للمواهب الثقافية الشّابة في الوطن العربيّ، فنجدها في مجال الغناء، كمؤسّسة روتانا مثلا. بينما يعاني الشّباب المبدع في المجالات الأخرى من التهميش والإقصاء. وإنّ حال الثقافة في الجزائر أسوأ بكثير مقارنة بالعديد من الدول العربية؛ فقد قلّص الفعل الثقافيّ إلى الفلكلور الامتاعيّ ومهرجانات الشّْطِيحْ والرْدِيحْ - كما يقال باللّهجة الجزائرية- في كلّ صائفة. وليس أدلّ على هذا الوضع المتردّي للثقافة، من غياب الصحافة المحترفة المتخصّصة في مجال الثقافة، سواء تعلّق الأمر بالحصص التلفزيونية أو المجلاّت الثقافية المحترفة. ورغم ما يصرف من أموال في مهرجانات للثقافة الإسلامية تارة وللثقافة العربية تارة أخرى؛ إلاّ أنّ ثمار هذه المهرجانات لم نلمسها في واقع الجزائريين، كتّابا أوأفرادا بسطاء. وإنّ الرؤية التجزيئية للثقافة طغت على مطالب معظم المثقفين الجزائريين. وفي كلّ مرّة يتغيّر فيها وزير الثقافة، يتسابق المتسابقون لتقاسم ريع الثقافة، رغم محاولات البعض للإسهام الإيجابيّ في ترقية الثقافة وتقديم الأفكار المساعدة للوزراء. لكنّها أفكار، على أهمّيتها، تفتقر إلى رؤية شمولية. ومع استوزار ابن الثقافة، عز الدّين ميهوبيّ على رأس وزارة الثقافة، استبشر عدّة مثقفين، وعلت أصوات ونوايا وأفكار هؤلاء، فأصبح الرّوائيّ يطالب بدعم الرّوائيين، والسّنيمائيّ يطالب بفتح صالات السّينما المغلقة منذ سنوات، والمغنيّ يطالب بالمشاركة في مهرجانات الشّطيح والرديح. وردّت الوزارة بنوايا طيّبة، جسّدتها بمهرجان الشّعر العربيّ بقسنطينة، وبمهرجان الكتّاب الشّباب بالعاصمة، وبتوزيع بطاقات الفنّان على الممثلين. فهل الثقافة هي هذه النوايا الطيّبة المتجسّدة؟ وهل المهام ملقاة على مؤسّسة وزارة الثقافة لرعاية وترقية الثقافة؟  

        إذا أخرجنا الثقافة من المفهوم المبتسر الجزئيّ السّابق، فإنّ المفهوم يتّسع ليشمل كلّ مناحي الحياة في مجتمع ما. ويلخص تعريف مالك بن نبي للثقافة هذا الطابع الشّموليّ الواسع، فيعتبر الثقافة التجلّي الأعلى والعنوان الأسمى لتحضّر أيّ مجتمع أو تخلفه. ويتقاطع هذا التعريف مع تعريفات المختصين في هذا المجال، وإن اختلف عنها في بعض التفاصيل المنهجية. يعرّف بن نبي الثقافة في كتابه القضايا الكبرى بأنّها " أسلوب معيّن للحياة خاص بالمجتمع المتحضّر وسلوك معيّن خاص بأفراده."، ومن هذا التعريف سنفصّل عناصر هذا الأسلوب وصانعيه وعلاقاتهم. 

        إذا كان الأسلوب هو الرّجل بصيغة المفرد كما ذهب إلى ذلك علماء العربية؛ فإنّ الثقافة هي المجتمع بصيغة الجمع. فكما أنّ الأسلوب هو الخصوصية التي تميّز الكتّاب عن بعضهم البعض. وكما أنّ الأسلوب هو المعيار الأبرز الذي  يستند إليه النّقاد في تفضيل هذا الكاتب على ذاك؛ فإنّ الثقافة هي الخصوصية الأهمّ في تمييز المجتمع المتحضّر من المتخلّف. وإنّ الثقافة هي المؤثر الأبرز  الذي يجعل  سلوك أفراد المجتمع الجزائريّ مختلفا عن سلوك أفراد المجتمع الفرنسيّ. وإنّ الثقافة هي المعيار الذي يجعلنا نحكم على مجتمعنا- ومعه المجتمعات العربية – أنّه لايزال في طور التخلّف، أو لنخفّف اللّهجة: لايزال متخبّطا في سيره نحو الحضارة، كما وضّحنا ذلك في مقالنا السّابق.

   إذا كان الأسلوب هو الاستعمال الفرديّ الخصوصيّ للقواعد المعيارية في لغة ما؛ فإنّ للثقافة جانبا نظريا يمكن مقابلته بجانب اللّغة، كما أنّ للثقافة جانبا عملّيا يمكن مقابلته بجانب الأسلوب. فيرتبط الجانب النّظريّ بمختلف الأفكار والتصوّرات ومنظومة المفاهيم التي أنتجت في هذا المجال، وتسعى إلى تعريف الثقافة وتوصيف عناصرها وجهازها المفهوماتيّ وعلاقاتها. وأبرز محاولة في هذا المجال: كتاب الفيلسوف الجزائريّ محمد شوقي الزين "الثقاف في الأزمنة العجاف "، عرض فيه اجتهادات أساطين الفكر عند العرب والغرب في موضوعة الثقافة، وحاول مقاربة الثقافة من خلال صناعة مصطلح جديد " الثقاف "، ونترك للقارئ المهتمّ بمجال الثقافة فرصة اكتشاف هذا الجهد التنظيريّ الهام. 

      يرتبط الجانب العمليّ للثقافة بمختلف عناصر الأسلوب، صغيرها وكبيرها، التي تتجلى في حياة وسلوك أفراد المجتمع الواحد؛ مثلما تتجلى خصوصية أسلوب كاتب معيّن في أصغر عنصرلغويّ، الحرف وفي أكبر عنصرلغويّ، الجملة فالتركيب. ونجد تعريف بن نبي ملّما بالجانبين النّظريّ والعمليّ، فيعتبر الثقافة ك" بيئة مكوّنة من الألوان، والأصوات، والأشكال، والحركات، والأشياء المأنوسة، والمناظر، والصور، والأفكار المتفشّية في كلّ اتّجاه " .

         يجمع التعريف السّابق مختلف العلامات الدّالة على الثقافة في مجتمع ما، فمنها البصرية " الألوان: الرّسم، الأشكال: " المنحوتات والأشكال الهندسية والمعمارية الشّائعة في بيئة ما "، ومنها السّمعية: " الأصوات: الموسيقى"، ومنها الجسّدية: الحركات "، ومنها المادية: " الأشياء المأنوسة في مجتمع ما "، ومنها الذّهنية: الأفكار المتفشّية في مجتمع ما. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أنّ هذا التعريف مبتسّر أيضا، إذ يلخّص الفنون السّبعة. لكنّ المتأمّل للدوال والمؤشرات المكوّنة لكلّ علامة، يتيقنّ أنّ هذه العلامات أغصان تتفرّع بدورها إلى أكثر من غصن، فكلّ علامة مكوّنة من جزئيات صغيرة. وفي كلّ جزئية تتجلى الثقافة في مجتمع ما. وبريق الجزء البسيط في الغصن، هو من بريق الغصن كاملا؛ كما أنّ وهن الجزء البسيط من الغصن يصيب بوهنه كلّ الأجزاء. ولو لم يكن الأمر كذلك لما شبّه بن نبي الثقافة بالبيئة كاملة. 

        تتجلى الثقافة إذن في أرقى الفنون كالأدب والمسرح والسّينما؛ كما أنّها تتجلى في أبسط سلوك وفي أصغر تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية. فالثقافة هي قصيدة شعرية يلقيها شاعر محبوب؛ كما أنّها طريقة تلقي الجمهور للقصيدة، اندهاشا وانفعالا وتفاعلا؛ وإنّها طريقة التصفيق أيضا، ونذكر في هذا السّياق كتابا هاما للدكتور عماد عبد اللّطيف " لماذا يصفّق المصريون ". والثقافة هي تمثال الأمير عبد القادر بالعاصمة، كما أنّها تمثال ابن باديس الذي صنعته الهيئات المسؤولة عن الثقافة بالولاية، على عجلة من أمرها، لتدشّن به تظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية. وإذ بالتمثال يثير استياءا كبيرا في أوساط المثقفين، لأنّ الجهات الصانعة لم تراع فيه السمّات الخاصة لابن باديس ولا البعد الجماليّ. مما اضطر ولاية قسنطينة إلى حجبه عن الأنظار، مثلما نحجب بالغربال شمس الحقائق السّاطعة. الثقافة هي مختلف الآثار المتهالكة في كلّ ربوع الجزائر، وتمثل قِبْلة للزّوار؛ كما أنّ الثقافة هي قُبْلَة ولمسة وهمسة، يسترقها زائرين حبيبين، بين شقوق الآثار المتبقية.  الثقافة تتجلى في الأصوات الموسيقية المتناغمة التي تصنعها فرق الأوركسترا في كلّ مهرجان، كما أنّها ضجيج الأصوات الذي تصنعه منبّهات سيارات الجزائريين، تبرّما بزحمة الطرقات التي لا ينتهي. الثقافة هي طريقة الأكل واللّباس في بلد ما، ونذكر هنا كتاب رولان بارث " امبراطورية العلامات " حيث حلّل فيه ثقافة المجتمع اليابانيّ، في حركاته وأكله ولباسه ومعماره، من خلال اعتبار الصوّر علامات تشكّل خطابا ثقافيا، يبرز الرّؤية الجمالية والكونية للشّعب اليابانيّ. الثقافة هي الرّؤية الجمالية للحياة، تتجلى في أجمل المنحوتات كما تتجلى في طريقة غرس الفلاح للخسّ والبصل.  

       إذا كانت الأجزاء السّابقة هي العناصر المكوّنة لجمل الثقافة في مجتمع ما، فإنّ هذه العناصر تحتاج إلى روابط لتترابط وتتآلف وتتناغم لتشكّل التركيب الثقافيّ في أيّ بلد، مثلما أنّ الجمل تحتاج إلى حروف المعاني الرابطة ( مثلا حروف العطف والجرّ في اللّغة العربية). وإذا خلت الروابط أو الجاموع بلغة هايدغر في أيّ تركيب ثقافيّ، فمن المستحيل صناعة تركيب متناغم. وإنّ الرابط أو الجامع هو الضامن للتفاعل الإيجابيّ بين كلّ هذه العناصر. وإنّ التفاعل الإيجابيّ يصنعه المشروع التنمويّ الواحد الذي يجمع سكان بلد ما، فينخرطون بفعالية في سياسة تنموية، معلنة الأهداف ومحدّدة المدة الزمنية، ومتأسّسة على الثقافة بصيغة الجمع، كما عرضناها سابقا. ومهما تعدّدت الإرادات والنوايا الحسنة، من المثقفين هنا وهناك، بقصائد وروايات ومسرحيات، إلا أنّها لا تكفي لصناعة الثقافة. وإنّ البلدان التي تفتقد إلى مشروع تنمويّ متأسّس على الثقافة، لا يصح أن نطلق على قاطنيها اسم مجتمع، بقدر ما نسمّيهم تجمعات سكانية ليس إلاّ. فهل من الحكمة- إذن- الحديث عن تقليص ميزانية قطاع الثقافة مع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر، والثقافة هي الهواء والماء والطعام في حياة الأمم؟

     تحتاج الجزائر- إن صحّ عزمها على الخروج من أزمتها الاقتصادية الحالية - إلى رفع ميزانية الثقافة أكثر من أيّ وقت مضى. فبخلاف أصوات بعض الاقتصاديين الذين يعتبرون الثقافة ديكورا ثانويا في الجزائر، ويدعون الحكومة إلى تقليص ميزانية هذا القطاع؛ فإنّ واقع الأمم المتحضّرة يعلّمنا أنّ الدوّل تضاعف من اهتمامها بالثقافة في عزّ الأزمات. ومثال ألمانيا واحد من تلك الأمثلة للأمم التي تجاوزت أزمتها بالاستناد إلى ثقافتها. فقد اعتمدت ألمانيا على ثقافة الشّعب الألمانيّ وخصوصيات العرق الآريّ، للنّهوض باقتصادها. ولعل عنصر الفعالية الذي يمتاز به الإنسان الألمانيّ أهمّ فكرة اعتمدت عليها ألمانيا في انبعاثها من رمادها. والفعالية أهمّ ملمح للفرد المتحضّر، في مقابل نقص الفعالية في الفرد المتخلّف. وإنّ فعالية الفرد هي من فعالية المجتمع المتحضّر. وإنّ الفعالية أهمّ شرط في مشروع ثقافيّ بصيغة الجمع. فهل بقي من إمكان لصناعة ثقافة بصيغة الجمع في الجزائر الراهنة؟ ذاك هو موضوع مقالنا القادم.

   

 

شوهد المقال 1315 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فتيحة بوروينة ـ في التفوق الوردي !! لماذا تصر الفتاة على التفوق والنجاح؟

فتيحة بوروينة   لماذا تظل نسبة نجاح الإناث في امتحانات شهادة الباكالوريا تحديدا، وبغض النظر عن كونهن إحصائيا الاكثر عددا، اكبر من
image

ثامر ناشف ـ بين تبون و Tebboul هناك "عشق ممنوع"

د. ثامر ناشف  ان جزائر الاستقلال لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون فرنسية الهوى ماسونية التوجه مهما كان؛ وانه لا يمكن بأي حال من
image

نجيب بلحيمر ـ وهم التفاوض

نجيب بلحيمر  تابعت جزءا من النقاش الذي دار حول مشاركة وجوه معروفة في الحراك في ندوة نظمها ما يسمى تكتل المسار الجديد بقصر المعارض وهي الثانية
image

ميثم العيبي ـ قفازات الكاظمي "البيضاء"

د. ميثم العيبي  اول ما يمكن مناقشته في ورقة الاصلاح بعد قراءة سريعة لها، هو لماذا "الورقة البيضاء"؟وعند الرجوع للمصادر نجد ان هذا المصطلح يشير الى
image

زهور شنوف ـ محمد تاجديت القادم من غياهب الظلام!

زهور شنوف  اليوم الجمعة أيها الشاعر.. ولم تعد الجمعة مثل جمعات العام الذي تعرفت فيه عليك وعلى كثير من حرائر وأحرار الجزائر.. لقد عادت الجمعة منذ
image

العربي فرحاتي ـ الوثوقية التامة ..وسقوط الشك ..

د. العربي فرحاتي ---------قد أكون مخالفا في هذا المقال للنسبية والمنهج النقدي ..من حيث أنني نفيت الشك عن ما سيأتي من المشهد الانتخابي..ووضعته ضمن الحقيقة المطلقة..إلا
image

نورا الواصل ـ لا للتطبيع

 نورا الواصل        حرفي تعثر باكيا مستنجدا
image

علاء الأديب ـ جلجامش وكورونا

علاء الأديب  أحزنه كثيرا ان يرى جثة صديقه العظيم أنكيدو متعفنة يأكل منها الدود وعزت عليه نفسه ان يكون كصاحبه يوما فطلب جلجامش النصح من جده
image

جمال الدين طالب ـ جائزة.. أم "جائرة" نوبل؟

جمال الدين طالب  قفز هذا السؤال مرة أخرى مع إعلان فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك (77 عاما) بجائزة نوبل للآداب هذا العام 2020، الذي جدد
image

جلال خَشّيبْ ـ ستيفن والت في كتابه الأخير "جحيم النوايا الحسنة: نُخب السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الريادة الأمريكية"

إعداد وترجمة: جلال خَشّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية  هل "القوقعة" (مُؤسّسة الخارجية) غيرُ مَلَومةٍ حقّا؟ كيفيةُ عدمِ تقييمِ الاستراتيجية الأمريكية الكبرى ستيفن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats