الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - جديرٌ بأنْ يُقْرأ " الحقيقة والوهْم في الحركة الإسلامية المعاصرة " لـ:“د.فؤاد زكريا“

مخلوف عامر - جديرٌ بأنْ يُقْرأ " الحقيقة والوهْم في الحركة الإسلامية المعاصرة " لـ:“د.فؤاد زكريا“

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 

التقيتُ ذات مساء واحداً من شبابنا، وشرع في الحديث عن بعض المسائل التاريخية. ثم انتهى إلى أن ما نعيشه من تخلُّف وسيطرة أجنبية، إنما يعود إلى ابتعادنا عن تطبيق الشريعة الإسلامية. ولما طرحتُ عليه بعض الأسئلة لأعرف صلته بالقرآن وبالدين عامة، علمتُ أنه ترك المدرسة مبكِّراً ولم يُكتب له أنْ دخل الكُتَّاب، فلم يكن يذكر إلا بعض الكلمات أو الأفكار المبتورة التي تجعلك بالكاد تتبيَّن قصْده.

لكنَّ المؤلم في الموضوع، أن هذا الشاب كان يصدر عن نيَّة صادقة ويَوَدُّ لو عرف الكثير. فتذكَّرتُ –حينها- هذا الكتاب الذي صدر منذ ما يقرب من عشرين عاماً. وتأسَّفتُ على ما فعلتْه الثقافة الشفوية في جيل لا يقرأ. كما حضرتني بعض الأفكار التي أوْردها "د.فؤاد زكريا" في هذا الكتاب ومنها:

1. أن الشاب ضحية تلقين آلي، ينزل من أمير آمر إلى ذهن هذا البريء الذي لا حق له في السؤل ولا في النقد.بل عليه أنْ يحفظ وينفِّذ. إنه –وهو الشاب الذي نشأ في وسط متديِّن مؤمن- تُبهره البلاغة والعبارات الرنّانة فيركن إلى الاستماع صامتاً مُطيعاً. أشْبه بخروف وديع لا يدري أنه أمام ذئب سيفترسُه، وستضيع حياته.

2. القائلون بتطبيق الشريعة، عادة ما يقولون:((لماذا لا نترك الإسلامويين يُجرِّبون، كما جرَّب الليببيراليون والاشتراكيون وأثبتوا فشلهم؟)). وهم يجهلون أو يتناسوْن أن الليبيرالية كانت نتيجة مسار تراكمي من الرأسمال لم تشهدْه بلداننا، ولم يزد عُمر الاشتراكية في أوْضح نماذجها (الاتحاد السوفياتي)عن سبعين سنة. بينما فاقت التجربة الإسلامية خمسة عشر قرناً. ولا يجد فيها أنصار تطبيق الشريعة غير الخلافة الراشدية نموذجاً صالحاً، علماً بأن هذه الخلافة/النموذج، لم تسلم من الصراع على السلطة منذ وفاة الرسول:(سقيفة بني ساعدة، مقتل عمر وعثمان وعلي، ومعركة الجمل، وحرب صفِّين ..)إلى أنْ أصبحت الخلافة وراثية. وربما لا يجدون في كل هذا التاريخ سوى شخصية فذَّة، "عمر بن الخطاب". لكن "عمر" كان عقلاً يراعي الظروف حين قال فيما معناه: ((تلك على ما قضينا و هذه على ما نقضي))، وحين أبطل العمل بآية صريحة وهي المتعلقة بمنح الزكاة للمؤلَّفة قلوبهم. فأيْن هؤلاء الأدْعياء من صحابي عاشر الرسول وعرف الإسلام في جوْهره؟

3. فأما التجارب المعاصرة فمنها باكستان في عهد "ضياء الحق" هي أكبر دولة إسلامية من حيث تعداد السكان لم يُعرف من الإسلام فيها، إلا إقامة الحدود وكانت تخضع لنظام دكتاتوري بكل المقاييس. والسودان في عهد "النميري" ثم "البشير حالياً" وهي أوْسع البلدان مساحة، ولا نسمع عنها إلا الحجاب ورجم الزانية وقطع يد السارق وانتهت إلى تقسيم البلاد، وإيران، بعدما قامت فيها ثورة هلَّل لها جميع المسلمين لأنها خَلَّصت الشعب الإيراني من دكتاتورية الشَّاه، لولا أنها جاءت بدكتاتورية الملالي واختزلت إرادة الشعب كله في قرار المرشد الأعلى. أقيمت فيها المحاكم على عجل، فكثُرت السجون وارتفع عدد المحكوم عليهم بالإعدام وازداد عددُ المعوَّقين والمُشرَّدين، فضلاً عن إرادة تصدير الثورة إلى العالم. ثم تأتي- أخيرا-ً المملكة العربية السعودية التي احتكرت الأماكن المقدَّسة، وفَرَّخت من توجُّهها الوهّابي كل الحركات المتطرِّفة التي نراها اليوم. ولا يهمُّها من الإسلام إلا الخمر والزنا والحجاب وقطع يد السارق،فأما العدالة والمساواة فلا يمكن أن يتحدث عنها نظام جعل الإسلام في خدمة الثروة، لا أنْ تكون الثروة في خدمة الإسلام.أو ما يسميه "فؤاد زكريا":( البيترو-إسلام).

4. يقول أنصار الشريعة إن الإسلام شامل، وليس محصوراً في إقامة الحدود، أيْ أن التطبيق يمتدُّ إلى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لكن الواقع أن هذه المجالات لا تحظى لدى الجماعات والأحزاب الإسلاموية بأي برنامج محدَّد. إنها لا تملك إلا الكلام العام الفضفاض، قد ينطلقون من مبادئ عامَّة في القرآن والسنَّة، يُغلِّفونها بجميل البديع في الخطب المؤثِّرة، ولكنَّنا لا نجني منها إلا الغُبار.

5. ومنهم من يفضِّل التريُّث حتى إعداد العُدَّة، بأنْ تنشر الدعوة أولا، ويطمئنُّوا إلى أن الأغلبية أصبحوا مؤمنين، وإلى أنْ تُعالج المشاكل التي تسبَّبت فيها الأنظمة" الكافرة" فتتهيَّاَ الظروف يومها لتطبيق الشريعة. غير أننا لا ندري كمْ سننتظر حتى تتهيَّاَ الظروف؟ ومَنْ يضمن- فعلاً- أننا لنْ نكرِّر تجربة البلدان المذكورة سابقاً.

6. ثم إن الأهمَّ، هو أنه إذا تمَّت معالجة المشاكل بوسائل أخرى غير الشريعة، فما الذي يُبرِّر القول بتطبيق الشريعة. إننا-حتماً- سنكون –يومئذ- في ظل نظام من نوع آخر.

7. فأما بالنسبة للتجربة التركية التي لم يتحدَّث عنها "د.فؤاد" زكريا" لأن الكتاب صدر سنة 1986. فيُغفل الناس أن التجربة التركية ارتكزت على إرث "أتاتورك"، حيث اكتسبت رصيداً ما كان في وسْعها أن تتجاوزه بسهولة. ولكن بعدما ربح حزب العدالة والتنمية قسماً من الرأي العام، صار يُفكِّر في استرداد الخلافة وأمجاد الإمبراطورية العثمانية الضائعة بأنْ يستولي على الحكم كله بإقامة نظام رئاسي. ولم يمانعْ في تقوية "داعش" والسماح لكل المرتزقة ومن كل الجنسيات بالمرور إلى سوريا والعراق. وتركيا تحتلُّ لواء الأسكندرون السوري منذ زمن، ولها علاقات ممَيَّزة مع إسرائيل، وهي عضو في الناتو، وهو رأس الحربة الاستعمارية منذ وُجد.

لكن المتأسلمين يعتبرون أن عدوَّهم هو الأقرب، ليبدأوا بالوطن أوْ الجار ، لأنهم-في الحقيقة- لا وطن لهم. لذلك تراهم لا يتحّدَّثون عن تحرير القدس، ومحاربة الصهيونية مسألة مؤجَّلة بالنسبة لهم مادامت إسرائيل تستقبل جَرْحاهم في مستشفياتها.

8. ومن المفيد في هذا الكتاب ما يوجد من تشابه كبير بين التجربة المصرية والجزائرية. وتحديداً في علاقة النظام المصري مع الإخوان المسلمين، فيما يصفه "د.فؤاد زكريا"بـ ((علاقة التقارب والتضارب)). فالنظام يُقرِّبهم لمحاربة اليساريين والتقدميين والعلمانيين والشيوعيين، ولكنه لا يلبث أنْ يضربهم حين يفكِّرون في تجاوز الخطوط الحُمْر.

وهي قصتنا تماماً بعدما وُظِّف الإسلامويون للتراجع عن فترة السبعينيات. إذْ أُطلق لهم العنان على نحو مفضوح، مع أنهم في السبعينيات كانوا يتجمَّعون وكانت لهم مساجدهم وكتبهم وأشرطتهم، إلى أنْ استجلب النظام "محمد الغزالي" ليعلِّم الجزائريين الإسلام الذي لم يعرفْه"ابن باديس" وغيره من علماء الجزائر. وأغمض النظام "عيونه" عن أسلحتهم وتدريباتهم وتنقُّلاتهم بين الجزائر وأفغانستان، حتى اقتحموا الثكنات وقتلوا، ودخل مُمَثِّلهم بالبدلة العسكرية على أرقى مسؤول في المؤسَّسة العسكرية.

واليوم تتكرَّر لعبة التقارب والتضارب عندما تنتعش الجماعة في مخيَّم صيفي بمدينة مستغانم. ويصبح وجْهاً بارزاً يطلُّ على أبنائنا من خلال الشاشة باستمرار، ذلكم الذي كان يقود جيشه لذبح الأبرياء واغتصاب البريئات.

واللافت للنظر أن الأنظمة نفسها لا تستفيد من بعضها، ففي الوقت الذي سمح فيه النظام الجزائري بمشاركة التكفيريين في التشريعيات، ذهب النظام المصري إلى ما هو أبعد فمنحهم الرئاسيات، ولم يجد كلاهما- أمام تعقُّد الوضع- إلا الحل الأمني. ولهذا يبقى على عاتق الكُتَّاب والمفكرين وسائر الباحثين المتنوِّرين أنْ يسجِّلوا حضورهم الدائم بحوار حضاري لا يُقصي إلا منْ تربَّى على قَتْل الإنسان.

إن ما يدعو إلى الحسرة، أنْ تجد شابّاً عامراً بحب الحياة، يبحث عن عمل، قد يهوى عشيقة ولا يجد سكناً، فتضيق به الدنيا بما رحبت، ولا يجد منْ ينتشله من حالة اليأس والقنوط إلا منْ تمرّنوا على حشو العقول بالخرافات، وإلاَّ مخالب جارحة تنهش جسده النقي.

أعترف أن هذه الإشارات المختصرة من كتاب "د.فؤاد زكريا" لا تُغْني أبداً عن قراءته وليس لي إلا أن أشكره وأعتذر له-ولو بعد وفاته عام 2010- إذْ يستحيل أنْ أكون وفيّاً لما قاله على امتداد 180 صفحة، وأنا لا أذكر من الكتاب اليوم إلا ما قرأتُه قبل سنين. 

 

شوهد المقال 1301 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats