الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - يهودنا وغناؤنا: المخاض والنضج...تجربة المغرب الإسلامي والأندلس

فوزي سعد الله - يهودنا وغناؤنا: المخاض والنضج...تجربة المغرب الإسلامي والأندلس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي  سعد الله 

 


"...لا يجب أن يُنسينا اغتصاب فلسطين، وتَنَكُّر الكثير من اليهود للمسلمين أحيانًا إلى حدِّ الخيانة، وغطرسة الصهيونية ومرارة الهزائم التي صنعناها، في الكثير من الأحيان، بأيادينا وبإتقان... لا يجب أن يُنسينا كل ذلك أن الذي استقبل ابا الحسن علي بن نافع، الشهير بزرياب (بغداد 789م – قرطبة 857م)، عندما حطَّ رِحَالَهُ في الجزيرة الخضراء الأندلسية (Algesiras) هو منصور اليهودي، ذلك الأندلسي الذي تَشَرَّفَ بِتَوْكيله من طرف الخليفة عبد الرحمن بهذه المهمة والذي كان مُرافق تلميذ إسحاق الموصلي في هذه الرُّبُوع الأندلسية ومُرْشِدَه في عملية اندماجه في أجواء القصر الأموي في قرطبة، لأن منصور كان النجم الأول ضِمْنَ مُطْرِبي البلاط القُرْطُبي.

 

وقد كان الفنان داني الإسرائيلي، بعد فترة، المطرب الذي اختاره السلطان المأمون للغناء برفقة جوقه خلال الإعذار الذي أقامه في طليطلة. وكان شَلُومُونْ بنُ جَبرُولْ في القرن 11م من الأسماء اللامعة في سماء الطرب الأندلسي.

كما لا يجب أن يفوتنا أن بعد وفاة زرياب في قرطبة لم يَقْوَ أحد من فناني الأندلس والمغرب الإسلامي على سد الفراغ الذي تركه برحيله مثلما فعل اليهودي ابن بَاجَّة (سرقسطة 1070م – فاس 1138م/533هـ) صاحب "كتاب الموسيقى" الذي نهل من فنون بلنسية ثم إشبيلية وغرناطة بعد سقوط سرقسطة قبل أن يستقر في فاس. وقد وُصِفَ بأنه "في المغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق"، على حد تعبير المستشرق اليهودي البريطاني هنْرِي فَارْمَرْ في كتابه الشهير "تاريخ الموسيقى العربية"، أو مثلما قال عنه الكاتب اللبناني فِيلِيبْ حَتِّي بأنه: "فيلسوف الأندلس وإمامها في الألحان"...

وهذا فضلا عن نبوغ إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الأندلسي الذي تجاوزت شهرته في فن التوشيح حدود المغرب الإسلامي والأندلس لتبلغ قصور بغداد ودمشق ورياضهما وفنادقهما. ويُقال إنه أَسْلَمَ لاحقاً كما يؤكد ذلك أحمد أمين في كتابه "ظهر الإسلام". وكذلك تَميَّز ولَمَعَ في الرّبوع الأندلسية نجمُ شَلُومُونْ بنْ سَاشِلْ، الذي اشتهر كثيرا بأغانيه الراقصة في القرن13م3.

كما كان سعيد بن يوسف الفيومي (أي سَعْدِيَّا الغاؤُونْ كما يُسمّيه الأوروبيون واليهود) (942م/332هـ)، رغم تحفظه من الغناء لأسباب دينية، كان يُعدُّ من المُنَظِّرين اليهود الأوائل للموسيقى حيث تناولها في أبحاثه مُقْتَفِيًا خطى الكندي والفارابي وإخوان الصفا ولو من زاوية طبية – نفسية فقط، وإن كان البارون هنري جورْج فَارْمَرْ قد أوضح في كتابه "مصادر الموسيقى العربية" بأن رسالته في الموسيقى الواردة في كتابه "الأمانات والاعتقادات" تعتمد على "رسالة في أجزاء خَبَرِيَة الموسيقى" للكندي..، وهي الأطروحة التي دافع عنها البارون بالتفصيل في كتاب آخر أصدره في عام 1943م بالإنجليزية تحت عنوان "سعديا الغاؤون، حول تأثير الموسيقى" (Sa‘adyah Gaon on the Influence of Music. London 1943).

كذلك كان أبو الفضل حسْدَايْ السَّرَقُسْطِي، الذي سيعتنق الإسلام بعد أن كان يهوديا، باحثا لامعا في النظرية الموسيقية وممارسا للغناء مشهودا له... بينما تَحَفَّظَ ابن ميمون نوعا ما من الموسيقى والغناء مثلما فعل بعض نظرائه المسلمين، لكن دون أن يصل به الأمر إلى العزوف عن دراستهما كَعِلْمٍ وفلسفةٍ قائميْن بذاتهما تَنَاوَلَهُما بالتأليف وبِلُغَةٍ عربيةٍ مكتوبة بالحروف العبرية كما جرت العادة آنذاك عند الكثير من المثقفين اليهود. وقد اهتم يوسف بن عَقْنِينْ، الذي عاصره، في كتابه المعروف "طبّْ النفوس" بنظرياته في الموسيقى حيث دعا إلى تخصيص العام الثامن من السنوات العشر التي كان يقوم عليها النظام التعليمي في عهده لتعليم الموسيقى للطلبة كما يؤكد ذلك حييم الزعفراني.

أما اليهودي القرطبي إسحاق بن سمعان فقد نبغ مثل صديقه ابن باجة في التلحين وما زالت أصداء نبوغه تترد في عدد من البحوث والمؤلفات إلى اليوم.

وذكر الباحث إيدوين سيروسي أيضا أسماء أخرى في مجاليْ ممارسة الغناء العربي وفلسفة الموسيقى على غرار يهوذا بن تِبُونْ (Judas ibn Tibbon) (توفي سنة 1190م) صاحب الترجمة العربية لبحثٍ في الموسيقى ورد في كتاب "الخُزَرِي" للفيلسوف اليهودي الأندلسي يهوذا اللاوي (Juda ha-Levi) (1085م – 1140م). وقد اقتبس فيها اللاوي الكثير من "كتاب الموسيقى الكبير" للفيلسوف المسلم الفارابي (874م – 950م). وإذا كان الفارابي قد ألهم يهوذا اللاوي فإن إخوان الصفا برسائلهم الشهيرة قد كان لهم تأثير بالغ على يهوديٍ أندلسيٍ آخر هو شِيمْ – تُوفْ بن يُوسف بن فَالاَكِيرَا (Shem – Tov Ben Falaquera) (1225م – 1295م).

ومُجمل القول، إن هؤلاء اليهود كانوا أعلاما محترَمين جدا وذائعي الصيت في المغرب الإسلامي وفي الأندلس بشكل خاص في مجال الغناء والموسيقى ممارسةً وعزفًا وتنظيرًا. وحتى عدد من رجال دينهم لم يتردد في التأليف والإفتاء في هذا المجال بغض النظر عن تحريمهم أو إجازتهم له وللاستمتاع به.

وقد ذكر صاحب "الأغاني" أبو الفرج الأصفهاني والتيفاشي (1184م - 1253م) وغيرهما من أمهات المصادر الموسيقية التاريخية أسماءً أخرى عديدة أبدعت في النص الشعري/الغنائي العربي كما فعل ابن قزمان في الموشحات والأزجال... وتؤكد هذه الحيوية الثقافية للنخبة اليهودية في "دار الإسلام" على انصهار عميق في الثقافة العربية الإسلامية وعلى العيش المنسجم في نسيجها الاجتماعي الثقافي الذي مَا كان ممكنا دون توفُّر شروط هذا الانسجام والانصهار والنبوغ الذي لا يتحقق دون ضمان تكافؤ الفرص وتثمين الجُهد دون تمييز....".

فوزي سعد الله: يهود الجزائر، مجالس الغناء والطرب. دار قرطبة، الجزائر 2009م.

 

 

شوهد المقال 1182 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats