الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - عن يهودنا وموسيقانا

فوزي سعد الله - عن يهودنا وموسيقانا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

".... كما يُلاحَظ بأن المبادرة في الغناء الجزائري كانت دائما جزائرية إسلامية واليهود اكتفوا عموما بترديد وممارسة ما كان يُنتجه الجزائريون المسلمون أو ما تبَقَّى ممَّا أنتجته الأندلس الإسلامية. وإلا كيف نُفَسِّر اليوم غياب أيّ عمل في الغناء الجزائري الحضري الكلاسيكي ومشتقاته الحوزية والعروبية وغيرها يحمل بصمة يهودية أو يُنسب لليهود بعد كل قرون العيش جنبا إلى جنب مع المسلمين؟

نحن نعلم أيضا بأن مثل هذا العمل غائب أيضا حتى في الأوساط السفاردية بفرنسا حيث هاجرت بعد استقلال الجزائر أغلبية الطوائف اليهودية الجزائرية، كما هو غائب حتى في إسرائيل وفي بقية العالم. ولو كان موجودا لَمَا تَمّ، دون شك، التعتيم عليه وإخفاؤه.

 

وهكذا فإن كلَّ ما هو "يهودي" في الوقت الحالي من الغناء الذي يُمكن وصفه بالجزائري، دون انتقاصٍ من قيمته وجماله، هو تلك الأغاني الخفيفة، أو تلك التي يُصطلح عليها منذ سنوات بـ: "الفرانكو– جزائرية" أو حتى بـ: "اليهودية – العربية" مثل "آلْجِي، آلْجِي.. شْحَالْ نْحَبّْهَا" (Alger, Alger, Ch’hal N’habbha)، للفنان لِيلِي بُونِيشْ، أو"قصَّة بن سُوسَان" التي كتبها بن إيشو بن سعدون ويدور موضوعُها حول قصة حبٍّ ضائعٍ تراجيدية واقعية جرت بين يهودي يُدعى بَنْ سُوسَانْ وفتاة إسبانية مسيحية اسمها "مَارِيَّا مُولِينَا" (Maria Molina) في مدينة وهران خلال النصف الثاني من القرن 19م وانتهت بجريمة قتل راحت الفتاة الإسبانية ضحيتها ودخول بن سوسان السجن. ومن بين هذا النوع من الأغاني هناك أيضا "وَهْرَانْ البَاهْيَة.. لِيلَكْ ونْهَارَكْ زَاهْيَة" للمطرب لِيلِي العَبَّاسِي الذي توفي في مطلع السبعينيات من القرن العشرين، أو أغنية "لاَبُومْبْ آتُومِيكْ" (La bombe atomique)، أيْ القنبلة الذرية، للفنان الوهراني الراحل "بْلُونْ بْلُونْ" (Blond Blond) ... 
يضاف إلى كل ذلك أن قرون ممارسة الغناء الأندلسي بمختلف فروعه ومشتقاته من طرف يهود الجزائر لمْ تُسَجِّلْ أيّ اسم يهودي تَرَكَ أشعاراً هامة، سواء أكانت قصائد كلاسيكية أو موشحات وأزجالا، بَقِيَتْ حية تُرزق حتى اليوم كما هو الشأن بالنسبة للجزائريين المسلمين على غرار بَنْ مْسَايَبْ، بَنْ سَهْلَة الأب والابن، الأخضر بن خْلُوفْ، بن الشَّاهد، بن عمَّار، سي مصطفى بن القْبَابْطِي، جابْ الله بن ساعد، أو سي الصغير السّناني وغيرهم... وقد تكون "قصيدة بن سوسان" التي يذكر صاحبها بن إيشو بن سعدون اسمه، الذي يبدو يهوديا، في آخر أبياتها حالة من الحالات النادرة، فضلا عن كونها بقيت "طائفية" مُتداوَلة من طرف اليهود دون المسلمين.1
ولم تعرف الجزائر في العهد العثماني لا منصور اليهودي ولا داني الإسرائيلي ولا شَلُومُونْ بن جَبِرُولْ ولا شَلُمُونْ بن سَاشِلْ ولا إسحاق بن سَمْعَانْ ولا أبَا الفضل حَسْدَايْ السَّرَقُسْطِي ولا ابن بَاجَة ولا إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الأندلسي... وفي رَأْيِنَا تُعَبِّر هذه الظاهرة عمَّا يمكن أن يُشْبِهَ السَّطحية في التعامل مع التراث الغنائي المحلي والتي حالت دون تَمَكُّنِ يهود الجزائر من وُلوجِ دائرة إنتاجه والبقاء في حدود دائرة التبادل والتوزيع بالمفهوم الاقتصادي الماركسي2.

 

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى غياب العنصر النسوي اليهودي عن عالم الغناء والموسيقى في الجزائر العثمانية سواء لغياب المعطيات المكتوبة أو لغيرها، بحيث إذا كانت بعض الأسماء الذكورية قد صمدت في وجه نقائص الثقافة الشفوية على غرار بن فَرَاشُو وابن الخَرَّايَة، فإن العالَم النسوي لم يترك عن نفسه أيّ أثرٍ بما في ذلك في النصف الثاني من القرن 19م وبدايات القرن 20م...

ولا ندري حتى الآن كيف نُفسر هذه الظاهرة عند طائفة تميَّزتْ نساؤها بِحُرِّياتٍ أكبر خارج البيت مهنياً واجتماعيَا في الوقت الذي سَجَّلَ فيه لنا القرن 19م في قصبة الجزائر اسم اللاَّ يَامْنَة بنت الحاج المهدي والمْعَلّْمَة تَمَانِي، على الأقل، عند المسلمين رغم ثقافتهم التي يقال عنها إنها محافظة...؟

وحتى الباحث الإسرائيلي تَالْ شُوفَالْ (Tal Shuval) المَطَّلِع على تاريخ الجزائر في العهد العثماني لم يذكر في كتابه المعروف حول مدينة الجزائر، الذي اعتمد فيه على المراجع الكلاسيكية وعلى وثائق الأرشيف، أيّ اسم يهودي نسوي عند تطرقه لـ: "نشاط النساء الاقتصادي" في هذه الحاضرة بما في ذلك النشاط الموسيقي الغنائي. لكنه أَوْرَدَ في المقابِل أسماءَ إسلاميةً مثل "المَاشْطَة"، أي الحَلاَّقة، التي توفيت في 1802م، و"نَصْرَة الدَّلاَّلَة" المتوفية في شهر ماي 1788م، و"عْوِيشَة بنت نَضْرَة الدَّلاَّلَة" المتوفية في شهر ماي 1789م، وتلك الزنجية التي كانت "مْعَلّْمَة حَمَّامْ الجُنَيْنَة"، في حيّ الجنينة بساحة الشهداء الحالية في مدينة الجزائر، التي توفيت في شهر أكتوبر 1802م. ويضيف شوفال إلى تلك النسوة، وهذا هو الأهم بالنسبة لموْضوعِنا، امرأتيْن أُخرييْن هما "المُغنية نَفِيسَة المَدَّاحَة" النَّاقِرَة للدَّرْبُوكَة أو الدُّفّ في الأعراس والفنانة الموسيقية – الآلَجِيَة "فَاطْمَة الكَمَنْجَة" اللتيْن توفيتا في شهر مايو / آذار 1786م3...

هكذا إذن تتضح لنا معالم الصُّورة الفعلية أو المستوى الحقيقي لـ: "الإسهام" اليهودي في التراث الجزائري بعيداً عن الإجحافات من جهة، لكن بعيدا أيضاً عن المُزايدات والدِّعاية والمجاملات المُبَالَغ فيها من جهة أخرى التي أفرزتها ظروف جيوسياسية خلال العقدين الأخيرين...

 

من ناحية أخرى، قد نسمح لأنفسنا بالقول إن ممارسة الطوائف اليهودية للغناء الجزائري في العهد العثماني تمحورت بشكل أساسي حول الغناء الحضري بمختلف أنواعه سابقة الذكر والتي تبقى الحصة الأهم فيه للغناء الأندلسي بمختلف ضروبه وفروعه. وذلك لأن الطوائف اليهودية في البلاد شهدت تحولا سُوسْيُولُوجِيًا حاسمًا منذ القرنين 14م و15م. تَحَوُّلٌ تَمَثَّلَ في قيامهم بحركة ديمغرافية قوية باتجاه المدن، مما جعلهم منذ تلك الفترة جماعات حضرية بشكل عام. الشيء الذي سوف يُؤثِّر حَتْمًا في أذواقهم وعاداتهم وتقاليدهم الموسيقية الغنائية. 
ولا شك أن الهجرات اليهودية من الحواضر الأندلسية عمَّقتْ هذا الاتجاه الغالب نحو الحياة الحضرية وما يستتبع ذلك من توجهات موسيقية – غنائية. فليس صدفة إذن أن يتفاجأ الباحثان الفرنسيان دلفين (Delphin) وغان (Guin) في ثمانينيات القرن 19م بِكَوْنِ "رجال الموسيقى من اليهود كانوا كثيرا في المدن..."4، وهو ما ينطبق أيضا على الفنانين والمطربين اليهود في المغرب الأقصى حيث برزوا في "الآلة" وفي"الغرناطي"، على غرار المْعَلَّمْ عَيُّوشْ في الرباط ودَافِيدْ إِفْلَحْ وبَانُونْ بِيشَانْ على سبيل المثال، في حين غابوا تقريبا في الأنواع الموسيقية والغنائية الأخرى...."..

 

فوزي سعد الله: يهود الجزائر، مجالس الغناء والطرب. دار قرطبة، الجزائر 2009م.

 


Sur les Terrasses de la Casbah d alger face au vieux port ottoman....

على سطوح قصبة الجزائر قبالة الميناء العتيق العثماني....
 
 


Au bazar d Orleans a la basse Casbah de l Alger ottoman....lieux de commerce et loisirs

في فناء أحد الفنادق أو الخانات في مدينة الجزائر العثمانية....فضاءات للتجارة والتسلية...

 


Musiciens juifs a Mogador au Maroc....

فنانون موسيقيون يهود في مدينة موغادور في المملكة المغربية.

 


Fete juive au Maroc....

عُرس يهودي في المغرب...

 


Festin juif....

عرس يهودي...

شوهد المقال 2106 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats