الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - الدولة المستحيلة (الجزء الثاني)

مخلوف عامر - الدولة المستحيلة (الجزء الثاني)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 

 

القضاء الإسلامي لم يكن يُطبِّق قانوناً حدَّدتْه قوةٌ مسيطرة في دولة، بل كان مكرَّسا لتطبيق الشريعة التي همها الأول تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية على أسس أخلاقية، فقد كانت قانون الناس وساعدت على تقييد الحاكم والحاكم-بدوْره- يعيِّن ويعفي ويحجم دور القاضي ولم يكن للحاكم أي دور على الإطلاق في عمل القاضي. فالقضاء مستقل تمام الاستقلال لأن الحاكم خاضع للشريعة وليس فوقها. بذلك يكون القاضي هو المفوض الأسمي لا المفوض الحقيقي للسلطان أو الخليفة كما لم يكن القضاء مصدر الرزق الوحيد للقاضي إن استقلال القضاء جزءٌ أساسي من الثقافة الأخلاقية للشريعة.
خضع السكان المدنيون لقانون الشريعة بينما خضع موظفو الحكومة (الجيش، الشرطة، أمناء السر الإداريين والقضاة) إلى قانون آخر هو القانون السلطاني.ص:140 
فلا هوية إسلامية من دون أخلاق ولا سيادة إلا لله وحده وهي نموذج خاص بالفصل بين السلطات.[[(( وإذا صحت حجة "كلسن" أن (( الديمقراطية تتطلب أن يكون للسلطة التشريعية سلطة على الجهازين:الإداري والقضائي، فإن الشكل الإسلامي للحكم يوفر مثل هذا النظام الديمقراطي))]]ص:144
ويبرز نظام الحكم الإسلامي في سياق مقارَن، كتعبير متميز أكثر مؤاتاة للحكم العادل والديمقراطي))ص:148 
تأملوا معي النص أعلاه وما يحمله من تناقضات. لم تكن هناك قوة مسيطرة لكنها تطبق الشريعة، ولم يكن للحاكم أي دور ولكنه يعيِّن ويُعفي. والشكل الإسلامي للحكم يوفر النموذج العادل الديمقراطي. فهل التعيين والاختيار المحدود والوراثة تُعد مثالاً لشكل الحكم الديمقراطي؟ وهل يمكن أن نتصوَّر القاضي مستقلا تماماً وهو مقيَّدٌ بقرار الحاكم في تعيينه كما في إعفائه؟

الخاصية الجوهرية للسياسي هي بدء التمييز بين الصديق والعدو ومن هنا اكتسب السياسي مكانته بوصفه نطاقاً مركزياً مستقلا. فالمواطن هو الدولة والدولة هي المواطن، ولا تكتمل الدولة لأنها تحميني، بل بقدر ما أنا مستعد للتضحية من أجلها.
((الإسلام لم يعرف قط مفهوم التجنيد، كما أنه لم يتحكم حقا بالحياة والموت، في سبيل أي شخص ولا حتى في سبيل الله بأي معنى سياسي.فمفهوم التجنيد كتضحية محتملة لم يكن معروفاً))181 ولكنه يقول في موْضع آخر((القتال ما شرع لعيْنه لأن عيْنه إفساد وإضرار، وإنما شرِّع لغيره، وهو إعلاء كلمة الله تعالى ودفع شر المحاربين))184
بصرف النظر عن التناقض الصارخ في كوْن الشخص لا يموت في سبيل الله ثم يموت في سبيل الله، وبعيدا عن الآيات الصريحة في معنى الجهاد في سبيل الله وما أكثرها، يمكننا أنْ نساءل كيف تمكَّن الحكم الإسلامي من الغزو وتحيق الانتصارات والانتشار في ربوع الأرض من غير تجنيد؟ ثم إن قضية الصديق والعدو هي الركيزة لتي قامت عليها الدعوة الإسلامية أصلاً ، بين الموحدين والمشركين، المؤمنين والمنافقين، المسلمين وغير المسلمين ليصبح هؤلاء خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر كما يفهمونهما.
فالشريعة معنية بالشخصية الاجتماعية وليس بالسياسي كما هي حال الدولة الحديثة التي تُسخِّر كل أجهزتها لتذويب الذات الفردية فيها، مع إفراغ الذات من كل مل هو روحي.
الدولة الحديثة هي أوربية وحسب، بينما الحكم الإسلامي هو نتاج العالم الإسلامي بأكمله.
(( ويعتبر عدم وجود ملك أو دولة يتحكَّمان في التشريع اختلافاً أساسياً يميز النموذج الإسلامي))207- 208 
الحكم الإسلامي لم يعرف المراقبة كما هي اليوم ولم يتدخل في مجال التعليم. فكل المجالات تخضع للشريعة وتخلو من أي مضمون سياسي أو إيديولوجي 208   
((لم تكن لدى السلطة السياسية القدرة على إنتاج ذاتيات تتعرَّف ذاتها في تلك السلطة))209
((إن ذات الشريعة هي التي كانت محلَّ العناية بالذات، بينما نُحِّيتْ معرفة الذات إلى مرتبة ثانية بعيدة))209 
وكيف استمر حضور الشريعة عبر القرون دون ملك ولا دولة ولا مراقبة؟ وماذا نسمِّي السُّلط التي تصارعت على الحكم في مختلف الحقب إذا كانت الشريعة تخلو من أي مضمون سياسي أو إيديولوجي؟ لا يمكن تفسير هذا الخلط إلا بأن الباحث يعتبر الشريعة إلهية منزَّهة مقدَّسة، بينما هي في الواقع قراءات بشرية معرَّضة للاختلاف والتناقض. وحتى وإنْ سلَّمنا أن الشريعة بلا ملك ولا دولة ولا مراقبة،فإن ذلك لا يعبر إلا على فوضى أدَّت إلى تفككُّ الإمبراطورية بعدما نخرتها الصراعات الداخلية والثورات(القرامظة ، الزنج، البابكيون) وظهور عدة دويْلات في المشرق وحده:(الطاهرية –الصفارية-السامانية- الغزنوية-البويْهية- السلجوقية- المماليك..) وإنه يؤكد قناعته هذه بما يتلو: 
فهو يعتمد كتاب الغزالي (إحياء علوم الدين) مرجعاً لاستخلاص صفات الإنسان وهي:
السبعية:الغضب والحقد والقتل والشجاعة
البهيمية: الشره والحرص على إشباع الشهوات
الشيطانية :الحيل والمكر والخداع
الربانية: العلم والعقل والمعرفة
((يتمتع كل إنسان بدرجة معينة من الصفات الأربع، ولم يسلم من الثلاثة الأولى إلا الرسل))ص:236 فـ((القانون والأخلاق والصوفية المعتدلة هو الذي مكَّن الغزالي وأمثاله من الكلام على تقنيات الذات))
وفي الوضع الحالي فإما انتصار كامل للعولمة أو انتصار للدولة أو جدلية التبادل والتعاون.
وتقوم الشريعة على حفظ الملكية والثروة والنفس والدين والعقل والنسل وقد حدَّدتْ شروط كسب المال على النحو التالي:
1-أنه قادم من الله
2-عدم بذل جهد فائق ليكن المرء أفضل أخلاقياً
3-اعتماد قاعدة لا ضرر ولا ضرار
يتَّضح مما سبق أن المؤلِّف يأخذ الشريعة من منظور أخلاقي بوصفها فكرة مثالية مجرَّدة لا تشوبها شائبة، بينما يرى في الحداثة كل العيوب. فإذا كان البُعْد الأخلاقي يتضمَّن القيم الإنسانية وحقوق الإنسان والحفاظ على الطبيعة وغيرها، فإن أهل الدولة الحديثة قد تفطَّنوا إلى ما يعتورها من نقائص وبادروا  بتشكيل الهيئات والتنظيمات التي تقف ضد الرأسمالية المتوحِّشة ولم يكتفوا بالبكاء على فردوْس مفقود.
ويسترسل في الحديث عن أركان الإسلام وآثارها النفسية الأخلاقية على الإنسان. ولكن لا يذكر أن الحداثة جعلت المسلم يتطهَّر بطريقة أنقى ويصوم ويحجُّ بلا مشقَّة ووفَّرت له من الوسائل المدهشة ما يعينه على التعبُّد على نحو أسهل. وفي الوقت نفسه وحين ينزل إلى الواقع العملي المؤسَّساتي تحديداً لا يملك إلا أْنْ يعترف قائلاً: 
(( أن كلا من نظرية المعاملات البنكية والمالية الإسلامية الراهنة وتطبيقها معيب إلى حد بعيد.وفي نهاية المطاف فهي إسلامية بالاسم وحده، ولا تكاد تعكس أي معنى لإسلام كنظام أخلاقي))270
إن تحديات العولمة اليوم تتمُّ بواسطة القوة العسكرية والتغوُّل الثقافي والسوق الليبيرالية المتوحشة ولذلك، فإن المسلمين إما أن يستسلموا للدولة الحديثة، على أمل تحويلها إلى نظام إسلامي وهو فهم خاطئ بالنظر إلى أن أشكال الدولة الحديثة تتناقض مع البعد الأخلاقي. وإما أن تعترف الدولة الحديثة بشرعية الحكم الإسلامي((ويبدو الخيار الثاني بناء على أمارات كثيرة، أقل احتمالا، مادام أي شكل من الحكم الإسلامي سيضطر إلى العيش في إطار نظام من الدول يقع هو نفسه تحت ضغوط متطلبات عالَم معوْلَم. وإذا ما كان على الدولة الحديثة، ما يخبرنا بذلك كثير من المحلِّلين،أن تتنافس مع ضغط العولمة وتتكيف معه، فسوف يعاني الحكم الإسلامي من تحديات متعددة ومتزايدة ومن المرجَّح أن تؤدي إلى تراجعه وسقوطه الكامل))284-285 
ثم يرى في النهاية أن المخرج من هذا المأزق لا يكون إلا بطريقيْن:
1-التفكير في أشكال حكم جديدة استنادا إلى النطاق المركزي الأخلاقي يراعي كل مناحي الحياة.
2-ضرورة التحاور مع الآخر ونبذ صراع الحضارات
يدعو المؤلف إلى البحث عن أشكال جديدة للحكم، ولكنه لا يدلُّنا على بديل عملي سوى ضرورة تحيين الوازع الأخلاقي الذي تتنكَّر له الدولة الحديثة. وهو يعترف-أعلاه- بأن تجربة البنوك الإسلامية ليس لها من الإسلام إلا الاسم. ما يؤكد حتمية استغلال الأدوات الحداثية حين يُراد للفكرة أنْ يكون لها امتدادها في الواقع العملي.
فأما الحوار فهو ضرورة، وسواء أقَبِل به المسلمون أم رفضوه، فإن ذلك لا يغيِّر من الأمر شيْئاً. فالظاهر أن المشروع الإسلامي- إنْ كان يستحق صفة المشروع في هذا العصر- محكوم باحتماليْن لا ثالث لهما:
فإما أنْ يندمج أنصارُه في الحداثة ويستثمروا منجزاتها فيؤسِّسوا- حتماً- دولة بأدوات الحداثة، وحينئذ لن يستمر حضور الشريعة ألا كحلم 

 

،رومانسي يدغدغ عواطف المؤمنين، وإما أن يركنوا إلى خطاب ماضوي منغلق فيندثر ما يُسمَّى مشروعاً.

وحينئذ لا يبقى أمام الأجنحة المتطرِّفة إلا تبرير عجزها بممارسة العنف ونشر الرعب. 

وأخيراً إذا كان باحث من هذا الطراز، يشتغل في كبرى الجامعات المرموقة ويستفيد من منجزات الدولة الحديثة ثم لا يجد غير المبدأ الأخلاقي يلوِّح به تعويضاً عن الإحساس بالاغتراب، فإن ذلك مما يؤشر على أفول النجم الأخلاقي الذي يضيء سماءَه الوهْمية أكثر مما يدل على انبعاث العنقاء من رمادها.

 

شوهد المقال 1136 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول
image

سعيد لوصيف ـ الطفو (émergence) و ديناميكية الحراك : الشغل لمليح يطول..

د. سعيد لوصيف  من عوامل نجاح الحراك، أن لا تنحصر وظيفته فقط في مواجهة نظام توليتاري مهيمن، صادر جميع حقوق المجتمع منذ عشريات، وإنما من وظيفته
image

عثمان لحياني ـ الحراك... والغنيمة

عثمان لحياني  من يعتقد أن الحراك غنيمة فهو واهم ، وواهم من يعتبر أنه يمكن أن يقضي به مصلحة، ومن يظن أنه يمكن أن يقضي من
image

عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

عبد الباقي صلاي من السهل بناء العلاقات الإنسانية،لكن من الصعب بمكان الحفاظ عليها كما هو متعارف عليه في كل أصقاع الدنيا،والأصعب من كل هذا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats