الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - الدولة المستحيلة،الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي 1/2

مخلوف عامر - الدولة المستحيلة،الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي 1/2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. مخلوف عامر 

 

 

ملاحظة:ما يَرد بخط بارز، هو تعليقاتي الخاصة
لقد اجتذبني هذا الكتاب بسبب عنوانه المثير، ولما قرأت مقدمة المترجم وجدته يرفع من شأن مؤلفه عالياً لأنه من أبرز المختصين في الدراسات الإسلامية وقد درَّس في العديد من الجامعات الغربية المرموقة منها جامعة ماكغيل بكندا وكلومبيا بنيويورك وله عدة كتب ومقالات تُرجمت إلى كثير من اللغات منها: العربية والفارسية والأندونيسية واليابانية والعبرية والروسية والتركية.. ثم لأن الطبعة الأولى لم تصدر إلا عام 2014 .
حقا، إن الباحث يتمتَّع بثقافة موسوعية ما قد يدعو إلى الانبهار.لكن بعد قراءة متأنِّية يتبيَّن أن الكتاب ينبني على فكرة محورية عهدناها منذ زمن ومفادها أن الحضارة الغربية الحديثة مادية خالصة تفتقر إلى البُعْد الروحي، بينما الحكم الإسلامي يرتكز على ما يسميه النطاق المركزي الأخلاقي. 
فهو يُخضع مفهوم النطاق المركزي للنقد لدى "كارل شميت" الذي من شأنه أن تتبعه نطاقات أخرى ثانوية، لا تلبث أنْ تُحلَّ تلقائياً إذا ما حُلَّ النطاق المركزي.
ويرى أن الشريعة قانون أخلاقي يعاني تناقضا داخليا.إذْ مع بداية الموجات الاستعمارية في القرن أفرغت من محتواها وكان على الاستعمار أنْ ينزع شوكة الأخلاقي، لأن النطاق المركزي للدولة الحديثة والحداثة هو الاقتصاد السياسي اللاأخلاقي.
وبقيتْ الشريعة تُزوِّد قوانين الأحوال الشخصية بالمادة الخام. والنخبة القومية حافظت على هياكل القوة الموروثة من الاستعمار، لكن المواطن النموذجي ظهر بشكل بطيء والفراغات السياسية بعد انهيار البنى التقليدية لم تُملأ بما هو مناسب.
لقد كان النموذج الأخلاقي هو النطاق المركزي في التاريخ الإسلامي وحضارته، ولذلك نلاحظ غياب الانسجام بيت تطلعات المسلمين والواقع الأخلاقي الحاضر.
لا يمكن أنْ نتصوَّر أن الاستعمار كان يستهدف نزع الشوْكة الأخلاقية فقط. إنما كانت تهمُّه الثروات. ومادام المسلمون غارقين في عباداتهم وتصوُّفهم وأخلاقهم ولا يتطلَّعون إلى التمرُّد عليه بقدر ما ينقادون إلى خدمته مؤمنين بالقضاء والقدر وآملين في الثواب الأخروي، فإن الاستعمار لم يكن ليمسَّهم بأذى. ولما قامت حركات التحرُّر لم تكن مدفوعة بالوازع الأخلاقي وحْده إنْ كان موْجوداً فعلاً.
إن الفقر والجوع كان طبيعيا وأصبح من صنع الإنسان كما التفكك الأسري والاغتراب ثم الدمار الطبيعي.
ولأن المشروع الحديث يهمل أخلاق عصر التنوير والأخلاق الإسلامية أيضاً، فإن المسلم والغربي كليهما يقعان فريسة الاغتراب.
من العجيب أن باحثاً بهذه الثقافة الموسوعية يعتبر الجوع والفقر طبيعييْن ويُغفل ممارسات الحُكَّام والحروب التي نشبت من أجل السلطة وكسب المال وذلك منذ الخلافة "الراشدية" التي تُعدُّ النموذج المثالي لدى المسلمين. فأما الاغتراب فلا ينشأ بسبب غياب الأخلاق وحدها. إذْ لا شك أن للعامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي دورَه أيْضاً. ثم إن تجريد الحداثة من أي أخلاق لا يعدو أن يكون ضرْباً من الاستعلاء على الآخر. فلكل زمن قيَمُه التي تتغير بتغيُّر الظروف. وما يبدو لنا أخلاقاً صافية منزَّلة من السماء ليس بالضرورة أن تكون كذلك في حكْم الآخر، فلا فائدة من النرجسية والاستكبار. 
(( فبينما كان النطاق المركزي في عصر الدين التقليدي هو التنشئة الأخلاقية، والتعليم الأخلاقي والتطلعات الدنيوية الأخلاقية، فإن ما يُعتبر تطوراً وإنجازاً حقيقياً في "العصر التقني" هو "التقدم الاقتصادي والتقني" وبالمثل ففي عصر اقتصادي، لا يحتاج المرء إلا لحلِّ مشكلة الإنتاج وتوزيع البضائع بصورة كافية، حتى تصير المسائل الأخلاقية والاجتماعية كافة غير ذات أهمية))( )
والقول بخطيئة الماضوية وعدم القدرة أو فقدان الإرادة على الاستفادة من تجارب الآخرين الماضية إنما هو مرض مصدره إما تحجيم الأنا أو نرجسية مستكبرة لأننا لا نستطيع أن نتعلم من الآخرين أو أننا أكثر منهم تقدماً وحداثة وكأن الحداثة بالمفهوم الغربي تقول:((ليس على الأرض أعظم مني ، بنان الله الناظم أنا)) كذلك يزأر الوحش.
صحيح أن الاستفادة من الماضي لا ينبغي أن تكون خطيئة، وإلا صار مرضاً نرجسياً استكبارياً، لكن نفي الأخلاق عن الدولة الحديثة وحصرها في الشريعة الإسلامية دون سواها هو الوجه الآخر للنرجسية وتحجيم الأنا. فالتاريخ الإسلامي لا يخلو أبداً من ممارسات لا تقر بها الشريعة ولا القانون الوضعي. ومنها الكسب غير المشروع واغتصاب الحكم وإرهاق المواطنين بالضرائب وتخيير أهل الذمة بين الإسلام أو الجزية أو السيف، ناهيك عن أنَّ الاسترقاق لم يُحسم بنص ولم يكف لا الخلفاء ولا علية القوم عن ممارسته، فقد ظلَّت قصورهم تعجُّ بالعبيد والحواري على مر التارخ.
وبالرغم من اختلاف مفهوم الدولة باختلاف المفكرين ص: 58إلا أن تاريخ الدولة هو السيرورة التي تتكشف من خلالها كمفهوم مجرد ومجموعة من الممارسات ص:60
((لكي يشكل كيان ما نفسه في صورة دولة مكتملة التحقق، يفترض عليه أن يفترض ذاتاً/ذاتية معينة ألا وهي المواطن. ولا يمكن قيام الدولة ومواطنها المكتمل التحقق إلا من خلال سيرورة تاريخية قد لا تكون أساسية في كثير من الدول التي ندعوها اليوم دولاً"ضعيفة" أو"مارقة" "متخلفة)). ص:61 وللدولة خواص الشكل التي تملكها وهي:
1. ((تكوين الدولة كتجربة تاريخية محددة ومحلية إلى حد بعيد، وهي أوربية أصلاً
2. سيادة الدولة والميتافيزيقا التي أنتجتها(( فالعنف بوصفه منطق قوة خالصاً، لا غنى عنه ويشكل شرطاً أساسياً للسيادة الداخلية الدولة، باعتبارها ممثلة للإرادة القانونية ومُمَثَّلة بها وكي ْ تظهر السيادة إلى حيِّز الوجود لا تحتاج دولة فحسب، بل شرطاً عاماً مسبقاً قيام بناء متخيل( Imagined construct) هو الأمة))))ص: 68 لذلك تشترك السيادة مع التوحيد في كثير من مضامينها.
3. احتكار الدولة التشريع وما يتعلق بذلك من احتكار ما يسمى العنف المشروع
4. جهاز الدولة البيروقراطي((كلما اتسعت البيروقراطية تزايد خضوعها لقواعد تنظيمية موحَّدة)) هي بنية إدارية تراتبية تته من الأعلى إلى الأسفل،(( وقمة الهرم هي التي تحكم وتدير، وهي تفعل ذلك من خلال الأسلوب البيروقراطي. من هنا فإن البيروقراطية هي أداة الإدارة ووسيلتها، والإدارة في الدولة الحديثة هي تنظيم التحكُّم، والحكم وقابلية الحكم، والعنف))ص:78-77
5. تدخل الدولة الثقافي الهيْمني في النظام الاجتماعي،بما في ذلك إنتاجها الذات الوطنية)).ص:63 
إن خصائص الشكل هذه مترابطة بنيوياً وأي تغيير يصيب إحداها يترتب عته تغيير في الأخر،
السلطة التشريعية في الدولة الحديثة لا تضع كل القواعد العامة وإن جانباً كبيرا منها يوضع من قِبل السلطتيْن التنفيذية والقضائية، كما أن السلطة القضائية قد تُبطل قواعد وضعتها السلطة التشريعية.
((ففي ظل هذا النظام من الإرادة السيادية، تصطبغ السلطة التنفيذية، على سبيل المثال بثنائية متناقضة: التشريع وتنفيذ ما تشرٍّعه. وهي في هذه الناحية تشترك في أشياء كثيرة مع السلطة القضائية التي تمارس دوراً مشابهاً: فهي تخلق قواعد عن طريق السوابق القانونية،وتبطل التشريع عبر المراجعات القضائية(وهو ما يُسمى التشريع المعكوس) ثم تلتفت إلى إصدار الأحكام القضائية على أساس قانون من وضعها جزئياً، وتتمادى بعدها كيْ تصدر العقوبات)).ص:102 
((فإن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تكون إسلامية إلا بقدر ما يستطيع الإسلام امتلاك دولة حديثة))ص:111   
إن خواص الشكل التي ينسبها الباحث إلى الدولة الحديثة، قد لا تخلو التجربة الإسلامية منها جميعاً أو من بعضها. فالحكم الإسلامي هو أيضاً تجربة تاريخية لم تخْلُ من عنف و من أجهزة تسيير واحتكر تأويل الشريعة بطرق تخدم السلطة القائمة سواء بالتعيين في عهد الخفاء "الراشدين" أو الوراثة في العهديْن الأموي والعباسي. فإذا كانت هذه التجربة لم تنتج نظرية للدولة متماسكة، فإن تلك المهمة قد تأجَّلت-بحكم الظروف- لأنْ تنتجها 

 

أوربا.ولا فائدة من إدانة الدولة الحديثة أخلاقياً مادمنا نقتات على منجزاتها.


المصدر:وائل ، حلاق، ب ، الدولة المستحيلة، الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي،المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الطبعة الأولى،بيروت تشرين الأول/أكتوبر ، 2014 ترجمة :عمرو عثمان مراجعة: ثائر ديب ص:39-40 Ketab 4Pdf.blogspot.com

يتبع..

 

شوهد المقال 1221 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول
image

سعيد لوصيف ـ الطفو (émergence) و ديناميكية الحراك : الشغل لمليح يطول..

د. سعيد لوصيف  من عوامل نجاح الحراك، أن لا تنحصر وظيفته فقط في مواجهة نظام توليتاري مهيمن، صادر جميع حقوق المجتمع منذ عشريات، وإنما من وظيفته
image

عثمان لحياني ـ الحراك... والغنيمة

عثمان لحياني  من يعتقد أن الحراك غنيمة فهو واهم ، وواهم من يعتبر أنه يمكن أن يقضي به مصلحة، ومن يظن أنه يمكن أن يقضي من
image

عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

عبد الباقي صلاي من السهل بناء العلاقات الإنسانية،لكن من الصعب بمكان الحفاظ عليها كما هو متعارف عليه في كل أصقاع الدنيا،والأصعب من كل هذا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats