الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - الغُراب والشيوخ والعلماء

مخلوف عامر - الغُراب والشيوخ والعلماء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 زمن الاستعمار الفرنسي، كانت الهوَّة واسعة بين الأهالي والنخبة المتسلِّطة من الفرنسيين الذين كانوا يُسمَّوْن النصارى يومئذ. وكان بعض الناس يبرِّرون وضعهم البئيس بقصَّة الغراب الذي كُلِّف يوماً بأنْ يحمل صُرَّتيْن: إحداهما مُلئت ذهباً والأخرى ملئت قَمْلاً، على أن يمنح الذهب للعرب والقمل للنصارى.. ولكن الغراب المشؤوم أخطأ فمنح الذهب للنصارى والقمل للعرب. 

من هنا أُلصقت الجناية بالغراب، وبعدما كان طائراً ناصع البياض محبوباً، صار أسود رمزاً للشؤم والتطيُّر.كما ورث هذه الصفة منذ عهود سابقة، فإذا هو غراب البيْن والاغتراب والنوى ويستحق الزَّجر، وقد قيل فيه:

رأيتُ غراباً واقـعـاً فوق بانةٍ يُنتِّـف أعـلى ريـشهِ ويُطايـرُهْ

فقلت ولـو أنـي أشاءُ زَجَرتُه بنفسيَ للنهديِّ: هل أنـت زاجرُه ؟

فقال: غرابٌ باغترابٍ من النَّوى وبالبـان بَيـنٌ من حبيبٍ تعاشرُه

ذلكم هو الغرابُ الجَدّ الذي عاش قديماً، لم يدركه عهد التطور والحداثة، فأما الغراب العصري فقد كُلِّف بصُرَّتيْن أُخْريَيْن، إحداهما ملئت جهلا والأخرى ملئت عِلْماً. وأخطأ طائر الشؤم في حقِّنا مرة أخرى. فكان نصيبهم علماً ونصيبنا جهلاً. 

ولكن الأغرب من قصة الغراب، أننا مازلنا لا نريد أنْ نتقبَّل الحقيقة الماثلة أمام أعيننا. إننا متعنِّتون في تعويض ما نعانيه من نقص وتخلُّف بما لا يُعوَّض.

فشيوخُنا هم "العلماء"وما أكثرهم. وليس العلماء أمثال: "توماس إيديسون"ولا"نيكولا تيسلا" ولا "إنشتاين" ولا من اخترعوا السيارة والطائرة والتلفزة والهاتف والمبرد والإنترنيت ولا "كوستو" بما ادَّعى من اكتشافه حاجزاً بين المياه العذبة والمالحة وقد سبقه القرآن في سورة الرحمن بقوله:((مرجُ البحريْن يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان))[الرحمن:19-20 ]، كما اجتهد "الزَّنْداني"وغيره أن يبحث في القرآن عن كل اكتشاف علمي يظهر لدى الآخرين، من الذبابة بجناحيْها شافٍ وضار، حتى كروية الأرض.

فشيوخ هذا الزمان "علماء"لأنه(( إنما يخشى الله من عباده العلماء))[فاطر:28]، ولأن تكرار كلمتيْ العقل والعلم ومشتقَّاتهما في القرآن، إنما غايته علم الدين وتعميق الإيمان لا أكثر. لذلك وجب على العالم العلَّامة البحر الفَهَّامة، أن يفهم الدين كيْ يؤمن، ويؤمن كيْ يفهم الدين.

ففي ملتقى الفكر الإسلامي الثاني والعشرين الذي نُظم ببلادنا في سبتمبر1988، قدمت عشرون محاضرة التقت جميعها حول الأفكار التالية:

• النظريات الأجنبية تعد غزوا فكريا وثقافيا، فهي مرفوضة أصلا باستثناء جهود أولئك الذين أعلنوا عن ولائهم للمسلمين أو الذين يجدون في تفكيرهم سندا صريحا أو مضمرا لما يدعو إليه المسلمون.

• الأخلاق تعتمد مقياسا أساسيا للحكم على الفرد والأمة، وما الأخلاق السليمة سوى الأخلاق الإسلامية التي يجب أن تكون نموذجا يُحتذى. ومن ثم ، فإن ابتعاد الغرب أو الآخر بصفة عامة عن هذا المفهوم الأخلاقي هو الذي تركه فريسة للتدهور والتفسخ والانحلال الخلقي.

• الفلسفة الغربيةكلها مبنية على الفصل بين المادة والروح ولا حل لهذه المشكلة العويصة إلا بتبني الإسلام الذي يحفظ للنفس الإنسانية توازنها الطبيعي.

• الانحراف الأخلاقي والديني والفكري مصدره اليهود "هم العدو فاحْذرْهم"

• إذا كان هناك كمال فهو من الله، وإذا ظهرت نقيصة فهي من الإنسان. وما الشقاء الذي يعاني من ويلاته البشر إلا نتيجة ركونهم إلى القوانين والعلوم الوضعية.

• إن الغرب بوضعه الحالي اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وعقائديا جاحد لنعمة الله التي ساهم المسلمون في إنتاجها وحفظها ، وإليهم يرجع الفضل الكبير في بلوغهم المستوى الحضاري الذي نشهده اليوم.

• لقد كان للمسلمين السبق في جميع الميادين:

ففي الاقتصاد والاجتماع (ابن خلدون) وفي الفلسفة (الغزالي وابن رشد) وفي علم النفس (الغزالي وابن سينا) وفي اللغة (ابن جني وسيبويه)...إلخ

• العلوم الإنسانية في وضعها الحالي متدهورة، لا تخدم الإنسانية.

• لا فرق بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي في هذا الوضع.

البديل المشترك : 

• ضرورة العودة إلى الأصول وفي مقدمتها القرآن والسنة انطلاقا من:

1. كمال كتاب الله

2. التوحيد المطلق

3. عقيدة ختم النبوة

4. كمال الدولة في عهد الرسول

5. التربية النبوية

• القيم الإسلامية ثابتة وصالحة لكل زمان ومكان، والقول بالتطور في الحياة البشرية وفي العلوم الوضعية لا يصح أن يمتد إلى الدين.

• نظرة الإسلام منسجمة متكاملة لا تفصل بين الماديات والروحيات ولا تمجد الفرد على حساب الجماعة ولا الجماعة على حساب الفرد. وهي وحدها الكفيلة بحفظ التوازن.

• اليهود كانوا أعداء الإسلام ولا يزالون وسيبقوْن.

• في الحضارة الحديثة جوانب مفيدة لابد من تسخيرها لخدمة الإسلام، ولكن القانون الإلهي هو الأقوى ولا يمكن الاستغناء عنه باعتماد ما هو وضعي لأنه من صنع البشر الضعفاء.

• إن إصلاح البشرية وتصحيح العلوم الإنسانية لا يتحققان إلا إذا اعتمد الدين الإسلامي منطلقا لكل ما يسعون إليه في هذه الحياة الدنيا المؤقتة الزائلة، فهو المرجع الرباني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فأما المنهج الغربي فهو مؤسس على الفلسفة اليونانية والرومانية والمسيحية والتلمود. والأنثروبولوجيا مؤامرة صهيونية تلمودية، كلها تسلب الإنسان حريته وما يسمونه علوما ليس سوى وسائل ثقافية لِغزْوِنا، لأن العلم الذي لا يكون أساسه الدين ليس علما.

هذه هي حالنا عندما يصبح الشيوخ "علماء". والشيوخ مرتاحون لا مدعاة لديْهم للقلق أو الغيرة. فالعلماء الذين ابتكروا وسائل كثيرة تريحنا في هذه الحياة، ينسوْن أنهم في "دار كُفْر". وقد غرَّتهم الحياة ((وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)).

وما كل هذه الأبحاث في البر والبحر والفضاء إلا أضغاث أحلام فانية. وما الصعود إلى القمر سوى مسرحية أمريكية لا أساس لها من الصحة. ثم إن ما يُعرف بالأرصاد الجوية وأحوال الطقس هي من عالم الغيْب، ولا يعلم الغيب إلا الله: ((وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ))[الأنعام، الآية59].

فالأفضل للمسلم أن يكتفي بالقول: ((الله أعلم)). ويدرك أن علماء "الكُفْر" هم العدو ، فاحذرْهم ، إنهم يكذبون على الله ومأواهم جهنَّم.

فأما شيوخنا أو"علماؤنا" الأجلاَّء، فهم يترقَّبون جنات النعيم تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ولهم الحور العين وأنهار من خمر وعسل مصفَّى. وجوهُهُمْ ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَة. لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً. فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ. وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ. وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ))[ سورة الغاشية].

ذلكم جزاؤهم بما كانوا يعملون، فقد كانوا يحفظون فرائض الوضوء ونواقضه واحترفوا التكرار على مر القرون.

إنه الفرق الحضاري بين مَنْ يحفظ لأنه يتذكَّر، ومَنْ يخترع لأنه يُفكِّر. ولكن ما ذَنْبُـنا وقد فعلها الغراب الأسود؟ لعلَّه السبب في خسارتنا، فلا يكفيه أنْ شوَّهنا صورته في الحياة الدنيا، فهو في الآخرة من الخاسرين.

شوهد المقال 5465 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد حمادة ـ المنطقة الآمنة المقترحة شمال شرق سورية..

العقيد أحمد حمادة *  منذ عام 2014 أرادت تركيا إنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية على غرارمنطقة شمال العراق التي أقامت فيها الولايات المتحدة والتحالف
image

شكري الهزَّيل ـ البطيخ العَّجر : تهافت العملاء على فتات الكنيست الصهيوني!!

د.شكري الهزَّيل تعج المواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعية العربية والفلسطينية باخبار ادانة وشجب المُطبعين العرب مع الكيان الغاصب وهؤلاء الفاشلون والباحثون عن الشهرة الرخيصة
image

توضيح للرأي العام من الدكتور ناصر جابي ومنع رئيس جامعة باتنة له من تقديم محاضرته

د.ناصر جابي أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم معي، بعد منع محاضرتي في جامعة باتنة. من قبل رئيسها الذي يصر في تصريحه الأخير للشروق
image

بادية شكاط ـ إلا رسول الله يارُسل أمريكا

بادية شكاط  يبدو أنّ ماقاله السفير الإماراتي في واشنطن،بأنّ دول الخليج العربي ستتحول إلى العلمانية في غضون سنوات،نراه اليوم رأي العين،وهو يمشي ليس على
image

محمد مصطفى حابس ـ بعد تكريم مفسر القرآن للأمازيغية، هل آن الأوان لتكريم الامازيغي سيد اللغة العربية عالميا العلامة واللغوي الدكتور مازن المبارك

محمد مصطفى حابس فيما أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، هذا السبت بالجزائر العاصمة، بأول إصدار في تفسير القرآن الكريم باللغة الأمازيغية للشيخ سي حاج
image

نعمان عبد الغني ـ التميز في الأداء الإداري لأكاديميات كرة القدم ....شرط النجاح

نعمان عبد الغني * إن نجاح الإدارة , في كل من المؤسسات التربوية , والمنظمات أو الهيئات الرياضية , إنما يعود سببه إلى تقدم
image

حيدوسي رابح ـ قبل الميلاد

 حيدوسي رابح ـ  الجزائر          الموت مؤجل والميلاد سلالم . لموتك اينعت في اديم الروح ازهار ترش الألواح بعطرها .. الريح تذروه
image

محمد محمد علي جنيدي – بصائر سابحة

محمد محمد علي جنيدي – مصر يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما
image

اليزيد قنيفي ـ عنصرية قاتلة..!!

اليزيد قنيفي  ما عبر عنه رسام الكاريكاتير "ديلام "في صحيفة "ليبارتي " مخجل ومؤسف ولا يمت بأية صلة لحرية الرأي والتعبير ،لأنّ هذا الرسم مُحمل
image

وليد بوعديلة ـ أصل الامازيغ..تاريخ الكنعانيين وتراثهم

د.وليد بوعديلة  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليه..تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم  تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح مع ذاتها وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats