الرئيسية | الوطن الثقافي | جمال غلاب - لا لا اليزابات ابرهاردت : ما تت *يسمينــــــــــــــــة* تمقاد 1900م 2/2 الحلقة 177/52

جمال غلاب - لا لا اليزابات ابرهاردت : ما تت *يسمينــــــــــــــــة* تمقاد 1900م 2/2 الحلقة 177/52

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جمال غلاب 

  مبروك قرة عيني و نور بصري و آخر نقطة في قلبي لا تبكي... مولاي لا ترحل يا سيدي .. إذا صممت على الرحيل فسوف ألقي بنفسي في طريق فرسك لكي أموت ....و إذا صممت على الرحيل خذني معك , و سأكون آمتك و أعتني بخدمة منزلك و خدمة فرسك ,,,و إذا مرضت سوف أمنحك دم عروقي لكي تشفى ...و أموت من أجلك يا مبروك.... يا سيدي خذني معك ؟إ. 

 

و يبقى جاك ملتزما الصمت بقلب مكسور أمام الإستحالة للإستجابة لطلبها .. و تستأنف يسمينة ترجياتها له : 
ـ تعالى و أرتدي الملابس العربية , و أنقذني و أنقذ نفسك ...حيث يكون ملاذنا الجبل أو أبعد من ذلك ....في الفيافي ببلاد( الشعابمة ).. أو حتى التوارق , و ستصير مسلما وتنسى فرنسا ؟إ.

 

 

ـ لا أستطيع ... لا تطلبي مني المستحيل ... لدي هناك أم و أب مسنان ... في فرنسا و يموتان حزنا ,,,, أه الله وحده من يعلم كم أرغب في إبقائك الى جانبي الى لأبد .....؟إ.

 

وأخيرا ساعة الوداع رنت ... و في هذا الوداع هناك إحساس لدى واحد منهما أنه سيكون أبدي ...لقد ضمنا قبلتهما الأخيرة كل ما تنطويه الروح ...؟إ ...و بقيت يسمينة تتصنت لوقع خطوات فرس جاك, و هو عائد الى المدينة .. و عندما إختفى في السهل و عاد الصمت المعتاد من جديد إستلقت يسمينة على الأرض و راحت تبكي حرقة على غياب مبروكها ...
وبعد مرور شهر على غيابه عاشت يسمينة في سبات ممل ...كانت تقضي أيامها في واد موحش مستلقية على الأرض بدون حراك ..و هي التي تعرف أن لا شيء يدار خارج المكتوب , و عليها تقبل كل ما يصادفها بحلوه ومره و يبقى ما تعانيه مجرد آلام مجبرة على تحملها نعم معاناة مستمرة بدون توقف معاناة قاسية و غير منصفة من كائنات فاقدة للوعي سواء كانوا أطفالا أو حيوانات من المحرمين , من العزاء لفهم سبب المعاناة ...؟إ.
ومثل كل البدو هناك مزيج غير مميز حيث الدم الأسيوي تفرق بين قبائل الشوية و البربر ... الخ و يسمينة لا تحوز من التعاليم الاسلامية إلا بعض المفاهيم المبهمة .. فهي ما تعرفه عن الإسلام سوى أن الله واحد الأحد ..وهو الخالق ورب العلمين ,,, و هو رب الكون ...و أن محمدا رسوله (ص) و أن القرآن كتابه ... و تحفظ سورتان أو ثلاثة سور كالتي لا يجهلها أي مسلم ,,,

 

و يسمينة لا تعرف من الفرنسيين إلا الذين يحرسون آثار( تمقاد).. و يعملون بحفرياتها ...و أن أفراد قبيلتها عانوا منهم الإضطهاد و القهر و هم أعداء و لا يمكن المصالحة بينهم و بين العرب ... و كم حاول جاك عبثا تغيير نظرتها إتجاه الفرنسيين بأن فيهم من لا يكرهون المسلمين ... لكن في قرارة نفسه كان يعلم أن بعض المسؤلين الفرنسيين بمعاملاتهم الوحشية , هم من جعلوا الفرنسيين و كل الفرنسيين في نظر هؤلاء البدويين سيئين ؟إ.

و يسمينة أيضا كانت تسمع تشكيات عرب الضواحي من أعباء الضرائب التي كانت تسحقهم و تروعهم , و التي يفرضها المحتل الفرنسي عليهم اضافة الى سلب الإدارة الإستعمارية لممتلكاتهم ... وعليه لو كان هؤلاء الفرنسيين من الطبيين لبقوا في بلدهم و لا يأتون من بعيد ....و كل ما سلف ذكره تتعاطى معه يسمينة بذكائها المحدود و هذا كل ما يشغلها ....

بدأت يسمينة تفكر فيما يحيط بها بشكل واسع ومن اليوم الذي عرفت فيه الحب ومنذ أن عاد جاك الى باتنة لقد بقيت في حالة تأمل و تدبر متسائلة حول ما يفعله جاك و كيف يعيش و هل يخلاط النساء الروميات اللائي يخرجن بدون حجاب , و يرتدين فساتين الحرير, و يضعن على رؤسهن القبعات كاللواتي يزرن آثار (تمقاد) ثم تغمرها موجة من الغيرة سرعان ما تلهب قلبها . لقد عانت يسمينة الكثير و منذ أن غادر جاك الى وهران البعيدة ومنه بدأت تتأكد لها بعض الظنون؟إ.

و في بعض الأحيان و في عزلتها الموحشة ...تغني بعض القصائد التي أحبتها تتخللها تنهيدات محزنة ثم لا تتوقف عن البكاء ... و لسانها ينفث اسم مبروك بكل التسميات العذبة و الناعمة , مترجية إياه لكي يعود اليها و كأنه حاضر أمامها و يسمعها ؟إ ..وسمية أمية لا تجيد القراءة و الكتابة و جاك لا يستطيع الكتابة و هو الضابط الذي لا يمكن أن يطلع أحد على رسائله أو ترجمتها ...و إذن فهي لا تستطيع معرفة أي جديد عنه ؟إ

 

و ذات يوم أحد كانت فيه مشدودة الى أحلامها المحزنة ... و إذا بها ترى فارسا من الأهالي مقبلا من جهة باتنة .. الفارس كان يرتدي بذلة السبايسي يدفع بحصانه في حلق الواد و كأنه يبحث عن شيء و فجأة يرى الفتاة البدوية الصغيرة ... فيناديها :
ـ الست سمينة بنت الحاج سالم ؟إ
ـ من أنت ؟ و كيف عرفتني ؟
ـ إذن أنت ؟إ ... أنا شريف بن علي الشاعمبي .. ضابط في صف السبايسية و صديق جاك ...اذن أنت حبيبته ؟

 

 

حينها يسمينة تملكها الخوف , لأن سرها صار مكشوفا من مسلم و من أبناء جلدتها ...و حاولت الهرب لكن الفارس سارع الى مسك ذراعها بالقوة 
ـ الى أين أنت ذاهبة يا إبنة الآثمة ؟إ قطعت كل هذه المسافات , من أجل الوصول اليك و تريدين الفرار ..؟إ. .
و منه كل جهود يسمينة باءت بالفشل لتخلص منه ...
ـ أتركني ... أتركني أنا لا أعرف الذي تتكلم عنه و لم أحب أحدا ...
و بعدها أطلق شريف العنان لضحكه ...
ـ أكيد أنت تحبيه يا إبنة الآثمة ,,,و كنت سأقطع لك رأسك لو لم يكن جاك صديقي هيا إتبعيني الى أسفل الواد حتى لا يرانا أحدا ... عندي رسالة من جاك اليك سأقرأها لك ؟إ

 

 

و بفرح صفقت يسمينة .. وفي مضمونة الرسالة أخبرها بأنه يمكنها أن تثق في شريف ..و أنها لا تتعرض الى أي أذى منه و هو من أرسله اليها و قال أيضا أنه لا يفكر الا فيها ...و سيبقى وفيا لها ..و أقسم لها في آخر الرسالة بأنه يحبها دائما ...و لن ينساها أبدا و أنه سيعود للعيش معها الى الأبد ...
ما أقسم به جاك كان رائعا ...و قراره غير قابل للنقض ...و أخيرا يتغير كل شيء و تزول كل المخاوف و الأحزان ومنه روح يسمينة يعمها الصفاء ... بعدها ترجت يسمينة شريف لكي يخبر جاك بأنها مازالت تحبه هي أيضا و تبقى وفية له مادام على قيد الحياة ...و ستبقى له الآمة المنقادة له وأنها مستعدة أن تكون التراب الذي يمشي عليه ...

 

 

شريف بعد أن يبتسم يخاطبها :
ـ لو حبيت رجلا مسلما .. كان سيتزوجك طبقا للشرع ... و لن تكوني على هذه الحالة من ذرف الدمع ..؟إ.
ـ مكتوب ....................؟إ
بعدها يمتطي شريف فرسه الرمادي تاركا وراءه غبارا ؟؟؟؟

 

ثم تتعقد أمور جاك مع يسمينة إنطلاقا من إعادة تعيين شريف في الصحراء وهو الذي كان كل ثقته و بالتالي فهو لا يجرأ على مراسلتها خوفا عليها من أذى سكان الدوار من الذين إذا علموا فإن الأمور ستكون كارثية على يسمينة و تدريجيا و بعد يأس إستولى عليه من الساعات الاولى ثم فجاة بدأ السلام يعم قلبه , و في الجنوبي الوهرني و في إحدى القصور تعرف على بعض الأصدقاء الفرنسيين المهذبين و المميزين جدا و حيث يحوزون مكتبة حينها جاك وجد ما يقرأ و من هنا بدأ يفكر في أشياء كانت تبدو له غريبة و صارت له أفاقا جديدة ... و بعدها عين بجري فيل ( البيض) ثم تعرف على فتاة اسبانية و تحابا ..

ومنه الصورة الساحرة ليسمينة بدأت تتقهقر الى الوراء فقد صارت مجرد ذكرى آيلة الى الزوال ... و أخيرا ظهر محمد القهواجي ( الأعور) ليخبر أسرتها بأنه صار جاهزا لإقامة العرس ...و بقيت يسمينة تواجه مصيرها لوحدها ... لأنه بغريزتها شعرت أن جاك تخلى عنها وعليه من اليوم فصاعدا فقد صار لها الأمر سيان .

ثم بدأ يجتاح قلبها الكثير من القلق ازاء زواجها و هي التي صارت فعلا زوجة للقهواجي ( الأعور ) . فجاة طفت على السطح مشاجرة بين محمد ( الأعور) ووالد يسمينة سببها مصلحة . حيث تم على إثرها طرد ( الأعور ) ومنه لم تعد يسمينة من نصيبه بل صارت من نصيب رجل آخر و المسمى عبد القادر بن إسماعيل السبايسي...فهو جميل و أنيق و لكن سيرته في وظيفته لست بالمحمودة و مع ذلك رؤساءه كثيرين الإعجاب به لذكائه و و شجاعته وجرأته ؟إ.

ومن جهته عبدالقادر السبايسي كان سعيدا بسمينة ذات الخمس عشرة سنة , و سعيدا بها لأنه وجدها جميلة و المرأة التي تليق به و مقابل هذه المواصفات فقد ضاعف قيمة المهر الذي لن يكون بمقدور محمد ( لعور) منافسته أو الصمود في المزاد ومثل هذا المبلغ المالي المغري ترك العجوز والد يسمينة لا يتردد في تفضيل عبد القادر عن الأعور الهواجي ؟إ ... إضافة الى ذلك فالعريس الجديد ينتمي الى عائلة كبيرة في مدينة قالمة و ما تجدر الإشارة اليه أن عبد القادر . دخل في خصومة مع أسرته إزاء اختياره الأحادي هذا الذي لم يكن لهم فيه رأيا ؟إ .

وفي البدء فقد دام العرس في الدوار ثلاثة أيام ثم تم اسئنافه في المدينة ... ففي الدوار أطلقت الكثير من العيارات النارية و في المدينة حيث نظم حفل مهيب و كله عظمة و لعب الفرسان الكثير من المشاوير على خيولهم في جو مخمور بالفرح و السعادة و الذي كان متمظهرا في طلقات مدوية و صرخات لا أول لها و لا آخر و رقصات النساء على إيقاعات البندير و نغمات الغايطة ..

و زينت يسمينة بأبهى الملابس المتمثلة في فساتين من ( الموسلين) الأبيض الطويل و العريض و ذات الكمام أيضا في قياساتها , و القفطان المخملي الأزرق و المذهب و قندورة من الحرير المورد , وحيث تصدرت على كرسي وحيد في القاعة بين النساء بشيشية مطرزة بالكرز الأخضر و بمجوهرات من معدن الذهب و الفضة أما الرجال فقد كانوا في الشارع يمارسون العابهم في المقهى المقابل للمنزل المقام به حفل الزفاف ..

و ما علمته يسمينة من بعض النساء أن شريف الشعامبي الذي حمل لها أول رسالة يكون قد رحل الى غير رجعة و منه تأكدت من إنعدام آخر بريق أمل مع جاك ....ومساءا و حينما كانت يسمينة رفقة عبد القادر لوحدهما لم تجرأ على رفع راسها في وجهه..؟إ

 

فهي لازالت وفية بحبها للرومي ؟إ .. و حتى و إن إستخلف السبايسي الأعور و مع ذلك لم يتغير فيها شيئا و لم يترتب عن هذا التغيير أي فرح ....فعلى العكس فهي لم تعرف من الأعور الا الطيبة بينما السبايسي فكله رعونة لا تطاق .... و حينما علم أن يسمينة تخفي عنه سرا حينها تملك عبد القادر الغضب و راح يضربها بعنف ... محاولا إستنطاقها تحت التعذيب و أخيرا كشفت له عن حقيقة سرها :
ـ إنه ضابط .... مسلم ...وهذا منذ فترة طويلة ....و رحل و لن يعود ....؟إ. و إنقاذا من ما تعانيه من الرعب من زوجها نطقت بإسم الشريف الضابط في صفوف السبايسية و لم تصدقه القول بأن من كانت معه في علاقة هو الرومي ...؟إ...و ذلك تجنبا لغضب أكثر من عبد القادر ... و هنا بدأ غضبه يتلاشى شيئا فشيئا مقنعا نفسه بالتالي : أكيد شريف لن يفضحها ... و مادام قد رحل فمن المؤكد لا أحد يعلم بهذا السر في القبيلة ...

 

وبقي عبد القادر محتفظا بيسمينة كرهينة حيث كان دائما يبث الرعب في دوار سالم والد يسمينة مطالبا إياه باعادة له مال المهر الذي أخذه منه ؟إ ... وكم ندم الحاج سالم ساعة لا ينفع الندم من عدم تزويج إبنته الى محمد ( الأعور) الرجل الطيب و بقيت يسمينة حزينة و صامتة تقضي معظم وقتها في خياطة الأقمشة لعمة عبد القادر المساة (دوجة) بغية بيعها للتاجر المزابي و كانت أيضا يسمينة تعيش رفقة أخت عبد القادر في المنزل و التي ستتزوج قريبا...؟إ.

وكان عبد القادر حينما يكون هادئا و ليس سكرانا يشتري ليسمينة الكثير من الهدايا و الحلويات و الألبسة و المجوهرات لكن عند ما يكون في حالة سكر فهو لا يتوقف عن ضربها بدون سبب و تماشيا مع هذا التعنيف فقد صارت يسمينة مع الأيام و الشهور غير مكترثة لضربه ...؟إ.. ظلت محتفظة بصمتها و مخنوقة بين أربعة جدران و منغلقة على نفسها معربة عن حزنها و أسفها على السهل و الأثار و الواد مكان مسقط رأسها الذي اجتثت منه عنوة ... و عندما تأكد عبد القادر من حقد و كره يسمينة له زاد من وتيرة ضربه لها و حينما يراها تتلوى من آلآم الضرب وهي في هالة من الصراخ و البكاء يضمها الى صدره و يغطيها بقبلاته لمواساتها ؟إ.

وواصلت يسمينة حبها ( لمبروكها الرومي) ...و أفكارها لا تتوقف عن التحليق في الجنوب الوهراني , و هي لا تعرف أبدا هل مازال على العهد ؟ سائلة نفسها سؤالا واحدا هل سيعود ؟إ ...و متى إختلت بنفسها و حيث لا يرها أحدا تشرع في البكاء في صمت ؟إ

أما جاك فقد نسي مغامرة حبه التي خاضها ذات فجر في حياته و في سهل موحش في تمقاد و التي لم تعمر إلا صيفا واحدا ... و لم يمر عاما كاملا على زواجها من عبد القادر و بعدها تحدث الكارثة حيث قام عبد القادر بضرب رئيسه خارج الوظيفة و بعد المحاكمة أدين بعشرة سنوات سجن ... و بسرعة البرق صار المنزل خاويا على عروشه حيث تزوجت أخت عبد القادر و ماتت عمته فيما بعد ...و على الرغم أن يسمينة بقيت وحدها في المنزل و ليس من يعيلها الا أنها رفضت الرجوع الى قبيلتها في تمقاد ... و بقيت على طباع كلها غرابة في متهات الحزن و الصمت الرهيب و صار كل ما يشغلها هو جاك فهي لا تريد اعادة تجربة الزواج ثانية و تريد ان تبقى حرة لإنتظار مبروك و تريد أيضا إستغلال هذا الحيز الزمني من أجل إستعاب الراحة لقلبها و على الرغم من أنها لم تعثر على أي شيء مقابل حبها ومع ذلك تبقى وفية للغائب و لن تجرأ على نسيانه ...

و بعد أن استنفذت يسمينة كل ما تركه لها عبد القادر من مال جمعت ملابسها و سلمت مفاتيح الى المؤجر مالك المنزل و عندما أسدل الليل نقابه توجهت الى (الفلاج لكحل ) الذي لا يبعد عن مدينة باتنة سوى ب خمسمائة متر في وسط مقفهر و لا يبعد عن المسجد و هذا الفلاج هو عبارة عن كتلة من الاكواخ المبنية من الطين و الخشب و تحوفه القذرات و يحيوي نساء مالطيات و يهوديات و بدويات مناللواتي لهن سوابق قضائية و يوجد بهذا الفلاج مقاهي بمواصفات ملاهي ليلية .. حيث تنظم بها سهرات بها نساء يغنين و يرقصن الى غاية العاشرة ليلا ... و في هذه المقاهي يتم تعاطي فيها الكيف و هي أماكن محمية و موظفة لترفيه العسكر ؟.

و عندما بقيت يسمينة و حيدة في هذا الفلاج تعرفت على إمراة تعيش مع واحدة من ( واد ريغ) و هما : سمرة وزهرة .. يعملان في إحدى المقاهي التي يديرها علي فرانك و الذي يدعي أنه مسلم تونسي , لكن إسمه يعني جنسية أجنبية أخرى .. و سجله مثقل بالسوابق القضائية و مراقب من طرف الشرطة ... المغنيتان الإثنتان إقترحا على يسمينة لكي تقسمهما الغرفة و عندما تيقنت يسمينة أنها صارت و حيدة و مشردة تجاوبت مع اقتراح المغنيتين ؟إ

و مساءا ظهرت يسمينة لأول مرة في المقهى و هي تغني في قاعة فسيحة و منخفضة و مدخنة و منتشرة بها العقارب اللاسعة و مبنى المقهى من الطين و جدرانه مطلية بالجير وتزينه نقوش و رسومات و في الهامش الفاصل بين جدارين مقاعد وطاولات مصففة و في منتصف القاعة مساحة واسعة و في آخر القاعة مصرف خشبي و خلفه مصطبة من مادة التراب مغطاة بسجاد قديم من الحلفة...

و يبدأ المشهد حيث سبعة مغنيات في جلستهن القرفصائية و هم على التوالي : الصديقتان ليسمينة ... سمرة و زهرة و حفصية من واد ريغ و عيشة من عنابة و يهوديتان : ستيترا و رحيل و الأخيرة أصيلة الكاف مرتدية للباس الرقص تونسي ومتمظهرة بالمظهر المصري : سروال طويل و سترة من الحرير المطرز وشعرها مسترسلا في خفقانه و مشدود بشريط أحمر و تنتعل حذاءا من السطان ذو اللون الأبيض و العالي الكعب .. وكل جسدها تغمره المجوهرات و يزين أذنيها حلقان متدليان على عنقها و خواتم في اصابعها ثقيلة ... بينما البدوية و المرأة ذات البشرة السوداء فهما يرتديان فساتين صحروية و هو نوع من اللحاف الأزرق الداكن مسترسلا على الكتفين مشكلا سترة , و على رأسهما مبنى معقد مكون من ضفائر مضفورة بخيوط حمراء و فولارات متناسقة البناء من الجبهة الى أعلى الرأس و مشدودة الى بعضها البعض في شكل دائري و مجوهرات مشدودة أيضا بسلاسل ذهبية .

و عندما تقوم واحدة منهن لترقص في القاعة بين المتفرجين الأخريات من المصطبة يصاحبنها بالغناء و تصفيق و الضرب على الدف بينما الصبي الصغير فيسترسل في العزف على الناي العربي برفقة الشاب اليهودي الذي يعزف على آلة المندلين ... و كل هذا الغناء المرفوق بالنغم و الرقص يضفي الحماس على القاعة بالصراخ و التنكيت و الضحك الى الحد الذي يصير كل ما فيها ملتهبا من كلمات بالفرنسية من هنا و أخرى بالعربية من هناك و في آخر المطاف يمتزج الصراخ باللغتين .

 

ـ أنت حميلة جدا ...قالها سعيد شاب من البيض نفي الى أفريقيا و الذي أعجب بيسمينة التي حان دورها للرقص ...
كانت تبدو عليها الصرامة و الإنحياز الكلي لصمتها و حزنها لأن الوسط ليس بوسطها و لكنها صارت فريستة اللا إراديا ثم عميد السبايسية الذي يعرف عبد القادر بن اسماعيل و الذي يعرف يسمينة :
ـ هذه زوجة عبدالقادر و ماذا تفعل هنا ؟إ 
ثم الحتق بها و و عرف منها كامل قصتها ... ؟إ.
..........................................................................................................
في وسط التضاريس القاحلة التي تلامس جزءا من جدران المدينة و أمام باب سجن ( لنبيس ) .ومن الجهة الأخرى الى حدود سفح الجبل .يقف المسجد شامخا ومعزولا بدون طراز و لا نعم ..تحت ضياء القمر السحري .. بدت ليسمينة شفافية عارمة للمكان و تقريبا كأنه يغتسل بإشعاعات ضؤ القمر .

 

ومن جانب الفلاج ( الأكحل ) ...هناك ضجيج خافت للبند ير و القصبة أمام مقهى علي فرانك ... و حيث إمرأة تجلس على مقعد خشبي أبيض في وضعية مرفقيها على ساقيها و رأسها بين يديها ...تتابع المارة بنظراتها بعدم الإكتراث العميق و الاشمئزاز تقريبا .. و يبدو عليها الوهن و الضعف و خديها المحمرتين و الداكنتين و عينيها الغائرتين , و شفتين نحيفتين و مشدودتين من آثار الألم كانت تبدو و كانها تجاوزت عمرها الحقيقي بعشر سنوات و هي البدوية الصغيرة التي إنبعثت ذات يوم من آثار تمقاد بيد أنه و في قناعها الحزين و الذي كله معناة و عذاب لأن الثلاث سنوات الأخيرة التي قادتها الى هذا المستنقع لم يتون الحزن عن أي نقطة في ظلالها الا و شغله ومع ذلك ما زالت يسمينة محتفظة بجمالها ... جمال كله طلاوة و إثارة ...

و في كثير من الأحيان كان صدر يسمينة يهتز من سعال رهيب طال أمده .... مرت خمس سنوات على رحيل جاك الى الجنوب الوهراني ... و تبعا لتقلبات الحياة العسكرية جاك عاد الى باتنة برفقة زوجته الباريسية المشحونة بالإحساس و الحياة و التي تعرف عليها بمقاطعة نيس الفرنسية حينما تم نقله للعلاج هناك و لقضاء فترة نقاهة ..

 

جاك الآن تغير و لم يعد مبروك ...؟إ. فقد صار متنكرا للبدو و لكل ذكرياته و للعلم لم يتون في إطلاع زوجته الباريسية عليها و لتبرير موقفه قال : 
ـ كنت مجرد مراهق و حالم و مغامر ... آه لو تعرفين يا غاليتي كم كانت تنتابني الكثير من الأفكار السخيفة و التي كانت ملغمة ...فعلا كنت على وشك الإفلاس بسبب هذه الفتاة البدوية المتوحشة ... فلو سمحت لنفسي للولوج في هذا الجنون ...إنني أتساءل الآن كيف سيكون مصيري ... الله وحده الذي يعرف هذا المصير ؟إ.

 

 

و ذات مساء و حينما كان جاك في تجوال برفقة زوجته في نطاق شوارع تعد على أصابع اليد الواحدة خالية من أي سحر جاذب قال لزوجته 
ـ تعالي أوريك فضاء الثكنات العسكرية و تحديدا البساطة التي تغمره و الذي يبدو لك أنه مازال محافظا على عذريته الطبيعية ...

 

 

و أثناء سيرهما التقى جاك بأحد أصدقائه الذي اقترح عليهما الذهاب الى فلاج الأكحل ...لأن ما يحوزه هذا الفلاج فيه ما يفرح ومن جهته قبل جاك الاقتراح و ذهبوا جميعا ووصولا الى هناك ترك جاك زوجته مع صديقه و عند مروره أمام مقهى فرانك يسمينة لم تتمالك نفسها حيث قفت من مكانها و صرخت 
ـ مبروك ....مبروك ... نعم أنت ؟إ
حينها جاك لم يعرفها لو لم تنطق باسم مبروك ؟إ و مع ذلك لم يبادلها حماسة اللقاء بل كان ينظر اليها بقلب تغزوه البرودة و لم يجد ما يقوله لها ؟ لقد لعن نفسه لأنه جاء بزوجته الى هنا ... ما هذه الفضيحة قال بينه و بين نفسه ؟إ 
ـ مبروك مبروك آلا تعرفني انا سمينة ؟إ انظر الي جيدا ؟ إحتضني .. أعرف أنني تغيرت كثيرا ؟إ و لكن لا تحمل هما سأبرأ من أجلك .. لأنك هنا ؟إ 
حينها جاك قرر أن ينهي هذه المغامرة الغير سارة على الفور ؟إ و سنده في ذلك اللغة العربية التي تعلمها من أجلها سابقا و قال :
ـ إسمعي لا تعولي علي لقد إنتهى كل شيء بيننا ... فأنا حاليا متزوج و أحب زوجتي ؟إ أتركوني و لا تبحثي عني بعد اليوم ؟إ أنسيني فهذا في صالحنا ؟إ

 

 

نظرت اليه بعينين مفتوحتين على مصرعيهما و في هالة من الذهول وقالت بينها و بين نفسها : و إذن هاهو آخر أمل الذي كان يمدني بالحياة فاذا به ينطفئ و الى الأبد ؟إ
نسي كل شيء ؟ لقد أحب الرومية زوجته ؟ ... هي من أحب ؟إ و ما عليها إلا أن تنعزل و تموت مثل الكلبة التي تم هجرها ؟ في صدرها حكم و في نفسها غليان إزاء هذا الجور ثم إندفعت بكلامها الذي كله تهديد ؟
ـ و اذن لماذا جئت تبحث عني في حلق الواد ؟ حيث كنت آمنة و مطمئنة بين خرافي و نعاجي و عنزاتي ؟ لماذا لم تتوقف على تقتفي أثري ؟ لماذا وظفت معي كل حيلك القذرة ؟وكل كذبك لإغوائي ؟ أين هي وعودك البراقة التي كنت تعدني بها بأنك ستعود و تأخذني معك ؟ لماذا كذبت علي حينما نطقت بشهادتين مدعيا اعتناقك للإسلام ؟ آلا تعلم أنني مازالت أحتفظ برسالتك التي أرسلتها لي مع الضابط الشعامبي ( و اخرجت الرسالة من صدرها ) لماذا أيها الرومي الكلب يا إبن الكلبة عدت من جديد و مع زوجتك الرومية في هذا الظرف لتجعلني محل سخرية بعد أن هجرتني و رميت بي ؟إ

 

 

ثم تنهدت و أجهشت بالبكاء وهي تسعل بمقذوفات من الدم ؟إ و بعد أن نظفت فمها بمنديلها رمته على وجه جاك قائلة :
ـ خذ أيها الثعلب و أشرب دمي ؟ أشرب و كن سعيدا أيها المجرم ؟
حينها جاك كان يتألم و في هالة من العار و الخجل من نفسه لأنه سبب لها كل هذه المعاناة ؟ و لكن ماذا باستطعاته فعله بينه و بين هذه البدوية البريئة ؟إ و قد إتسعت الهوة بينهما أكثر من أي وقت مضى ؟إ و تجاوزا لما هو فيه من رخس , و في الوقت نفسه لكي يتخلص من هذه المخلوقة .. حيث كان يعتقد أنه بكمشة من القطع النقدية يمكنه إنهاء الأزمة التي هو فيها ؟إ
ـ حسنا ...أنت فقيرة و مريضة و في أمس الحاجة الى العلاج ...خذي هذا المبلغ المالي ووداعا ؟إ 
و بدا متلعثما و الخزي يطارده الى الأبد في الظرف الذي لا يجرأ على فعل أي شيء ؟إ أما يسمينة فقد بقيت جامدة بلا حراك ثم فجأة أمسكت بكمشة النقود و رمت بها على الأرض وقالت :
ـ كلب ... جبان ... كافر ؟إ 
أما جاك فقد طأطأ برأسه ...و التحق بزوجته و صديقه اللذين تخفيهما الأكواخ ؟
و بعدها سقطت يسمينة على مقعدها بعد أن تأوهت الكثير من التنهيدات المتشنجة ؟إ وسمرة ذات البشرة السوداء من جهتها بعد أن سمعت رنين القطع النقدية سارعت الى جمعها ثم ضمت يسمينة الى صدرها و راحت تخفف عنها بقولها :
ـ سمينة أختي لا تبكي ...كلهم هكذا ؟إ الروامة الكلاب أبناء الكلاب ؟إ لكن بالمال الذي منحه لك سنشتري به فساتين و مجوهرات ....و ستعالجين صدرك من المرض ... فقط لا تخبري علي فرانك ؟إ لأنه سيأخذ منك هذه النقود ؟ و لكن لا شيء يواسي أو يعزي يسمينة في مصابها ؟ ثم توقفت عن البكاء و النحيب و راحت تنتظر و تنتظر ما يجب فعله ؟إ يسمينة لم يبق لها شيئا تنتظره سوى الموت ؟إ و هكذا تستريح من معاناتها التي صارت لا تطاق ؟إ .

 

ما جرى لها هو مكتوب على جبينها ؟إ و لا فائدة ترجى من الرثاء و عليه يجب الاسستلام الى النهاية مادام كل شيء إنهار فهي لم تعد بحاجة الى قلبها لتلمس منه الفرح أو الحزن ؟فما تحوزه من آلام و أحزان لا نهاية له ... وكم تألمت و هي ترى جاك حيا بجانب زوجته ؟ هي قريبة منه و لكنها بعيدة عنه كل البعد ....آه كم تمنته أن يكون ميتا في مقبرة الرومي و خلف باب قسنطينة ...لم تكن تدري أن ساعات الفرح و الحزن التي قضتها في الواد في السنوات الخوالي ,,, تتحول الى عذاب رهيب في وقتها الراهن ... لقد أحب الرومية ؟إ ... شعرت أن العذاب البشع سيقتلها ...و أملها الوحيد كان هو اليوم الذي ترى فيه جاك ؟ كانت تحدوها إرادة قوية من أجل الحياة لرؤيته و هذه الإرادة هي التي مكنتها من الصمود أمام كل الاحباطات ؟إ

يسمينة الآن هي مجرد أشلاء تتحرك و فريسة للموت و دون مقاومة ؟إ و فجأة مات الربيع الذي كان يملأ قلبها ؟إ ...نعم إنطفأ كل شيء في روحها ؟إ إنه المكتوب و لا مفر من المكتوب ؟إ

 

و في حدود الحادية عشرة صباحا مر سبايسي بالقرب منها فوجدها لم تبارح مكانها فأحتار في أمرها و هي مسندة ظهرها الى الجدار و ذراعيها متدليتان وراسها مطأطأ
ـ هاي سمينة ما بك ؟
و لما ترد عليه وعاود السبايسي مخاطبتها :
ـ خوفتيني ... ما يقلقك إ بنتي ...هل أنت مخمورة ؟إ 
ثم أخذ يسمينة من يدها و أنحنى عليها ؟إ و بعدها عاد الى وضعه ووجهه مقفهرا قائلا:
ـ لا حول ولا قوة الا بالله .....
يسمينة البدوية كأنها لم تكن ؟إإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإإ

 

 

يتبع الحلقة :53
 

 

شوهد المقال 1720 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats