الرئيسية | الوطن الثقافي | جمال غلاب - لالا اليزابات : حب بذوق طعم العرعار ( تمقاد 1900م)...1/2 الحلقة : 51

جمال غلاب - لالا اليزابات : حب بذوق طعم العرعار ( تمقاد 1900م)...1/2 الحلقة : 51

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جمال غلاب 

 

 لقد ترعرت بالقرب من مقبرة .. حيث الخربة المحيطة بها و من آلاف السنين الفارطة ,, و حيث أيضا طفت روحها الغامضة .. وهنا كبرت و عاشت طفولتها بين الأطلال الرومانية ووسط الركام و الغبار وهي لا تعلم شيئا عن عظمة المكان الكئيب فهي رهينة القضاء و القدر.. ؟إ.. غريبة بحزنها بين كل فتيات قبيلتها كونها يسمينة و فقط ...

أكواخ قريتها منبعثة من الآثار الرومانية ( لتمقاد ) وسط سهل مترامي الأطراف تناثرت به حصى تعود الى عهد تواجدها ... و أنقاض منتشرة هنا و هناك في فضاءات من الأشواك البرية الشائكة ووحدها الأعشاب التي تتحمل حرارة الصيف التي بإمكانها المقاومة ... وفي هذا المكان تتواجد هذه الأشواك بمختلف القياسات و الأحجام و الألوان بما في ذلك الزواحف,, و الكثير من الأزهار التي جففتها أشعة الشمس .

و قوس قزح الذي مازال ماثلا و مفتوحا على أفق حارق ,و أعمدة ضخمة مكللة بها رؤسها و أخرى متداعية وحشد من الأعمدة أيضا صاعد الى عنان السماء كأنه غاضب في ثورة لا طائل من ورائها و ضد الموت الذي , لا مفر منه ...ومدرجات في تدرجها تم كنسها حديثا ومنبر صامت و مسارات مهجورة هو موقع بات يشبه الهيكل العظمي بعد أن كان كله مجدا و إنتصارات لقياصرة تقهقروا مع مرور الزمن نظير ما تحويه هذه الأرض الإفريقية من غيرة و التي تلتهم ببطء كل الحضارات الأجنبية المعادية لروح المكان ؟إ.

 

بدءا من إشراقة الفجر و الى أبعد من جبل الأوراس المتوهج بقزحيته.... يسمينة تخرج من كوخها المتواضع و تسير ببطء عبر السهول و هي تدفع بقطيعها من الخراف و النعاج و المعز الهزيلين صوب حلق الواد البعيد عن الدوار بما فيه الكفاية . وحيث يتجمع عدد قليل من رعاة القبيلة و بعدها يسمينة تنزوي في مكان مفضلة عدم الإختلاط بالأطفال ... و تمضي معظم أيامها في صمت بعيدا عن أي شيء من شأنه يقلق أو يثير تفكيرها أو أثغاث أحلام يتعذر عليها تحديدها ...قد تكون غير قابلة للترجمة لأي لغة من اللغات الإنسانية .... 
وفي بعض الأحيان و توسلا للمتعة . تقوم بقطف بعض الزهور الغريبة من عمق الواد الجاف و بمنأى عن الشمس ... و تارة تغني أغاني عربية ... ووالد ياسمينة الحاج سلمان المسن و أمها حبيبة لم تعد في ريعان شبابها بل هي الأخرى صارت عجوزا مثل المومياء بعد أن قدمت الكثير من الاعمال للكوخ و للحقل الشعير الصغير .
و يسمينة لها إثنان من الأخوة الكبار التحقا بالعمل في صفوف السبايسية و تم إرسالهما الى الصحراء بعيدا ....و أختها الأكبرمنها فاظمة تزوجت بدوار أولاد (مريم) و لم يبق في الكوخ الا أخوتها الصغار و أكبرهم لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره .. و بالتالي اشراقة الفجر في شفق حزين يسمينة الصغيرة مازالت ترى مرور ربيع مشابه لما هو في ذاكرتها .... و ذات مساء ومع بدء حلول فصل الصيف عادت يسمينة صاعدة هضبة (تمقاد ) ... بقطيعها مع آخر إشعاع للشمس .. و حينها يسمينة كانت تغني أغنية صحراوية مضمونها كلمات تعزي بها نفسها عن غياب أخيها سليمان الذي لم تره منذ سنة و الذي تحبه كثيرا ( يا القسمطينية / واش جابك هنا / أنت الي مكيش من بلادي / يا الي معيشتك مهيش في الرملة تعميك / يا القسمطينية جيت ومني أخذيت قلبي / و لوطنك أديتيه /حلفت ترجعي / وبإسم العالي / وقتاش ترجعي للنخلة / وقتاش ترجعي للواد / واذا ملقيتنيش في البيت البكاية / فتشي عني في دار الدايمة .

 

و تدريجيا تعلو الأغنية الحزينة الفضاءات الغير محدودة و ببطء أشعة الشمس تتلاشى في ربوع السهل ....وحينها كانت روح يسمينة البسيطة ساكنة ... نعم كانت روحها هادئة و عذبة و تشبه برك الغدير التي تتركها أمطار الربيع في المراعي الإفريقية و الذي لا يعكسه أي شيء ماعدا زرقة السماء اللامتناهية بدون ضباب ..

و عند دخولها أخبرتها أمها بأنها ستتزوج بمحمد لعور ـ القهواجي ـ من باتنة و حينها يسمينة بكت لأن محمد ( أعور ) و سيء الأخلاق ... و لم تتحمل صدمة المفاجأة الغير المتوقعة لهذا الزواج ... ثم هدأت من روعها و ابتسمت مستسلمة الى ما يعرف بالمكتوب و تمضي الأيام و يسمينة صارت لا تتردد على الرعي و صارت تكر س جل وقتها في اعداد لباس الزفاف ...و لا أحد فكر في معرفة إنطباعها ازاء هذا الزواج ان كانت سعيدة به او لا ... و الذي حدث أنهم زوجوها ( بالأعور) و لا فرق بينه و بين أي مسلم آخر و هو ما هو معمول به أنه لا مكان للرضاء أو إعتبارات أخرى ....

و أيضا يسمينة سيكون مصيرها أفضل من رفيقاتها في القبيلة التي سوف تغادرها فهي على الأقل سوف تسكن في المدينة و تصبح مثل الحضريات من اللائي تتوفرن لهن الرعاية و العلاج و التربية الراقية للاولاد .

ومع ذلك يبقى إرتياحها منقوصا ... لأن الأطفال الرعاة صاروا يعيرونها ب ـ امرأة لعور ـ و تجنبا لهذه الاهانات صارت لا تذهب برفقة النساء لجلب الماء من الواد عند مغيب الشمس ... و ما تجدر الإشارة اليه وجود نافورة في ساحة البرج لكن الحارس الرومي يمنع السكان الأصليين من التقرب منها لجلب الماء العذب و الصافي ,, و مسموح للسكان بالتزود من ماء الواد المالح فقط و الذي تنجر عنه الكثير من الأمراض الحمى الخبيثة من جراء دوسه من كل البهائم صباحا و مساءا وتبولهم عليه و ذات يوم إتصل الأعور بوالد يسمينة و أخبره بانه ليس جاهزا لإقامة العرس قبل نهاية الخريف فقد تعذر عليه توفير المال المطلوب لدفع الصداق و تغطية مصاريف العرس و في هذا الحيز الزمني يسمينة أكملت ما يتطلبه الزفاف من إستعدادات و صارت جاهزة و من جهته احمد إستخلف أخته في رعي الغنم و لكن ما سلف ذكره لم يدم طويلا بسبب مرضه فعادت يسمينة ثانية الى الرعي ....

وسارت في ركاب أحلامها الغامضة بعذريتها البدائية حيث لم يغير قرب زفافها أي شيء في حياتها فيما يتعلق بالأمال و الطموحات و في كلمة واحدة فهي تبدو مثل فاقد الوعي ...

و فجأة يطرأ طارئ في حياتها وهو ظهور شاب فرنسي تم انتدابه الى المكاتب العربية حيث إنتقل حديثا من فرنسا الى باتنة بناءا على طلبه بسبب قرفه من العيش في الثكنات العسكرية في مدينة ـ سان كير الفرنسية ـ و هو الذي كانت روحه مشدود ة الى خوض المغامرات الحالمة ...و سريعا صار هذا الشاب الفرنسي في مدينة باتنة صيادا ...يقطع المسافات الطويلة في البراري الجزائرية التي سحرته طبيعتها و بجمالها الفريد من نوعه ... فقد كان في أيام عطله و من كل يوم أحد يفضل أن يكون وحيدا عند بزوغ كل فجر في الممرات الجبلية الوعرة .

 

و في يوم غمرته أشعة الشمس حيث كان يدفع بحصانه في واد موحش و حيث أيضا كانت يسمينة ترعى بقطيعها ... حينها كانت جالسة على صخرة ومتظللة بأخرى تحيط بها أشجار العرعار وحينها أيضا كانت تداعب أغصان الأشجار بأناملها و وحنجرتها تصدع بأغنية بدوية مضمونها مزيج يجمع بين الفرح و القرح .. و الضابط الفرنسي من جهته شده لحن يسمينه و تماهى معه و لم يتأخر في اقتفاء أثره عبر الواد الى أن وصل الى مصدره و هو الذي لا يجيد ولا كلمة باللغة العربية .
ـ آ لا يوجد ماءا بهذا المكان ....؟إ 
يسمينة لا ترد و تفضل مغادرة مكانها ؟إ .
ـ لماذا خفت مني ... أنا لا أريد الحاق بك أي ضرر ... ان لقاءنا هذا من باب الاستئناس فقط .
لكن يسمينة هربت من عدو أبناء وطنها ؟إ و الضابط بقي يتابعها بنظره ... لقد بدت له رقيقة القوام متوارية في خرق زرقاء بوجهها الأسمر اللون و المنبعث منه عينين كبيرتين و سودويتين من العرق البربري و بمحياها المنطوي على الحزن كله غرابة في أحاسيسه التي تنم عن الطفولة بشفتيها السميكتين قليلا .. و أذنين رشيقتين يزينهما حلقان فيزيدانها سحرا لوجهها الجميل و على جبينها وشم ثلاثي بربري أزرق اللون وهو رمز الذي ليس له أي تفسير عند هؤلاء السكان الأصليين من الذين لم يكونوا أبدا مسحيين .. وجاء الاسلام ليغمرهم بالإيمان ..ورأسها مغطى بقناع صوفي ثقيل أسود اللون و ملفوف بفولارة حمراء اللون على شكل عمامة و مشبعة بالسحر الصوفي حيث صعب على الضابط الفرنسي جاك تفسيره و الإطلاع على خفياه .

 

بقي جاك متسمرا في مكانه حيث كانت جالسة يسمينة و هو في حالة تفكير و تدبر إزاء حياة هؤلاء البدو ... و إفريقيا هذه التي جاءها عن طواعية بدت له مثل العالم الغارق في الخيال المجهول في عمقه و الشعب العربي بكل تمظهراته الخاريجية و طباعه كان له الأثر البليغ برعايته في الوقت المناسب حيث لم تصدر أية معادة بين ما هو عربي و مسلم وحينها فهم أن هذا العمق هو مجرد تبليغ رسالة و فقط ...و هو على هذا الحال من صدمة المكان المبهج و بين وصوله وما قد ينجر عنه عند المغادرة ؟إ .

جاك الذي ينحدر من عائلة من طبقة النبلاء ( لأردن ) ...في وسط كله تقشف و المتمثل في معهد ديني ... قضى سنوات عديدة في ( سان كير ) و بروح أيضا ك متحفظة و منغلقة و لم تنفتح بعد على الحداثة الرامية على حد إعتقاده الى التداعي الأخلاقي . ومع ذلك يحاول التخلي عن كل هذه الانطباعات التي تطغى عليه و هو بالفعل لا يعرف عن الجزائر و في الجزائر سوى الملحمة الرائعة و الدفاع البطولي و الذي لا أحد توقف عن نشرها خلال ثلاثين سنة ... وإزاء هذه الصدمة دائما أنه يحاول تحليل ما يتملكه من مشاعر و تصنيفها بطريقة أو أخرى فكريا .

و ذات يوم أحد و عندما وجد نفسه عبر مسار( تمقاد)... كان يكتنفه شعورا واضحا لرؤية البدوية الصغيرة التي مازالت محتفظة بطهرها و نقائها و من جهته سوف يبقى وفيا لضميره و لن يخونه في تعامله معها ... و لم يخف اعتراف التعلق بها و قد إشترى لها بعض الحلويات وفي مخياله أنه يبقى في تواصل معها ....مستغربا أمر أسرها له و هو الذي قضى اسبوعه الفارط يفكير فيها ....

 

لقد شد الرحال اليها عبر طريق جميلة ( لومنباز ) حيث سرع من مشي حصانه للقائها بفارغ من الصبر و بقلب يخرج من عالم المراهقة ....حيدا و بعيدا عن الوطن و بعقل مازال محتفظا بعذريته لم يشوهه فجور باريس إنه الفراغ الذي يدفعه الى المجهول المثير للقلق و الذي بدا يتمظهر في مغامرة مع هذه البدوية و أخيرا إندفع في حلق الواد الضيق و العميق و من هناك لمح قطيعا من المعز و الغنم و بين الفينة و الأخرى كان ينتظر ظهور يسمينة 
ـ ما إسمها ؟ كم عمرها ؟ هل ستكلمني هذه المرة ؟ أم ستفر من وجهي مثل المرة السابقة ؟ 
كان جاك يطرح على نفسه الكثير من الأسئلة المقلقة ....و الى جانب ذلك فهي لا تجيد اللغة الفرنسية و هو أيضا لا يجيد العربية ؟... ثم في الجهة العارية من الواد لمح يسمينة مستلقية على بطنها بين خرافها و واضعة رأسها بين يديها و ما أن رأته لم تتأخر في القيام من مكانها بطريقة عدائية من جديد وتبعا لما تعودت عليه من خشونة و إبدائه للعمال الفرنسيين التابعين للفنون الجميلة و الذين يشتغلون في الموقع الأثري و حقدها و كرهها لكل ما هو مسيحي ؟إ 
لكن جاك كان يتودد بابتسامته محاولا إقناعها بأنه لا يريد بها شرا ... ثم هو يراها صغيرة وجميلة بلباسها الأبيض و بالقرب منها ( قربة) ماء تتدلى من ثلاثة أعمدة منتصبة .. حينها جاك أشار بأصبعه الى ( قربة الماء) بأنه يريد إطفاء ضمأه و بعد أن شرب سلم لها كمشة من قطع الحلوى ... و يسمينة بدورها و بدون ان تمدد يدها و هي في حالة خجل و بنصف ابتسامة و بعد ان نهضت من مكانها و لأول مرة تحدق في عيني الرومي 
ـ واش هوا (ماذا هذا ؟إ)
ـ حلوى قال ذلك متجاهلا بضحكته و كان سعيدا بذوبان الجليد الذي كان يفصلهما و عندما إنتهت يسمينة من مضغ حبة الحلوى قالت له بجفاء ... 
ـ مرسي ( شكرا ) 
ـ لا لا خذي كل الحلوى .. 
ـ مرسي ... مرسي ... مرسي مسيو 
ـ ما إسمك 
و لكنها لم تفهمه و بعد أن تلى عليها قائمة طويلة من أسماء العربيات التي يعرفها ابتسمت وردت بقولها 
ـ سمينة ( يسمينة) 
وعندما أراد الجلوس بالقرب منها لموصلة الحديث ,,, تخوفت منه وهربت .... و كل الأسابيع و تحديدا حينما يقترب يوم الأحد جاك كان يشعر بأنه .. يقوم بأعمال خاطئة ومن واجبه ترك هذه المخلوقة البريئة في سلام و لا يجعلها تعاني بسببه ومع ذلك فهو لا يمتلك قرار نفسه لمنعها من التوجه الى تمقاد ؟ ومع مرور الأيام لم تعد يسمينة خائفة من الضابط جاك بل صارت تجالسه باستمرار محاولة شرح له بعض الأشياء باذلة في ذلك جهدا مضنيا و مع ذلك لا تسطيع إصالها له و عندما يعجز جاك على فهمها تطلق يسمينة العنان لضحكها المبحوح الذي يجبرها على عكس رأسها الى الوراء فتنكشف أسنانها البيضاء التي أعطت لجاك الإحساس بالرغبة و متعة لانظير لها ...

 

 

و تجاوزا لعدم الفهم ... قرر جاك تعلم اللغة الدارجة الجزائرية .. بحماس و هو ما أثار ضحك أصدقاءه الذي لا يخلو من السخرية : يجب عليه مقاطعتها ؟إ
ولكن جاك أحب يسمينة بجنون إنه الحب الأولي له و هو الحساس و الحالم على الدوام و أيضا حبه ليسمينة أخذ شكل الحنان النابع من الروح ... و ما أحبه أيضا في يسمينة هو روحها البدوية لقد سكنت خياله الذي يشبه الواقع تقريبا المتمثل في ابتسامتها و إشعاعات نظراتها المنبعثة من عينيها الحزينتين و استماعه لأغانيها التي كلها نشاز في تسلسلها و أوازنها في بعض الأحيان ...
ـ من المستحيل ..... قالت ذلك و في صوتها نبرة حزن : أنت رومي ... أنت كافر ... و أنا مسلمة ... و كما تعرف أنه حرام عندنا مسلمة تتزوج بمسيحي ... أو بيهودي ؟إ ومع ذلك فأنت جميل و طيب ؟إ
ـ أحبك 
و ذات يوم و بكل سذاجة أخذته من ذراه وبعد أن نظرت فيه بحنو قالت له : أعتنق الديانة الإسلامية ... الأمر في غاية السهولة إرفع يدك اليمنى هكذا و ردد معي : لا الاه الا الله محمدا رسول الله ... و ببطء و نزولا عند رغبتها ... راح جاك يردد ما طلبت منه .. لكن يسمينة لا تعرف أنه يمكن ترديد الشهادتين و بدون الإعتقاد بهما ...و كان كل ظنها أنه بمجرد أن ينطق الرومي بشهادتين يصير مؤمنا و معتنقا للإسلام و جاك من جهته يجهل تماما كل هذه الأفكار البدائية من شعب أمي لا يعرف ماذا يفعل حسب فهمه .

 

و ذات يوم وتلقائيا ..يسمينة منحته قبلة مطبوعة بالسعادة .. تركت في جاك أثرها البالغ بل جعلت كيانه ينقلب رأسا عن عقب .... حاليا و تبعا لما توفر له من ساعات مارس فيها حريته المطلقة ثم عاد مستعجلا على فرسه الى تمقاد و بالنسبة ليسمينة فإن جاك لم يعد رومي ولا كافرا لأنه شهد بوحدانية الله و أن محمدا رسوله .... فقد كانت لديهما لحظة الفناء لا توصف ثم استيقظا بروح مستنيرة بضؤ جديد كانه منبعث من الظلام و الآن يمكن لجاك أن يقول ليسمينة كل الأشياء اللذيذة التي ملأت روحه و تعلمه للغة العربية كان مطردا ... و في بعض الأحيان يترجاها لكي تغني له و هو نائم بالقرب منها متوسدا ساقيها و عيناه مغلقتين ليسيح في في أحلامه الغامضة و العذبة ....

 

وفي المدة الأخيرة بدأت تخطر على باله فكرة فريدة من نوعها ...و حتى و إن كانت هذه الفكرة من بنات أفكار الطفولة و غير قابلة للتجسيد ومع ذلك فيها الكثير من المتعة ...فهو يفكر بجد في الإستقالة من هذه الحياة و يعلم أسرته في فرنسا بأنه لن يعود نهائيا و يبقى في الجزائر بجانب يسمينة ...و أيضا يستقيل من وظيفته و يغير لباسه ليصير مرتديا للبرنوس و العمامة توسلا لكسب وجوده في قصر من قصور الجنوب المشوب بالطء و الغفلة ... و عندما كان جاك بعيدا عن يسمينة بدأت تتضح له الكثير من الأمور بما فيها تحليلاته و انطباعاته و كان دائما يبتسم أمام ضبابيتها المشحونة بالحزن ...في حين و عندما يكون أمامها يتماهى معها بطريقة سهلة للاستمتاع بما يختلج في لواعج صدره فيحتضنها و يحدق في عينيها و يردد هذه الكلمات بالعربية :
ـ عزيزة عزيزة عزيزة 
ويسمينة لم تنتظر أبدا أن يكون جاك هو آخر حبها ؟إ ...وهي تعرف أن الكثير من بنات قريتها يخفين حبهن عن أسرهن بعناية ومع ذلك كل هذه المحاولات في الحب تنتهي الى الزواج ؟إ.....و اذن هي تعيش و سعيدة بدون تفكير و بدون أية رغبة التي تجلب لها السعادة الأبدية ؟إ....

 

أما بالنسبة لجاك فهو يرى بوضوح أن حبه ليسمينة لا يستمر و الى ما لا نهاية ... ففي تصوره يستحيل الزواج من شخص له عائلة هناك مع بدوية صغيرة التي يستحيل عليها التفكير في الإنتقال الى وسط آخر بعيدا و غريبا عنها ؟إ وهي التي أخبرته بأنها ستتزوج ( بقهواجي) في المدينة في نهاية فصل الخريف .

 

ـ ولكن الوقت مازال مبكرا عن نهاية فصل الخريف ...
ـ عندما يقدمون على تزويجي من ( الأعور) ... حينها قم بإخفائي في مكان في الجبل ...بعيدا عن المدينة حتى لا يتسن لهم العثور علي نهائيا ,,,أفضل السكن في الجبل ...حيث الأشجار الضخمة و التي يفوق عمرها عمر أي مسن ...و حيث الماء الصافي و المنعش و الدائم الجريان و الظلال و أيضا في الجبل طيور ريشها أحمر و أخضر و أصفر و التي على الدوام تصدح و أريد أسمع تغريداتها ..و النوم تحت ظلال الأشجار ,, و شرب مياه الينابيع المنعش ,,و بعد أن تخفيني في الجبل تأتي كل يوم لتراني .. و سأتعلم الغناء من الطيور لكي أغني لك كل ما حفظته منها ...و بعد ها أقوم بتحفيظ إسمك للطيور ...لكي يرددونه عندما تكون غائبا ...
و في بعض الأحيان كانت يسمينه تحدثه و هي تحبلق فيه بنظراتها الغريبة و التي تنطوي على الجد ؟إ...

 

 

ـ و لكن قل لي : طيور الجبل كلهم مسلمون و لا يغنون باسمك الرومي ...فهم لا ينطقون الا بالأسماء الاسلامية ...و أنا يجب علي أن اعطيك إسما حتى يتسنى لهم حفظه ...سوف أسميك ب ( مبروك) .. الذي سيجلب لنا الحظ و السعادة ؟إ 
و بالنسبة لجاك صارت له اللغة العربية مثل الموسيقى لأنها لسان حال يسمينة لقد كانت تحدثه و كأنها في حالة هذيان و من جهته جاك لم يعد يفكر في أي شيء بل كان سعيدا و فقط ...

 

 

وذات يوم علم جاك أنه تم تعينه في الجنوب الوهراني ... و حينها إختلطت عليه الأمور فقد كان يقرأ نص برقية التعيين و يعيد قراءته و الذي يعتبره ظلما لأنه سيحرمه من يسمينة ...و بعدها يتزوجها القهواجي ( الأعور) و لن يراها بعد ذلك ... و خلال أيام و أيام قضاها كلها في إحباط و يأس .. و كان كل أمله أنه يهتدي الى وسيلة تؤهله على عدم المغادرة ....مثل القيام بعملية التبادل مع صديق إلا ان كل جهوده بأت بالفشل . 
و كم حاول جاك إخفاء عليها ما طرأ عليه من أزمات و عدم الظهور أمامها بملامح الضعيف ومع ذلك اجتاحته حمى و مرض على أثرها ...و في اللحظات و في الحيز الزمني الذي كان يعاني فيه خيبته فقد خطر بباله أن يتخذ قرارا حاسما و متطرفا : و هو القيام بتهريب يسمينة و الزواج بها ...و يصير بذلك مبروك الذي حلمت به ... لكن في آخر لحظة يأتي من يكبحه ؟إ ...: فهناك في( اردون ) أب مسن و أم غزى شعرها الشيب و سيموتان حزنا على ابنهما ـ الضابط الجميل جاك ـ مثل ما ينادونه في بلاده ومثل هذه التجوسات شغلت باله طيلة الليل .... ؟إ .

 

 

و يسمينة من جهتها لاحظت الكثير من الحزن و القلق المتزايد على ( مبروكها) ...و مع ذلك لم يكشف لها حقيقة حزنه بل قال لها فقط أن أمه مريضة ( في فرنسا) و يسمينة تجتهد في تهدئته و إقناعه بأنه لا مفر من ما يقدره الله لنا ...
ـ مبروك : كلنا بين يدي الله ...و كلنا نموت للعودة اليه ... لا تبكي يا مبروك هذا مكتوب ... 
ــ نعم ـ معتقدا بمرارة ـ كلنا و من يوم لآخر سننفصل عن كل ما هو عزيز علينا ـ ثم واصل الحديث بينه و بيم نفسه ـ و من يكون هذا المصير و هذا المكتوب ... الذي تحدثني عنه ؟ هل فعلا سننفصل و نحن على قيد الحياة و الى الابد ؟إ

 

و أخيرا و بعد أن ثبت أمر تحويله قرر جاك التوجه الى تيمقاد و هو مثقل بأعباء الحزن و القلق لإخبار يسمينة بالحقيقة و أنه سيجتهد في إقناعها بأن رحيلة لن يكون بمثابة إنفصال نهائي .. لقد أخبرها بأنه لن يغيب عنها طويلا و أن رحلته هي مجرد غياب في مهمة لا تستغرق ثلاثة أو أربعة أشهر وحينها كان ينتظر منها إنفجارا كله يأس و تمزق ...و على الرغم من أنها كانت واقفة أمامه و لكنها لم تكن مهتمة به ...بل كانت تنظر في وجهه فقط و كأنها تريد قراءة ما يدور بخلده من أفكار بنظرات بكماء ...إنه يتفهم حالتها و هو ما يؤرقه كثيرا يا إلاهي إنها تعتقد بانني تخليت عنها و عن طواعية وكم حاول شرح لها وضعه و أنه لا يمتلك قرار نفسه لكن بالنسبة ليسمينة أن أي ضابط فرنسي فهو من علية الناس و يستطيع فعل ما يريد

و تبقى يسمينة محدقة في عيني جاك و تظل محتفظة بصمتها لكن جاك لا يستطيع تحمل سهام نظراتها و يبادر الى احتضانها 

 

ـ اه عزيزة عزيزة أنت غاضبة مني آلا تريني ,,, إن قلبي مجروح و أنني أرغب في البقاء معك عوض الرحيل لكن ... يسمينة قابلت استعطافه بعينين عابستين 
ـ أنت تكذب أنت تكذب أنت لا تحب يسمينة و أنت تكذب عندما تعدني بعودتك قريبا لا أنت لن تعود ابدا ابدا ابدا .....؟إ 
لقد كررت يسمينة هذه الكلمات بصفة رسمية و تلقاها جاك بمثابة صدمة عنيفة :
ـ أبدا أبدا أبدا ـ انها تعني الموت بالنسبة له بل الموت النهائي ...
ـ نعم أنت مغادر ...و ستتزوج برومية هناك في فرنسا 
و فجأة لهب مظلم ينبعث في عيني سمية ثم أزاحت ذراعي جاك اللذين كان يحتضنانها بعنف و بصقت على الأرض و بإزدراء وبحركة كلها سخط إزاء موقف جاك معها ... 
ـ كلاب و أبناء كلاب أبناء الرومية ؟إ 
ـ أوه ياسمينة كم أنت ظلمة أقسم لك أنني ترجيت كل أصدقائي لكي يستخلفونني في هذه المهمة و لكنهم لم يستجبوا لي 
ـ أنت ترى بأن أمر الضابط لا يستجاب له ..؟إ. 
ـ لكن أنا من ترجيت أصدقائي لكي يذهب أي واحد بدلي و هم لا يخضعون الى أوامري و لكن أنا أخضع لأوامر الجنرال من وزارة الحرب .... 
و لكن يسمينة ظلت على موقفها مستولية عليها الشكوك و الذي كله عداء و إنغلاق وجاك من جهته لم يكن ينتظر كل هذا الإنفجار من يسمينة و هو في طريقه إليها و ظل الأثنان في صمت ...و تفصلهما هوة الأشياء الإستبدادية الأروبية المهمنة عليه و على حياته و التي لا يمكن ليسمينة فهمها أبدا ... أخيرا و بقلب يطفح بالمرارة جاك بكى و سجد برأسه أمام رجلي يسمينة و عندما رأته على هذا الحال المزري تأكدت أنه كان ولا يزال صادقا معها ... ضمت رأسه الى صدرها و بكت معه طويلا . 

 

يتبع الحلقة 52...

 

 

شوهد المقال 1432 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats