الرئيسية | الوطن الثقافي | جداريات رمضانية (8)

جداريات رمضانية (8)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك

 

 
 مع توالي الأزمنة تتغير كثير من صور الأمس ليس على مستوى الذاكرة الإنسانية بل على صعيد الواقع في حد ذاته، بحيث تلبس الحياة صورا جديدا لم تكن قائمة من ذي قبل. قد يكون ذلك اسمه التطور أو التقدم وربما مسايرة للمتحرك الكوني والعالمي دون أدنى انتباه من المجتمع أو الإنسان، وما يحدث في العالم يؤثر على المجتمعات أين كانت حتى لو ظنت أنها بمعزل وبعيدة أو أنها قوية من حيث بنيانها التقاليدي أو قيمها المتوارثة.
وإذا كان رمضان فكرة دينية ومرتبطة بالعبادات والقيم الروحانية الإسلامية إلا أن طقوسه ومظاهره الخارجية تتعلق بالمكان والزمان، وحضوره في كل عام هو الشكل الذي يفرضه تحول الزمن وتبدل المكان، فالثقافة والمجتمع في حيز تقلبه والسياسة كل ذلك يلعب دوره في تشكيل أو إعادة رسم المظاهر المختلفة للحياة بما في ذلك الطقوس الدينية والعبادات، خاصة أن رمضان بالذات بات ولحد ما ظاهرة اقتصادية وثقافية في المجتمعات أكثر من كونه مرموزا دينيا بحتا، بحيث أصبح صعبا فرز المساحة الفاصلة بين الديني والدنيوي، كما يقال. 
فإذا كانت الناس في المتخيل الفكري والمنهج التربوي، تربط شهر رمضان بصناعة النفس وإعادة إنتاجها وتصفيتها ونقائها فإن هذا المعنى بات وبفعل تقدم الزمن ودخول التكنولوجيا يتحقق عبر معان جديدة لم تكن في الماضي، كأن تدخل وسائط الإعلام والفضائيات والمنابر المختلفة لتقدم دروسها وعبرها وغيرها من أشكال شحذ الوعي بغض النظر عن حجم الرسالة المقدمة ومضمونها ومدى صلاحيتها، ومرات إذا تأملنا المشهد جيدا سنجد أن الرسالة ما زالت قديمة ومكررة ولم تواكب ما تغير في محيط العالم الخارجي، في حين أن الوسائل أو الوسائط التي تؤدي ذلك باتت أكثر تقدما، وهي مفارقة بين أشكال الحداثة الشكلية التي تميز مجتمعاتنا وضعف الخطاب بل وركاكته في أغلب الأحيان بحيث يتم تجهيل الناس بالمعاد من المرويات التي لا يعاد تصويرها ولا تدويرها ذهنيا لتتقاطع مع حاجيات عصر جديد وأسئلة مستجدة على كافة الأصعدة.
إن حضور الطقوس الثقافية والشعبية المتوارثة في شهر رمضان من شعب لآخر ومن دولة لأخرى يكشف عن رغبة في إعطاء الطقس الديني بعدا رائعا يتعلق بالإنسان وخصوصيته ورموزه التاريخية وأحلامه وفضاءات كينونته في هذا الوجود، وتقوم هذه الطقوس بتوظيف المخيلة الجمعية وصورها والأشكال المتباينة لأنماط الوعي الإنساني للحياة، وحتى لو وجدت ظاهرة أو طقس معين مشترك بين الشعوب فإنه يأخذ في كل بلد طابعه الخاص، فمثلا المسحراتي موجود في أغلب الدول العربية لكنه يتخذ مشهدا مختلفا في الأدائية والتصوير والقيمة والشعرية من بلد لآخر ما يعني التعايش مع الذات وسردياتها حول الكون والحياة من خلال المعاني الدينية والظروف الحياتية المباشرة.
وليس المسحراتي وحده فثمة ما لا حصر له من الطقوس والمشاهد المتشابهة التي تأخذ أشكالا متباينة بحسب الظرف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في حين تبقى المشاعر الوجدانية هي نفسها تقريبا، إذا جاز لنا أن ننظر إلى الوجدان الإنساني بوصفه قيمة مشتركة لا يمكن تجزئتها. فالوجدان هو الإحساس الغامض الذي نرى به الأشياء دون الحاجة إلى العينين، هو تلك القدرة الإنسانية على سبر الأغوار المنسية في المشاعر والذوات بحيث يتاح ترجمتها فيما بعد إلى مرئيات ومحسوسات قائمة على المنظور الأولى الذي شكله القلب أو الضمير بقدرته على النفاذ إلى الماوراء والمخفي.
في السودان ونحن نستعيد صور الأمس فالصورة هي في حد ذاتها تختلف من مدينة لأخرى ومن بلدة لأخرى فليس كل الصور نفسها، كما أن لكل إنسان ما يسطره في ذاكرته ووجدانه ما يجعل الإحساس ليس واحدا في كل الأحوال، وهذا هو سحر الذوات البشرية التي لها القدرة على إبداع التنوع والتجدد في كل شيء بحيث يذوب الجمود وتدخل الحياة في مساحات أخرى من التواجد والتباين الثري. كما أن صور ما قبل عشر سنوات ليست هي صور اليوم حتما، وفي حياة كل منا يمكن أن يشهد هذا التغيير الذي يتم وفقا للظروف المختلفة التي تمر بها التجربة المجتمعية والإنسانية.
في وجدان كبار السن وصورهم إذن ما يختلف تماما عن الصغار اليوم، رغم أن ثمة مشاعر قد تبدو متشابهة، لكنه تشابه شكلي في اللافتات العريضة وليس في جوهر الأشياء، ولهذا فإن أشواق بعض الناس لاسيما الكبار للماضي يشكل في كثير من الأحيان الرغبة في رؤية الصور "المتفردة" لما عاشوه بظن الإنسان أن زمانه دائما هو الأجمل والأزكى، خاصة أزمنة الطفولة، التي تعني لكثير من الناس الواحة التي يستظلون بها ويغرفون منها الحيوية لباقي حياتهم وكلما أظلم الزمان عادوا إليها ليتخذوا منها المأوى والتجسيد للمعاني المفقودة في اللحظات الراهنة من واقعهم المعاش. 
وبالنسبة لي شخصيا فإن الطقوس الدينية الحية تتعلق برمضان وبالأيام الأولى من شهر ربيع الأول حيث يكون الاحتفال بذكرى ميلاد الرسول الأكرم، وهذا عالم آخر له حيويته في السودان خاصة في ذاكرة الأطفال، لأن كثيرا من خصائص المولد النبوي يتعلق بإكرام الصغار وربما هي إشارات غير مباشرة لتحفيزهم بحب النبي بأشكال غير مباشرة في المُعطى، هذا الإكرام الذي يكون بالإغداق عليهم، سواء بالمال والحلوى والألعاب في ساحات الاحتفالات، لكن هذه الطقوس هي الأخرى بدأت وبفعل الظروف الاقتصادية وتبدلات الأزمنة تتغير وتدخل في ما يجعلها تفقد ما كانت عليه من الحركية، وطبعا هناك الأعياد الدينية ولكنها أقصر زمنا، ليبقى رمضان هو المدة الأطول ذات التنوع والثراء في القيمة والعطائية والابتكار والفنون في الروحانيات والترفيه والتثقيف وغيرها من المشاهد المتعلقة بهذا الشهر. 
اليوم ثمة حياة بات فيها الزمن عاملا مركزيا يحرك الأشياء ويقيّدها بحيث يقرّب الإنسان من المعنى أو يبعده، ووسط هذا التهافت اليومي فإن رمضان نفسه بات ينأى عن قيم مركزية حافظ عليها لعقود طويلة، في حين تبقى حقيقة المركز في ذاتها أمرا ملغزا ليس بإمكاننا أن نفهم أين هو بالضبط؟ ويبقى للإنسان أن يتأمل ويتدبر وينظر فما وراء المعاني والأشياء بهدف أن يرى صورة ثانية ومتجددة للحياة، هذا الشيء الذي يتحقق وبوسائل ليست محدودة. فالغالب أن رحلة المرء في ظل هذه الطقوس وما تشير إليه من ابتكارات وتقاليد وقيم، يتعلق بالبحث عن الذات، أي الأنا في سرها الغامض والمتماهي مع العالم في أبهى صوره حتى لو تكن تلك الهيئة واضحة وجلية في أغلب برزوها، وتتطلب الصبر والأناة والتدقيق العميق بالمعرفة.
 
emadblake@gmail.com
 

 

شوهد المقال 1650 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats