الرئيسية | الوطن الثقافي | وليد عبد الحي - الأدبيات الإسلامية في التعامل مع الآخر

وليد عبد الحي - الأدبيات الإسلامية في التعامل مع الآخر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


أ.ذ. وليد عبد الحي
 

 

 

يمثل كتاب صالح زهر الدين : الحركات والأحزاب الإسلامية وفهم الآخر الصادر في بيروت عام 2012 دراسة في التوجهات السياسية للحركات الإسلامية في ثماني دول عربية، وهي ترصد مواقف هذه الحركات المختارة من قضايا مختلفة اجتماعية وسياسية واقتصادية، لكن التركيز-طبقا للعنوان- يتم بشكل رئيسي على موقف هذه الحركات من الآخر سواء أكان الآخر ذلك الذي يختلف مع الحركة من داخل التيارات الإسلامية أو كان الآخر المختلف معها في انتمائة الديني . 
يقع متن الدراسة في حوالي 631 صفحة(من صفحة 7-صفحة 638)،وتضم إلى جانب المقدمة أربعة عشر فصلا، تم تخصيص الفصول الأربعة الأولى لموضوعات تأصيلية(فهم الآخر في فترة الرسول، وفي فترة الخلفاء الراشدين) ثم مناقشة العلاقة بين الدولة والدين من منظورين احدهما سني يتمثل في افكار المودودي وسيد قطب بشكل رئيسي ،وهو منظور الحاكمية ، وآخر شيعي يتمثل في منظور ولاية الفقيه، ثم ينتقل الباحث لتناول أفكار ثمانية من المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث بدءا برفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ووالكوكبي وشكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا لينتهي بعبد العزيز الثعالبي وعبد الحميد بن باديس.
ثم ينتقل الباحث في الفصول العشرة الباقية لتناول الحركات الإسلامية(الكبرى )في كل من مصر ،لبنان، فلسطين،العراق،الجزائر، تونس،السودان ، المغرب( واغفل التيارات الدينية في بقية الدول العربية وبخاصة التيار الوهابي ).
وفي تناوله لهذه الحركات في الدول موضع الدراسة ، ركز الباحث على الموضوعات التالية في كل حركة:
نشوء الحركة، الانشقاقات داخل الحركة، علاقاتها مع النظام السياسي وهي ذات طابع تناقضي وصدامي في اغلب الأحيان،ثم مواقفها من عدد من القضايا مثل: الدستور ، الخلافة، الدولة المدنية، قضايا المرأة، العلمانية، إلى جانب عرض مواقف الحركة من العلاقات الدولية لا سيما مع الغرب، والشيوعية، وإسرائيل، وإيران.
وتركزت مناقشات الباحث في فصوله المتتالية على بعض القضايا التي أولاها أهتماما أكثر على النحو التالي:
المقدمة: تناول مفاهيم الحرية والمساواة والعدل في الإسلام، وناقش مفهوم المعارضة وتعدد الرؤى، منتقدا مفهوم "النهائية" التي تبنتها المذاهب وهو ما افسح المجال للعلاقات العدائية بينها، مع إشارته إلى أن الإسلام لم يقدم لنا مؤسسات تضمن للرأي الآخر الحق في التعبير عن ذاته، وارتبط الفقه بأشخاص بدلا من ارتباطه بمؤسسات.
الفصل الأول: عرض الباحث موقف الرسول من اليهود ومن موضوع الشورى ، مشيرا لتداخل السياسي بالديني في عهده.
الفصل الثاني:وفيه يعرض الباحث لموقف الخلفاء الراشدين من الآخر،موظفا النصوص والوقائع لخدمة فكرته، فيعرض لبعض أقوالهم ولوقائع معينة مثل الموقف من المرتدين واليهود والنصارى والكفار..الخ ، ومع إشارته لعدم التفهم للآخر عند الخلفاء أحيانا، لكنه يرى أن عثمان هو الاقل تفهما للآخر. في الفصل الثالث: بتناول مواجهة المسلمين لمشكلة الحكم بعد وفاة الرسول،مشيرا لانحياز الفقهاء غالبا مع السلطة، ويناقش فكرة المودودي وسيد قطب في قضية الحاكمية، ثم موضوع ولاية الفقيه بخاصة في فكر الخوميني(مع إشارات للنراقي والنائيني ومن رافضيها مثل شريعتمداري)، ويستعرض الخلافات داخل التيارات الإسلامية حول المسألتين، لكن الباحث يبدو متأثرا في توجهاته بفكر محمد شحرور في معالجته للمسألة. في الفصل الرابع:وهو فيما أعتقد اضعف الفصول من حيث مادته العلمية، بخاصة أنه تكرار لما ورد في عشرات الدراسات عن افكار المصلحين الإسلاميين الذين اشرت لهم في مقدمة العرض.( الأفغاني، الكوكبي، رشيد رضا..الخ)،أما الفصول العشر الباقية يتناول فيها كل دولة عربية على حدة، فيبدأ بمصر، مركزا على الإخوان المسلمين ودور حسن البنا ،مشيرا للنقاط التي أوردتها عن الموضوعات لكل حركة( النشوء ، الإنشقاقات، الموقف من قضايا داخلية وخارجية) مع محاولة رصد موقفها من الآخر وميولها نحو ظاهرة العنف، وهو الموضوع الذي افرد له في الموضوع المصري الفصل السادس(حركة الجهاد، والتكفير والهجرة ،مركزا على عبد السلام فرج وكتابه الفريضة الغائبة، إلى جانب دور صالح سرية وغيرهم) ثم ينتقل بنفس المنهجية لدراسة حركات في كل دولة من الدول الباقية، فتشمل دراسته / حركات: أمل وحزب الله(لبنان) ، حزب التحرير والجهادالإسلامي وحماس(فلسطين)،حزب الدعوة والمجلس الأعلى(العراق)،الجبهة الاسلامية للإنقاذ وحمس(الجزائر) ،حركةالنهضة(تونس)،الجبهة الإسلامية القومية(السودان)، والعدل والإحسان( المغرب).ويخلو البحث من خاتمة أو نتائج للدراسة.
قد يتبادر للذهن المنهج المقارن في هذه الدراسة،بل قد ينظر البعض للبحث بأنه وصفي، لكني أرى أن البحث أقرب "للكتب المدرسية"، فهو يعرض مادته بأقل قدر من التحليل(باستثناء الفصول الثلاثة الأولى التي كان فيها أكثر عمقا قياسا للبقية من الفصول)،كما أن الباحث غرق في تفاصيل لا تخدم كثيرا موضوعه المركزي وهو "فهم الآخر"، ويمكنني تقدير نسبة ما خصصه الباحث لهذا الجانب بحوالي 20% فقط من الدراسة، كما أن "فهم الآخر" في البحث جرى تناوله باشكال غير متسقة، حيث تتم المعالجة في كل مرة بشكل مختلف وبموضوعات مختلفة. وكنت أنتظر من الباحث أن يتناول "فهم الآخر" من خلال ادبيات وممارسات هذه الحركات في جوانب مثل: تصنيف الآخر الداخلي ( المواطن غير المسلم والمذاهب الإسلامية الآخرى) والخارجي( الدول الآخرى خارج الدول الإسلامية)، وان يتم ذلك لا من خلال النظرة الفكرية في جزئية منها، بل من خلال الموقف الفكري من العلاقة مع ذلك الآخر في كل المجالات (الحرب والسلم)، التجارة ، التحالف، الحرب، الموقف من الأقليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية، الموقف من التعامل مع المنظمات الدولية والإقليمية،..لكن الباحث غرق في تفاصيل نشوء الحركات وخلافاتها(مع إيلاء الجانب الشخصي اهتماما كبيرا مقابل إهمال الظروف الاجتماعية والاقتصادية في تفسير نزعات العنف والنظرة للآخر وما لهذه الظروف من دور في تشكيل "الخطاب السياسي والفكري" بشكل عام لهذه الحركات)
من جانب آخر، كثيرا ما اقتبس الباحث أقوالا لممثلي هذه الحركات من مراجع غيرهم،وعند النظر في هذه المراجع نجد أن هذه الأقوال مأخوذة من كتب الإسلاميين التي استخدمها الباحث في مواضع أخرى من بحثه، كما أنه كثيرا ما إتكأ على آراء خصومهم لتقييمهم، وهو أمر يشترط عرض ردود هذه الحركات على الأنتقادات(وقد شكلت هذه المسألة ظاهرة واضحة في هذه الدراسة)
من جانب آخر، فإن البحث منشور عام 2012(الطبعة الأولى)، لكن أكثر من 95% من مادته تنتهي قبل حوالي عشر سنوات،وهو أمر يدل على أن البحث معد من فترة طويلة،مما يفقده كثيرا من أهميته.
أعتقد أن اضعف جوانب هذه الدراسة تظهر في موضوعها الرئيسي وهو العلاقة مع الآخر وفهمه، سواء من حيث ما خصص له، أو من حيث مستوى التحليل، أو من حيث مناقشة الموضوع من جوانبه السوسيولوجية والسيكولوجية والاقتصادية وتوظيف مناهج التحليل المعاصرة في ذلك،وهي كثيرة ومتوفرة. ورغم الجهد المبذول في عرض افكار هذه الحركات لكني أرى أن الإضافة لما هو متداول في أدبيات الموضوع لا يشكل قيمة كبيرة، بل أزعم أن اغلب ما ورد في هذه الدراسة معروف حتى لغير المتخصص في مجمله وافكاره الرئيسية. ومع أن الموضوع المركزي للدراسة هو "الموقف من الآخر"، إلا أنني ارى ان الباحث تناول الموضوع بطريقة "العرض الموسوعي" بسرده لمواقف هذه الحركات الإسلامية من خلال كتابات قادتها الفكريين أو مرجعياتها الفكرية دون ربط تحليل "خطاب " هذه الحركات بالبيئة الاجتماعية والسياسية وتأثيرها في تشكيل نزعات التطرف في المواقف ، ناهيك عن أن نصيب "الموقف من الآخر " لم يكن كافيا في فصول الدراسات كلها.
 
 

 

شوهد المقال 1770 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats