الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - الإسلام بين النظرية والممارسة، أين التناقض؟

مخلوف عامر - الإسلام بين النظرية والممارسة، أين التناقض؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 منذ المحنة التي عرفتها الجزائر فيما عُرف العشرية الدموية أو السوداء. وقد شارك فيها خليجيون بأموالهم وفي مقدمتهم ملوك آل سعود الذين جعلوا من أراضيهم ممرّاً آمناً للإرهابيين من وإلى أفغانستان.ولكنهم لم يكونوا يتوقَّعون أن الرحى ستدور عليهم ذات يوم. كما أن النظام الموْبوء الذي مازال يحكمنا قد نسي كل ذلك وأصبح يستقبل بترحاب بهيج أولئك الذين عملوا بكل ما أوتوا من قوة المال والجاه من أجل تركيع الجزائر. وفتح لهم أبواب الصحراء ليصطادوا حيواناتها النادرة المحرمة على أهل البلاد أنفسهم. لكن الملاحظ في أوساط النخب من المثقفين والمفكرين والكُتاب أنهم يتميَّزون بالتردُّد أو بالصمت أو بالتراجع حين يتعلق الأمر بالدين. علماً بأن التجارب تبرهن يومياً على أن الإسلام السياسي يولِّد باستمرار رأس حربة تكون أكثر تطرُّفاً من سابقتها. بدءاً من الجناح العسكري للإخوان المسلمين إلى التكفير والهجرة مروراً بالقاعدة فداعش. فأما وقد بلغ التطرُّف أبشع صُوَره، فإن ذلك ينذر بأن القرن21 يتدرَّج نحو التخلص من الفكر الشمولي الذي يمارس طيْشه باسم الدين. وأمام كل هذه الفظائع التي نشهدها يومياً، مازالوا يغالطون الناس بقولهم: إن هؤلاء لا علاقة لهم بالإسلام، وأن إسلام التسامح والمحبة بريء منهم.فهل يأتي يوم تقترن فيه النظرية بالممارسة لدى المسلمين؟ أم أن هذا الدين سيبقى إلى الأبد فكرة مثالية تستعصي على التطبيق كما استعصت منذ صدر الإسلام حين نشب الصراع على الخلافة واستأثر بها المهاجرون دون الأنصار ومات ثلاثة من الخلفاء "الراشدين" مقتولين وحدثت الفتنة الكبرى لتخْلص السلطة السياسية لبني أمية فجعلوا الخلافة وراثية؟ منذ البدء صار الدين لعبة في أيدي السياسيين. ولم يخطئ "علي عبد الرازق" يوم قال عن "أبي بكر" إنه كان أول ملك في الإسلام. فإذا لم تكن كل هذه القرون الطويلة من التجريب كفيلة بتقديم نموذج ناجح، فذلك يعني أن العيب ليس في الممارسة وحدها، بل تكمن المشكلة في الأصول أيْضاً.فهل الإرهابيون والسلفيون وغيرهم من الطحالب التي مافتئت تنمو وتتكاثر، نزلوا من عالم آخر وبكتاب آخر غريب ، أم أنهم ينطلقون من القرآن، ولا مصدر لديْهم غير القرآن والسنة؟أعتقد أن صفة الإرهابي نفسها لا تقلقهم بقدر ما تُثْلج صدورهم وتجعل منهم أحسن مُمثِّل للقرآن من حيث إنهم يُرْهبون العدو، فقد جاء في الآية:(( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)). لعله مما يشرفهم أن يكونوا ممَّن تنطبق عليهم الآية.ثم حتى الأحزاب المعروفة قد أخذت تسمياتها من القرآن في الأصل. فلا شك أن جماعة الإخوان المسلمين حين أنشأها "حسن البنا" سنة 1928 كانت عيْنُه على الآية:[ 103 من آل عمران]: ((واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتُم بنعمته إخوانا)). كما كانت عينُ حزب الله اللبناني على جملة من الآيات: (( وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[المائدة56](( وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))[المجادلة22] فأما أنصار الله الحوثيون في اليمن فلا بد أنهم يستندون إلى مجموعة من الآيات منها: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)) ((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))[سورة محمد ، الآية:7 ] ((إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) [آل عمران: 160] والذين يمارسون اليوم همجية القرون الوسطى يستندون –بدورهم- إلى آيات صريحة تدعو إلى الجهاد والقتال، وهي كثيرة منها: ((لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً))(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))(( انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))(( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ))((وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ))((فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا))(( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ))(( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ))(( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))(( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )).هذا بالإضافة إلى ما تزخر به كتب التراث من تأويلات غارقة في السلفية والتعصب كما هي حال المذهب المالكي، وتأويلات ترفض الأديان الأخرى وتهدم الكنائس أو لا تسمح ببنائها وتلعن اليهود، في حين تتعالى أصوات الإسلامويين داعية إلى المزيد من بناء المساجد في البلدان غير الإسلامية والترويج للحجاب بنوع من الكبرياء الزائد والنفاق المفضوح.أنْ نسمع هذه المبررات الممجوجة باستمرار، من أن هؤلاء المتطرِّفين لا علاقة لهم بالإسلام أو أنهم يحرِّفونه، فإن ذلك يدخل في مجال الخطاب السياسي الذي يحتكم إلى الأساليب الديبلوماسية ومراعاة موازين القوة. وهذا من حق حاملي هذا الخطاب إذا كان سيُسْهم في إطفاء الحرائق، لكن ليس من حقهم أن ينتسبوا بهذا الخطاب إلى الحقل المعرفي. لقد ظهرت الفجْوة في الإسلام بين القول والفعل منذ البدء. ومع ذلك ظل يقرع مسامعنا خطابٌ مفاده أن الإسلام منزَّهٌ عمَّا يأتيه المسلمون من أخطاء في الممارسة وهو بريءٌ من تطبيقاتهم المنحرفة. بينما نرى اليوم أن الذي ينتصر "لديمقراطية إسلامية" يستشهد بقوله: ((فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ))[سورة الكهف، الآية ،129] ،وقد يضيف((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))(الإسراء ،الآية33) لكن شخصاً آخر قد يرتمي في أحضان الصف التكفيري حين يعتمد على قوله:(( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ))[آل عمران، الآية 85].لذلك وجب على كافَّة المتنوِّرين من النخبة أنْ يحسموا أمرهم فيما إذا كان مصدر التناقض هو الممارسة وحْدَها، أمْ أنه متأصِّلٌ في مصادر التشريع؟

شوهد المقال 1658 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats