الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - عن الأسيرة الأوروبية في تيبازة القرن 19م "مَامَّا بِينَاتْ" (Mama Binette) التي أصبحتْ من الأولياء والصالحين

فوزي سعد الله - عن الأسيرة الأوروبية في تيبازة القرن 19م "مَامَّا بِينَاتْ" (Mama Binette) التي أصبحتْ من الأولياء والصالحين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

"ماما بينات"، أو "أُمْ البْنَاتْ" حسب البعض، هذه امرأة أوروبية أنقذها سكانُ جبل الشنوة في تيبازة، غرب مدينة الجزائر، من الغرق عندما تعرضت السفينة التي كانت تقلها بمعية نساء أخريات لعاصفة هوجاء في عرض السواحل المقابلة لمنطقة قبيلة بني حواء في جبل الشَّنْوَة.

ويُقال إنها تزوجتْ لاحقا في المنطقة لتنحدر منها أجيالٌ من سكان المنطقة تغلب عليهم شقرة أوروبية على غرار "ماما بينات"... وتحوَّلتْ "ماما بينات" بمرور الزمن وبفضل مساعيها الخيرية الكثيرة إلى شبه ولية صالحة تحظى بالتبجيل والإجلال من طرف السكان إلى حد بناء ضريح على قبرها يزوره الناس للتبرك به.

بعد قرون من هذه الأحداث التاريخية، بقيتْ الاستخدامات سيئة النوايا لها قائمةً بين الناس بحيث عندما يريد أحدٌ استفزاز سكان الشنوة، يُعيِّرهم بكونهم أبناء "ماما بينات" أي أجانب وأبناء جارية تقريبا ،لأنها اعتُبِرتْ غنيمة في البداية عند إنقاذها حسبما هو شائع.

هذا ما تقوله الأسطورة، لكن التاريخ يقول إن السفينة "لُو بَانِيلْ" (Le Banel) التي أبحرت من ميناء تولون في فرنسا في يوم 09 يناير 1802م متوجهة إلى سان دومينغ في القارة الأمريكية لقمع تمرد محلي كانت محملة بجنود ومسافرين ونساء مات جلهم في العاصفة البحرية في يوم 15 يناير قرب شاطئ "لاَنْكْرْ دُو بَانِيلْ" (L’Ancre du Banel)، حسب الفرنسيين، وشاطئ السّْوَاحْلِيَّة أو"الفَاسْ" حسب أهالي المنطقة نسبةً إلى مرساة (Ancre) السفينة الغارقة، ذات الأمتار السبعة طولا والأمتار الثلاثة عرضا، والتي ما زالت موجودة إلى اليوم على الشاطئ الصخري الذي شهد حادثة الغرق قبل قرون.

وفي وثيقة واردة من القنصل الفرنسي في مدينة الجزائر دُوبْوَا تَانْفِيلْ (Dubois-Thainville) إلى الداي مصطفى باشا، حاكم الجزائر عند وقوع حادثة "لوبانيل"، يتحدث هذا الدبلوماسي عن "...سفينة فرنسية كان على متنها 200 بحَّار، 529 عسكريا، ونساء وحُمولة من الذخيرة الحربية..."...

 وفي نهاية المطاف، كان من بين الناجين من هذه الكارثة أربع نساء راهبات، يُعتقَد أنهن هولنديات، من بينهن واحدة تُسمَّى "مَّا بينات" التي كانت الوحيدة التي لم تتزوج هناك، وقد حظيتْ باحترام كبير من قِبل أهالي المنطقة خصوصا أنها كانت بمثابة الممرضة والطبيبة في بني حواء. وأطلق السكان على مرافقاتها الأكبر سنا منها على التوالي أسماء عربية هي: لاَلَّة عَوْدَة ودُفنت في بلدة بْرِيرَة القريبة، والثانية لاَلَّة عْزِيزَة مدفونة في تنس القديمة، أما الثالثة فقد سُمِّيَتْ بـ: يَمَّا البَخْتْ أو يَمَّا زْهَر وهي مدفونة في إلْمَايَنْ.

وقد عوملن باحترام كبير حسب شهادات شيوخ المنطقة من حافظي الذاكرة الجماعية المحلية. ويقال، بما في ذلك في الأوساط الفرنسية، إن "مَّا بينات" اعتنقت الإسلام وأصبحت من عقلاء وحكماء المنطقة لها كلمتها المسموعة في قضايا مجتمعها، بل نُسبتْ لها العديد من الكرامات...

أما اسم "مَّا بينات"، فيُقال إن أصله بالعربية: يَمَّاتْ البْنَاتْ أي أم البَنَاتْ، وحوَّره الفرنسيون إلى مّا بينات. وبلغ حبُّ الناس لِمَامَّا بِينّاتْ إلى حد انفجار خلاف عميق ومشادات عند وفاتها بين قبيلة بني حواء والسّْوَاحْلِيَة حول موقع دفنها حيث كان كل طرف يريد أن يدفنها على أراضيه، وفي نهاية المطاف تغلب بنو حواء على السواحلية ودفنوها في أراضيهم وبنوا لها ضريحا تزوره النساء كل يوم جمعة وتقام بداخله وليمة سنوية...

 

Un navire francais

سفينة فرنسية

 La cote des Béni Haoua à environ 200 km à l'ouest d'Alger où avait échoué le navire français Le Banel en 1802


ساحل بني حوّاء على بُعد حوالي 200 كلم غربًا عن العاصمة الجزائرية حيث انحرفت السفينة الحربية الفرنسية "لوبانيل" عام 1802م وهي تنقل على متنها "ماما بينات" ومرافقاتها ومئات الجنود الفرنسيين

 


Un roman sur l'aventure de Mama Binette et les soeurs qui l'accompagnaient

 Le mausolée de Mama Binette chez les Béni Haoua à Tipasa l’ouest d'Alger.

 


L'entrée du mausolée de Mama Binette à Béni Haoua
 La plaque mémoriale à l'entrée du mausolée de Mama Binette
 Plaque mémoriale au mausolée de Mama Binette, la religieuse Hollandaise devenue idole et sainte marabout en Algérie
 


Tombeaux de Mama Binette et de ces compagnonnees à l’intérieur du mausolée

 

شوهد المقال 2837 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats